|
الحرف العربي |
النسخة الأولى
لسعديا |
النسخة الثانية لسعديا |
يافث |
يهوشوع |
|
أ |
א |
א |
א |
א |
|
ب |
ב |
ב |
ב |
ב |
|
ت |
ת |
ת |
ת |
ת |
|
ث |
ת |
ת |
תَ |
תَ |
|
ج |
ג |
ג |
גَ |
גَ |
|
ح |
ח |
ח |
ח |
ח |
|
خ |
כ-ך |
כ-ך |
כَ-ךَ |
כَ-ךَ |
|
د |
ד |
ד |
ד |
ד |
|
ذ |
ד |
ד |
דَ |
דَ |
|
ر |
ר |
ר |
ר |
ר |
|
ز |
ז |
ז |
ז |
ז |
|
س |
ס-ש |
ס-ש |
ס-ש |
ס-ש |
|
ش |
ש |
ש |
ש |
ש |
|
ص |
צ-ץ |
צ-ץ |
צ-ץ |
צ-ץ |
|
ض |
צ-ץ |
צ-ץ |
צَ-ץَ |
צَ-ץَ |
|
ط |
ט |
ט |
ט |
ט |
|
ظ |
צ-ץ |
ט |
טَ |
טَ |
|
ع |
ע |
ע |
ע |
ע |
|
غ |
ג |
ג |
ג |
ג |
|
ف |
פ |
פ |
פ |
פ |
|
ق |
ק |
ק |
ק |
ק |
|
ك |
כ-ך |
כ-ך |
כ-ך |
כ-ך |
|
ل |
ל |
ל |
ל |
ל |
|
م |
מ-ם |
מ-ם |
מ-ם |
מ-ם |
|
ن |
נ-ן |
נ-ן |
נ-ן |
נ-ן |
|
ه |
ה |
ה |
ה |
ה |
|
و |
ו |
ה |
ה |
ה |
|
ي |
י |
י |
י |
י |
|
ال |
|
אל |
אל |
אל |
|
ة |
ה |
ה |
הَ |
ה |
|
// |
אא |
אא |
א |
א |
|
ّ |
י=יי |
י=מ |
י=יי |
יי |
|
ء |
א=י |
א |
א |
א |
|
اء |
אא |
אא |
אא |
א |
مصادر الجينزا
Genizah:
على الرغم من كل الدلائل التي تشير إلى أن ترجمة سعديا كانت
باكورة الترجمات العربية اليهودية المدونة، فإن شذرات كتابية من الجينزا قد
احتوت على ترجمات يهودية-عربية من أسفار موسى وسفر الأمثال ويعود تاريخها إلى
القرن التاسع وكُتِبَت على الطريقة العربية- اليهودية، وتتشابه المقتطفات
السابقة مع النظام الصوتي للغة العربية المعتمد من قبل سعديا, وتذكر بولياك(8)
أن مفردات هذه الشذرات تتطابق مع ما ورد في ترجمة سعديا أحياناً، وتصنفها وفقاً
لقانونها اللغوي إلى مجموعة الأعمال الشفوية المترجمة, وأما الدلالة الخاصة
لهذه المصادر فهي ترجح تأكيد وجود الحركة النشطة في الترجمة بين يهود العالم
العربي خلال القرن التاسع وقبل ذلك أيضاً.
لقد تناولت العديد من الدراسات مسألة تراجم الكتاب المقدس إلى
لغاتٍ عديدة كالآرامية والسريانية والقبطية واليونانية، وعلى الرغم من غزارة
هذه الترجمات وتنوعها, تظهر لدينا ضآلة القسم الخاص بدارسة تاريخية وتجميعية
لمتفرقات النصوص الدينية من العهد القديم أو العهد الجديد باللغة العربية, بل
أجمعت الدراسات الغربية على أن أوائل هذه النصوص تعود إلى القرن الثامن
الميلادي(9).
