الصفحة الرئيسة

آثار الوطن العربي

الحضارة العلمية

الحضارة العمرانية

الحضارة الفنية

الحضارة الأندلسية

الحضارة الإنسانية

تاريخ الحضارات

المخطوطات

تراجم وأعلام

كتابات وخطوط

متاحف

مكتبات

عواصم الثقافة

أخبار الحضارات

الآثار في أرضنا العربية ورحلتها إلى المتاحف الأوربية

 

د. خير ياسين

 

بداية الاكتشافات:

أثارت الاكتشافات الأثرية في وطننا العربي في منتصف القرن التاسع عشر فضول الإنسان الأوربي, حين وجد  أن أصل الحضارات ليس هو العالم الإغريقي و الروماني, وقد تهافت القارئ على تتبع أنباء الاكتشافات الأثرية في كل من العراق  ومصر, وقد امتلأت أكشاك الصحف ورفوف المكتبات بالنشرات والكتب والرسومات التي تصف هذه المكتشفات حتى غدا الشرق العربي عند بعض هؤلاء مركزاً غامضاًً ساحراُ مليئاً بالأسرار خاصة قبل التوصل إلى حل رموز الكتابة السومرية والهيروغليفية.

بدأت النشاطات الأثرية في العراق تقريباً في نفس الوقت الذي بدأت فيه في مصر, ومن أوائل من بدأوا في إلقاء الضوء على هذه الأطلال الأثرية المواطن البريطاني ( رش Claudius rich  ) (1786  182), وهو أحد موظفي شركة الهند الشرقية, وكان يتقن بعض اللغات الشرقية مثل السريانية والعربية, فقد بدأ عمله شاباً يافعاً في الحادية والعشرين من عمره, وذلك حين عين في الولاية العثمانية العربية, فاختار مقر إقامته في بغداد سنة 1808, وقد بدأ نشاطه في زيارة الأطلال الأثرية خلال أوقات فراغه فجمع الكثير من اللقي الأثرية والمخطوطات, وكانت أول الأطلال التي زارها مدينة بابل, وعمل (رش) على نشر الكتب عن مشاهداته وكان أولها كتابه عن مدينة بابل واتبعه بكتاب آخر عن مدينة نينوي وفي كتاب آخر وصف فيه رحلته إلى شيراز وبرسيبوليس وخلال إحدى رحلاته إلى برسيبوليس أصيب (رش) بمرض الكوليرا الذي أودى بحياته.     

  

التنقيبات الفرنسية:

وقد أثارت هذه الكتب فضول الفرنسيين, فقام قنصلهم في الموصل أميل ( بوتاemile bott ) بالتنقيب في نينوى على نهر دجلة قبالة الموصل سنة (1842م), واتبعها في السنة التالية بحفرياته في خورسباد وذلك بعد أن نما إلى عمله أن بعض الناس قد عثروا على تماثيل ضخمة هناك, فأسرع إلى الموقع وراح يعمل بمعوله في جنون وخلال أسبوع واحد فقط كان قد أتم الكشف عن قصر آشوري ضخم, تحلي أروقته تماثيل ونحوتات بارزة نقشت عليها كتابة سومرية, غير أن (بوتا) أخطأ حين ظن أنه قد كشف بعض آثار نينوى, فابرق إلى باريس برقيته المشهورة (لقد تم اكتشاف نينوى ) غير أن حقيقة الأمر أن (بوتا)  كشف عن آثار مدينة خورسباد العظيمة, وما أن وصل خبر هذا الكشف إلى الفرنسيين حتى ازداد حماسها, وقرروا تمويل (بوتا) بالمال اللازم للإنفاق على هذه الحفريات بعد أن كان يصرف عليها من جيبه الخاص, ونتيجة لهذا الحماس الشديد قامت بإرسال أحد أشهر الرسامين الفرنسيين للعمل مع (بوتا) وهو (فلاندن flandin), وقد عاد الاثنان بعد أن أنجزا أعمال التنقيب إلى فرنسا وعملا على نشر نتائج رحلتها, فأصدر خمسة مجلدات عن خورسباد monument du niniveh) ) ( 1849- 1850 ) خصصت أربعة فقط للوحات رسمها (فلاندن ) لروائع آثار خورسباد, ولكن القصة لم تنته هنا فقد قام (بوتا) بشحن العديد من آثار خورسباد إلى فرنسا وهي موجودة الآن في متحف اللوفر في باريس.  

   

التنافس الأوربي على الآثار العربية:

منذ ذلك الوقت بدأ سباق بين الإنجليز والفرنسيين في التسابق على القيام بالمغامرات الأثرية في العراق, فكان موقع نمرود من نصيب البريطاني ( ليارد Austen Menry Layard  )  ( 1817- 1894 ) فاستمر في التنقيب في هذا الموقع لمدة سنتين ( 1845-1847 ) وكان ينفق على الحفريات من جيبه الخاص قبل أن يتقدم المتحف البريطاني بتزويده بالمال اللازم, وحالف الحظ (ليارد ) عندما عثر على قصر (أشور ناصر بال) و(أسرحدون) و( شلمناصر الثالث الآشوري).

وكما فعل الفرنسيون قام (ليارد) بشحن الكثير من كنوز نمرود إلى بريطانيا لتحتل مكانها في قاعات المتحف البريطاني, وبإمكان الزائر العربي مشاهدتها الآن وهي تحتل القسم الأكبر من أروقة هذا المتحف وتعتبر من أثمن مقتنيات المتحف, وقد أثارت مكتشفات(ليارد) ضجة وحماس شديد في بريطانية, مما شجع المتحف البريطاني لرصد أربعة آلاف جنية من أجل نتائج الحفريات, كتلك التي نشرها (بوتا) و(فلاندن) غير أن الخزينة البريطانية أخفقت في تامين هذا المبلغ, فنشرت مجلدا واحدا للرسومات تحت عنوان (ِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِِthe monument of niniveh  ) وقامت بنشره هيئة خاصة سنة 1949, وصدر كتاب شعبي آخر بعنوان niniveh and Its remains )  ) سنة 1948-1849 ولقي هذا الكتاب الأخير رواجاًًً منقطع النظير فبيع منه ثمانية آلاف نسخة في سنة واحدة, ثم أعيدت طباعته على شكل حلقات كان القارئ البريطاني يتناوله في ذهابه إلى العمل وإيابه منه مما زاد من غطرسة (ليارد) واعتزازه بنفسه حتى خيل إليه أن شهرته فاقت الآفاق وخاصة عندما منحته جامعة اكسفورد درجة الدكتوراه الفخرية سنة 1948.  

 

الحفريات في العراق:

وعاد (ليارد) ثانية إلى العراق حيث قام المتحف البريطاني بتمويل حفرياته في كل من نينوى ونمرود وأشور كذلك بابل حيث كشف عن قصر ( سنحاريب) في كويونجك بما حوته مكتبه القصر من رقم كتابية كتبت بالخط السومري فاقت كل تصور حيث شحنت كلها إلى المتحف البريطاني وكان هم ( ليارد) الأكبر هو الحصول على أكبر كمية من التماثيل والنحوتات والقطع الفنية والرقم الكتابية والتي بالإمكان نقلها إلى بريطانيا, خلافاً للمخلفات المعمارية التي كان من الصعب نقلها من مكانها, لذا لم يعر أي انتباه إلى الدلالات التاريخية ونجده يصاب بخيبة أمل عندما كشف عن مخلفات كتلك التي تم العثور عليها والكشف عنها في القصور الآشورية في نينوى ونمرود.

قام (ليارد) بنشر مجموعة ثانية إضافة إلى المجموعة الأولى التي قام بنشرها قبل ذلك بعنوان (A second series of the monument of Niniveh  ) وكذلك (Discoveries in the ruins of Niniveh and Babylon ) سنة 1853 وتابع الفرنسيون والبريطانيون تسابقهم في الكشف ونبش كنوز العراق, وكل يحاول إثبات حقه في هذا أو ذاك من الأطلال الأثرية مما أدى إلى تدمير ثروة تاريخية لا نظير لها.

ثم عين المنقب العراقي (هرموز رسام) المتجنس بالجنسية البريطانية ليخلف (ليارد) في القيام بنهب الآثار وتخريبها وكان هذا أكثر شراسة وجشعاً من سابقه محاولاً الحصول على أكبر كسب مالي لنفسه, وقد اتخذ مدينة الموصل قاعدة له يرسل منها جماعات الحفارين لنبش المواقع الأثرية سعياً وراء الكنوز الأثرية ومن أجل إثبات حق البريطانيين دون الفرنسيين, وكان يحاول دائماً الوصول إلى المواقع الجديدة والبدء في التنقيب فيها, فاشتد الصراع بين الطرفين وزاد جشعهما, ولكنهما اتفقا في النهاية على اقتسام الموقع الواحد فيما بينهما, ولكن (هرموز رسام) كان كثيراً ما يعتدي على الجزء المقتطع للفرنسيين.