فهل يقف البحثُ عند هذا الفاصل التاريخي أم يمكن البحث في فترات
تاريخية مبكرة تفيد بوجود ترجمات (شفوية أو كتابية) عبر دلائل يمكن أن يُحْتَج
بها؟.
وإذا أردنا أن نحدد ملامح هذه الترجمات في الفترة المبكرة من
ظهور الإسلام ينبغي التساؤل عن موضوعية تقسيم أنماط الترجمة المفترضة إلى
(شفوية أم كتابية) إلى أن يظهر دليل واقعي محدد يُستَطاعُ من خلاله ترتيب
مراحل تشكل النص العربي التوراتي, وقد بدأت تخمينات وجود هذه الترجمات العربية
تُطْرَحُ عبر تواريخ متعددة، وتشير «بولياك»إلى أن الكتاب المقدس قد دون في
القرن التاسع وخلال القرن العاشر (واستند هذا إلى مخطوطات يمكن تحديدُ تاريخها
عن طريق إرجاعها إلى مصدرٍ مسيحي أو يهودي)(10).
لا يمكن هنا أن نغفل دور الرهبان المسيحيين في القرن الرابع
الميلادي،عندما قاموا بجهود كبيرة تمثلت في نقل النص مشافهة إلى اللهجة
الآرامية المستخدمة، وسهل هذا إمكانيةَ نقل النص إلى اللغة العربية في القرون
اللاحقة وخاصةً عندما رسختْ اللغة العربية نفسها كلغةٍ رسميةٍ
بديلةٍ عن الآرامية بين معتنقي المسيحية واليهودية.
ولا بد أن عوامل أخرى قد ساهمت في عملية نقل النص إلى اللغة
العربية, وترتبط هذه العوامل بجوانب فكرية ودينية حتى في حالة عدم وجود دليل
مادي لمخطوط مترجم......
وقد هدفت هذه المحاولات المسيحية إلى تقديم النص أمام المسلمين
ليكون نصاً عربياً مقابلاً للنص الإلهي القرآني، وفي حال افتراض وجود دليل مادي
محدد لهذه الترجمات العربية فلا بد أن لغة هذه الترجمة تمتاز بسمات لهجوية تعبر
عن مرحلة تاريخية معينة, وعن أقلية دينية عكست سماتها اللغوية في النص, وقد
أوردت " بولياك" أثناء دراستها للترجمات القرائية رأياً يفيد أن أول ترجمة
عربية للعهد القديم كانت من أصل مسيحي ومكانها دمشق, وكانت سماتها اللغوية
قريبةً حسب رأيها من ترجمات دينية عرفت في فلسطين, وقد وُجدَتْ أربع مخطوطات
لهذه الترجمة, تحتوي على النص اليوناني وعلى ترجمة عربية للمزمور
(20-61: 78)(11)،
ونُسِخَ النص بحرف يوناني, ويعود تاريخ الترجمة إلى نهاية القرن الثامن, ولم
تورد الباحثة شواهد على هذه الترجمة المسيحية التي اعتبرتها نقطة البداية في
مرحلة التراجم العربية للكتاب المقدس.
ويُعتَقَدُ في هذا المجال أن مخطوطة سانت كاترين في سيناء
الخاصة بالعهد الجديد كانت أقدم الترجمات العربية ذات الأصل المسيحي وتشتمل على
كافة الأناجيل, ويعود تاريخها حسب ما ذكره ناسخُ المخطوطة إلى
حوالي (859)م
حسب ما ذهبت إليه "بولياك".
ويدل هذا على أن ترجمات عديدة وجدت قبل القرن التاسع الميلادي-
سواء كانت شفهيةً أو متفرقات مكتوبة- لم تخرج عن دائرة الكنائس والأديرة
الدينية, وتفيد التواريخ السابقة على حركة النشاط التي اختصت بها الأقلام
المسيحية عند تبنيهم مهمة النقل إلى اللغة العربية, دون أن يُنكرَ الدور
اليهودي في هذا المجال أيضاً, وقد تمركز الدوراليهودي السابق في فلسطين ، وربما
يرجع إلى التاريخ الديني الخاص بهذه البقعة الجغرافية التي احتضنت التيارات
الدينية المختلفة بالإضافة إلى أن هذا المجتمع عرف التعايش اليهودي والمسيحي
والإسلامي كما عرفه مجتمع الجزيرة العربية أيضاً.
وتعايش اليهود في ظل سماحة الدين الجديد على امتداد الأقاليم من
الجزيرة العربية إلى الشام والعراق ومصر, وساهم الوجود الإسلامي في عملية تنامي
الاندماج بين العناصر الثقافية من يهودية ومسيحية, فعندما دخلت الجيوش
الإسلامية العراق, عين الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه الحاخام الأكبر
البستاني مسؤولاً عن الجالية اليهودية, وكانت الشعائر اليهودية تمارسُ بحرية
تامة, واستمر هذا في عهد الخليفة على بن أبي طالب رضي الله عنه وتسلم اليهود
مناصبَ عليا في الخلافة آنذاك, ولم تقف الثقافة الجديدة بعد بلوغها أوج عزها
موقف الحذر والحيطة مما يجري حولها, بل انطلقت نحو الثقافات الأخرى, وشمل هذا
الانفتاح جوانب الحياة الفكرية والاجتماعية أيضاً, وتعداه في مراحله الأخيرة
ليشمل الجانب الديني أيضاً, فقد وُجدَ المسلمون بين ثقافات زرداشتية ويهودية
ومسيحية مع اتساع رقعتهم الجغرافية, واختلاط العناصر البشرية المتعايشة فيما
بينها, وأدى هذا التلاقح الثقافي إلى ظهور علاماتٍٍ من هذه الثقافة أو تلك,
ولا بد أن الحياة الحضرية قد ساهمت في تلون بعض هذه المعارف بالطابع الدنيوي
إلى جانب الصبغة الدينية, وكان هذا نتيجة اختلاط
العناصر البشرية المتعايشة, فأخذت مروياتُ القصص على سبيل
المثال طابعَ المبالغة أحياناً والمتعة في مراتٍ أخرى, وهناك العديد من الدلائل
التي في تشير إلى تقبل الطرف الإسلامي لماعند الآخرين؛ فقد استأذن تميم الداري
الخليفة عمر (ر) في رواية قصصه في مسجد المدينة المنورة في أول خلافته, فأبى
(حتى كان آخر ولايته فأذن له أن يُذِكر الناس في يوم الجمعة قبل أن يخرج عمر,
واستأذن عثمان فأذن له أن يذكر يومين في الجمعة)(12).
إن الحديث عن بدايات الترجمة العربية لا يتحدد مع وجود الدين
الإسلامي حصراً, لأن التراث العربي أوسع من الناحية الزمنية من التراث الإسلامي
لأنه يمتد عبر جذور الحضارات السامية القديمة, وكانت هذه القصص معروفةً عند
العرب قبل الإسلام, وشكلت إحدى مكونات التاريخ الشفوي عن طريق نصارى الشام
والعراق ويهود اليمن والمدينة.
ونرجح معرفة علماء المسلمين بتلك التجارب سواء كانت شفوية أم
كتابية فقد ذكر المسعودي أن الترجمة السبعينية للتوراة قد ترجمت أكثر من مرة
إلى اللغة العربية ، وأكد أن ترجمة حنين بن إسحاق من أهم هذه الترجمات والتي
يعود تاريخها إلى القرن التاسع الميلادي ؛ يقول :« ابطليموس الكسندرس ، وهو
الذي نقلت له التوراة ، نقلها اثنان وسبعون حبراً بالإسكندرية من بلاد مصر من
اللغة العبرانية إلى اليونانية وقد ترجم هذه النسخة إلى العربية عدة ممن تقدم
وتأخر منهم حنين بن إسحاق ، وهي أصح نسخ التوراة عند كثير من الناس »(13).