أرسل البريطانيون ( لفتوس William Kenneh loftus)  للعمل في نينوى خلفاً (لهرموز رسام), وقام هذا بالتنقيب في الوركاء وقد حالفه الحظ بالعثور على الرقم التي على ملحمة جلجامش بالإضافة إلى الكثير من المسامير الطينية الفسيفسائية, واستمرت الحفريات البريطانية فيما بين 1854 حتى 1955 تنقب في كل من تل العقير حيث (زقورة أور) الكلدانية وكذلك في تل شهرين (أريدو) ولما كانت هذه من المدن السومرية فهي لم تكشف عن آثار تذكر كتلك التي ظهرت في خورسباد ونينوى وبابل من المدن الآشورية.

وقد رافقت أعمال التنقيب عملية شحن كنوز العراق الحضارية إلى القارة الأوربية, وقد أثار ذلك غضب سكان العراق, وفي سنة 1855 وفيما كانت البواخر تعبر النهر حاملة كنوز العراق في طريقها إلى أوربا, وما إن وصلت شط العرب حتى وثب عليها المواطنون العرب محاولين منع خروجها, غير أن القوارب انقلبت وغرق ما فيها من كنوز في قاع النهر.

 

5ـ الحفريات في مصر:       

تعود الاكتشافات الأثرية في مصر إلى القرن التاسع عشر, وخاصة عندما بدأت أوربا تهتم اهتماماً كبيراً بأصول الحضارة اليونانية والرومانية وكذلك عندما بدأ الرحالة الأوربيون يكتبون عن مشاهداتهم بين أطلال الشرق العربي, غير أن حملة نابليون على مصر والتي رافقه 1967 عالماً تعتبر بداية لمرحلة من مراحل الكشف عن الآثار في مصر, وتم تأسيس المعهد المصري الفرنسي واتخذ من أحد قصور القاهرة مقراً له وخلال ثلاث سنوات من عمل المعهد تم إنجاز أعمال جمة منها مجموعة كتب بعنوان ( وصف مصر Discription de L Egypte ) وقام بنشر أول مجلد منها ( Jomard ) (1777- 1862).

وما إن أتت سنة 1813 حتى كان قد تم نشر 24 مجلداً من مجموعة هذا الكتاب, واشتملت على رسومات وتعليمات في غاية الدقة والروعة للآثار المصرية, غير أن الحدث الأكبر والذي أدى إلى حل لغز الكتابة المصرية وآثارها كان هو الكشف عن حجر رشيد الذي اشتمل على نقوش كتابية ساعدت على حل رموز الكتابة المصرية القديمة, ومع أن هذا الحجر قد نقل إلى لندن غير أن الذي فك رموز الكتابة عليه هو أحد قادة نابليون الذي استطاع أن يحل كتابة الجزء الأسفل من النقش المكتوب باللغة اليونانية والذي يعود تاريخ نقشه إلى سنة 196 قبل الميلاد وقام بكتابته قساوسة مدينة (منف) أو (منفيس).

أما الجزء العلوي من النقش فقد كتب باللغة الهيروغليفية, هذا الخط الذي تم مشاهدة الكثير من نماذجه في خرائط مصر.

أما الجزء الوسط فقد نقش نقشاً مغايراً للنقش السفلي وكان بالخط الديموطيقي, وهذا الخط هو الخط المشتق من الخط الهيراطيقي, واعتقد البحاثة أنه بمساعدة النقش اليوناني يمكن فك رموز الخطوط الأخرى, فانكب البحاثة في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا على فك رموز كتابة حجر رشيد مستعينين بما عثروا عليه من نقوش مثل مسلة جزيرة (فيله) التي تم لعثور عليها سنة 1822.

 

6ـ اكتشافات شامبليون:         

استمر العمل الجاد لحل رموز اللغات المصرية القديمة من قبل المهتمين وكان من بينهم (توماس يانج Thomas Young ) الذي عمل على حل رموز المفردات الديموطيقية, غير أن الفضل الأكبر في حل رموز الكتابة المصرية يعود أخيراً إلى (شامبليون Jean Francois Champollion 1790-1832)حيث بدأ عمله منذ سنة 1808 وأمضى 14 عاماً حتى استطاع أن يصل إلى حل الرموز.