تحدد الشواهد العربية التوراتية في كتب التراث الإسلامية
التاريخية والدينية, وتكمن المشكلة هنا في ضخامة هذه الكتب وتعدد المصنفات
والأجزاء بالإضافة إلى تبعثر المادة المطلوبة وتوظيفها حسب السياق التأليفي.
وتتحدد الصعوبة الثانية في النص نفسه وطبيعة السرد فيه, فالفاصل
الزمني بين مرحلة وجود النص التوراتي ومن ثم تدونيه في عهد عزرا كان كبيراً,
وكذلك فإن احتمال انتقاله من لغة إلى أخرى وخضوعه للمرحلة الشفوية في اللغة
المنقول إليها ومن ثم تدوينه, يزيد من احتمال تغير الشكل نظراً لاتخاذه سمة
الوجود النصي ضمن فترات اجتماعية وسياسية مختلفة وصراعات دينية داخلية وأخرى
خارجية.
وبالتالي فإن روح اللغة التي نُقِلَ النص إليها تسري في هذا
النص المترجم, وهذا يضعنا أمام استفسار عن اللغة التي نقل النص منها بشكلٍ
مباشر إلى اللغة العربية, وعن عملية توظيف هذه المتفرقات في التراث العربي, وهل
كانت هذه المصادر شفويةً أم كتابية؟ وهل كانت اللغة المستخدمة الشفوية عربية أو
آرامية أو عبرية أو سريانية.
إن الشواهد النصية العربية التوراتية المتفرقة في أنواع الكتب
السابقة الذكر وضعت الباحث أمام هوية هذا النص الموجود, فوجود الأجزاء النصية
والشواهد في كتب التفسير الإسلامية والكتب التاريخية العربية تجعل المرء يتوقف
عند ماهية هذه الشواهد والمقاطع النصية ،هل نحن أمام نص حرفي أم مفهوم له.
وسندرس هذا الموضوع من حيز آخر تماماً, فإذا كان عمل سعديا
مهماً في كونه قَدَّم تثبيتاً كتابيا ًلترجمات شفهية عربية للتوراة ؛ فإن
دور الطبري كان أساسياً عندما ثبت ما سمع من نصوص يهودية (شفويةً كانت أم
كتابية) في تفسيره ، ويوضح المثال التالي مدى التطابق بين الشاهد عند
الطبري بمقابله المترجم عند سعديا:
سعديا:تك.8-6:ولما كان بعد أربعين يوماً،فتح نوح كوة
التابوت الذي صنع.
الطبري:فلما مضى بعد ذلك أربعون يوماً ، فتح كوة الفلك الذي
صنع (18).
سعديا:تك.8-11:فعلم نوح أن الماء قد خف عن وجه الأرض.
الطبري:فعلم نوح أن الماء قد قل عن وجه الأرض(19).
ونلاحظ التشابه في صفات السفينة بين ماورد عند سعديا
والطبري مع اختلاف في ترتيب الجمل وفقاً لتغيير الطبري لها:
سعديا:تك.6-15:وهذا مقدار ماتصنعها ،ثلاث مائة ذراع
طولها،وخمسون عرضها، وثلاثون سمكها.
الطبري: ذكر لنا أن طول السفينة ثلاثمئة ذراع ،
وعرضها خمسون ذراعاً، وطولها في السماء ثلاثون ذراعاً ،
وبابها في عرضها (20).
إن اعتماد الطبري على الروايات الشفوية المعبر عنها بلفظ
(أخبرنا) يشكل معادلاً للترجمة المدونة ضمن المرحلة التاريخية نفسها, ولكن
ما نوعُ هذا الاعتماد إنْ وُجدَ؟ وما شكله؟ يَنْكَرُ هنا الدور التنقيحي
الذي قامت الرواية الشفوية به في مرويات الطبري من تعديل في بعض الصيغ
سواءً في إطار اللفظ أم في ترتيب الأحداث, فقد جاء ترتيب الحدث في ترجمة
سعديا مطابقاً للأصل العبري وهذا طبيعي لأنه قُيِّدَ بالمصدر, وعمله يتحدد
بالترجمة, بينما اختلف هذا عند الطبري.
إن عدم تطابق ترتيب الأحداث بين ما رواه الطبري وما جاء في
المصدر العبري في بعض الأحيان أو ما جاء عند سعديا أيضاً يعود بسبب طبيعة
الرواية الشفوية وأثرها في تشكيل الشاهد عند الطبري, لأن لغة ما هو منطوق
تعد غير معدة على عكس النص المكتوب،بالإضافة إلى كون عملية توظيف الشاهد
تتحدد في هدف تفسيري وإخباري عند الطبري بينما يعبر شكل الفقرة عند سعديا
عن وظيفته كمترجم يحمل فكراً معيناً عبرت بعض العلامات المستخدمة عنده عن
ذلك،وأما الشواهد التي اتضح فيها الخلاف أحياناًعن الأصل العبري أو عما ورد
عن سعديا فيمثل النوع الثاني في شواهد الطبري التوراتية التي تتناسب مع
هدفه التفسيري كما في المثال التالي:
|
سعديا |
|
الطبري(21) |
|
تك.3/15: وعداوة أجعلها بينك وبين المرأة
وبين نسلك ونسلها
هو يشدخك الرأس
وأنت تلدغه العقب |
أنت عدوة بني آدم وهم أعداؤك
حيث لقيت أحداً منهم أخذتِ بعقبه
وحيث لقيك شدخ رأسك. |
| |
|
|
|
وكي نوضح مدى التقارب أو الخلاف نقابل ههنا بين نموذج من
شواهد الطبري مع ترجمة سعديا الربانية التي تعبر عن شفرات توراتية واضحة تم
الاتفاق فيها مع سعديا مع خلافات في تقديم لفظ ما أو حذفه أو في طريقة
تشكيل التركيب عند الطبري في بعض الأحيان :
|
سعديا "رباني" |
الطبري |
|
6/3:
فلما رأت المرأة أن الشجرة طيبة المأكل.......
...أخذت من ثمرها وأكلت وأعطب بعلها أيضاً معها
وأكل |
فأخذت حواء فأكلت منها |
|
فانفضت عيونهما |
فبدت لهما سوآتهما |
|
وعداوة أجعلها بينك وبين المرأة, وبين نسلك
ونسلها
هو يشدخك الرأس
وأنت تلدغه العقب |
أنت عدوة بني آدم وهم أعداؤك. حيث لقيت أحداً
منهم أخذت بعقبه وحيث لقيك شدخ رأسك.
|
|
وقال لآدم:إذ قبلت قول زوجتك وأكلت من الشجرة
الذي أمرتك قايلا: لا تاكل منها فملعونة الأرض بسببها
بمشقةٍ تاكل طول اييام حيوتك |
ملعونة الأرض التي خُلِقْتَ منها لعنةً يتحول
ثمرها شوكاً. |
إن مجموعة من العلاقات ساهمت في شكل الشاهد عند الطبري
نظراً لاعتماده على أكثر من مصدر للترجمة ، فهو لم يقتصر على سعديا فقط بل
لابد أن هناك مرويات أخرى قد يكون مصدرها عربياً مسيحياً أو من ترجمات
شفوية أو كتابية,ويحدد هذا لناأهميةعمل سعديا في كونه أعطى بداية تثبيت
التجارب السابقة, وبالتالي يدل على تطورٍ قد حصل في النص نشأ من خلال
التدوين الذي كان اختزالاً لترجمات أخرى, وربما كانت تلك الترجمات هي
المصدر الذي اعتمد عليه من قبل الذين نقل الطبري عنهم, لأن اللغة المكتوبة
تمد المنطوق الشفوي بالعديد من الصيغ والتراكيب التي تأخذ شكلاً جديداً
هنا, وهذا ما يجعل شواهد الطبري شاملة لعناصر من الشفويات التي ثبتها سعديا
جاؤون بالإضافة إلى نص سعديا نفسه بالنسبة إلى النصوص المتطابقة بينهما،
ولعناصر من ترجمات مفترضة, فأدى الاختزال الذي فرضته عملية انتقال الشفوي
إلى الكتابي المدون إلى تغيرٍ في الشكل والألفاظ مع احتفاظهم بشفراتٍ من
النص الأصلي.