 

7ـ العبث بالكنوز وسرقتها: 

لقد تدفق على مصر عدد من الرجال أقل مقدرة وخلفية ثقافية وكان همهم هو البحث عن كنوز الحضارة المصرية والعبث بكنوز القبور القديمة ومن أشهر هؤلاء(باتستا بلزوني Giovannni Battista Belzoni) وقد حضر لمصر لتسويق معدات للري, ولما فشل في عمله توجه نحو سرقة القبور الفرعونية من منطقة طيبة, ويعود الفضل الأكبر بما ينعم به المتحف البريطاني من كنوز مصرية, ولما عاد (باتستا) إلى بريطانية قام بعرض ما نهبه من كنوز مصرية.

توالت الكتابات عن الآثار المصرية خلال منتصف القرن التاسع عشر وظل الأثريون ينقبون وكان من أهم هؤلاء(ماريت Auguste Maritte) الذي عينه الخديوي مسؤولاً عن مصلحة الآثار المصرية, وظل في هذا المركز حتى مماته, وخلال حياته قام بإجراء التنقيبات الأثرية لأكثر من ثلاثين موقعاً بما فيهم ( السرلبيوم ) في منف ومعبد أوزوريس, ومعبد أبو الهول في الجيزة وهرم ومقبرة سقارة, ومعبد أبدوس في مدينة هابو, إضافة إلى الدير البحري وادفو.

ومع أن ماريت كان مرهف الحس بالنسبة للآثار غير أنه ارتكب من الأخطاء التي لا تغتفر ومنها استعماله للديناميت لتفجير أحد المقابر عند أبو الهول, أضف إلى ذلك أنه لم يفكر في ترميم الآثار المصرية, بل إن حفرياته في معظم الأحيان تترك دون إتمام, فكان همه الأكبر الكشف عن اللقى الثمينة, والمباني التذكارية , والأدهى  والأمر من ذلك أنه لم ينشر نتائج التنقيبات بشكل معقول,بل إنه لم ينشر الكثير من نتائج الحفريات, وكان يشعر بسعادة وهو يرى هذا العدد الكير من القطع الأثرية تتراكم أمام عينيه ولم يكلف نفسه تسجيل أماكن العثور عليها, أو قيمتها التاريخية, ولكن يعود الفضل له بأن عمل على ألا تخرج الآثار المصرية خارج مصر.

وقد واجهته صعوبات مادية لأن هم الخديوي كان منصباً نحو( فردناند دلسبس) ومشروع شق قناة السويس, فاضطر ماريت أن يختار أحد المساجد المهجورة ليقيم فيه متحف الآثار, وبقي الحال كذلك إلى أن تم الكشف عن كنوز مقبرة الملكة(أخ حوتب) ومجوهراتها, وقبل أن ينقل ماريت هذه التحف من المقبرة إلى المتحف داهم مدير (قنا) المكان وقام بالاستيلاء عليها وذهب بها إلى بيته, وتبادر إلى ذهنه فكرة حمل هذه المجوهرات في موكب عبر النيل ليقدمها إلى الخديوي على اعتبار أنها هدية منه للخديوي, وعندما علم ماريت بذلك, لحق به واشتبكا في معركة وأجبره على تسليم ما معه من مجوهرات أثرية.

وعندما سمع الخديوي بالحادثة قام بوضع يده على أحد العقود الذهبية لتقديمه إلى زوجته وأمر أن يعاد الباقي لمتحف يبنى من أجل هذا الغرض, وهكذا بدأ الخديوي بالاهتمام بالآثار, وبدأ بناء المتحف الأثري عام 1859 في منطقة بولاق, واهتم في وضع الحراسة الشديدة على ذلك المتحف حيث امتلأت قاعاته بتحف وكنوز الآثار المصرية.

ولكن شهية الخديوي عاودته مرة أخرى فأبدى رغبته في الحصول على بعض التحف ليقدمها هدية إلى أصدقائه, ولم يكتف بذلك بل راودته فكرة رهن آثار متحف الآثار مقابل الحصول على قرض مالي من الدول الأوربية.

ومع ذلك ظل المتحف المصري يزدهر وبالتدريج نقل متحف بولاق إلى قصر غير مستعمل في الجيزة سنة (1889م), وفي عام (1904م) تم إنشاء المتحف الحالي " قصر النيل " في القاهرة.

 

 

 

 
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
       
 
 
 
 
 
     
   

موقع أرض الحضارات

   

جميع الحقوق محفوظة

landcivi@landcivi.com