ولايمكن أن يبرر حذف بعض الأحداث عند الطبري بما ورد في
الأصل العبري أو في ترجمة سعديا لسبب وحيد ألا وهو تجاوز الإطناب فقط بل من
الأرجح أنه حاول إسقاط بعض ماورد من أحداث في رواية «وهب» أومن أي مصدر نقل
منه الشاهد بسبب تنافيه مع الطابع التفسيري لعمله.
وقد تحل ألفاظ محل ألفاظ أخرى تعبر عن تدخل فرضته العلاقة
التفسيرية التي دفعت الطبري إلى هذا التغيير في بعض الأحيان ؛ويكون ذلك
واضحاً في المثال التالي الذي يبرر التغيير فيه عند سعديا لسبب يتعلق
بالترجمة بينما يبررعند الطبري لسبب إخباري وتفسيري:
سعديا:
تك.4-12:فإن تفلحها لاتعود أن تعطيك قواها نائعاً ونائداً
تكون في الأرض.
الطبري:فإذا
أنت عملت في الأرض فإنها لاتعود تعطيك حرثها ، حتى تكون
فزعاً تائهاً في الأرض(22).
سعديا:
تك.4-15:فخرج قايين من بين يدي الله وأقام في بلد نود شرق
عدن.
الطبري:
وخرج قابيل من قدام الله عزوجل من شرقي عدن الجنة.
سعديا:تك.2-21:فأخذ
واحداً من أضلاعه ،وسد مكانها بلحم.
الطبري:ثم
أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر ، ولأم مكانه لحماً(23).
ويعبر استخدام الطبري لبعض الألفاظ المرادفة عن علاقة التشابه الكبيرة مع
سعديا ويتضح التشابه في المثال التالي:
سعديا:عد.14-18:إنك
الله طويل المهل كثير الفضل ، غافر الذنب والجرم ،
ويبري ولايبري ،مطالب بذنوب الآباء مع البنين، والثوالث والروابع.
الطبري:فإنه
طويل صبرك، كثيرة نعمك ، وأنت تغفر الذنوب فلا توبق ،
وإنك تحفظ ذنب الآباء على الأبناء ، وأبناء الأبناء إلى ثلاثة أحقاب
وأربعة(24)
ويعبر حذف بعض الأحداث عن السبب التفسيري عند الطبري في
مقابل عمل سعديا كمترجم عن الأصل العبري:
سعديا:تك.3-6
فلما رأت المرأةُ أن الشجرة طيبة المأكل شهية النظر, مِنَّاً للعقل أخذت من
ثمرها وأكلت.
الطبري:
فأخذت حواء فأكلت منها(25).
ومما تقدم نلاحظ أن الطبري تعامل مع نمطين من المصادر
الشفوية النصية, فكان النمط الأول أكثر اقتراباً من المصدر العبري(26),
وترجمته المتمثلة بسعديا، وكان النمط الثاني كما رأينا نمطاً مشابهاً
للطابع المدراشي في الرواية, ويشترك النمطان في مرجعيتهما الشفوية السابقة
على "سعديا" أحياناً بالإضافة إلى نص سعديا الذي ثبت التجارب السابقة على
عمله في أحيان أخرى.
ويشكل "ابن قتيبة" نقلةً مهمةً من شكل الشاهد الذي يجمع بين
الشفوية والكتابية إلى الشكل الكتابي المدون والتعامل مع نصٍ معدٍ كتابي؛
ولم يقتصر هذا البعد على الجانب النصي فقط الذي اعتمد على مسموعات شفوية
وكتابية عند الطبري إلى كتابية عند ابن قتيبة؛ بل تعدتها إلى انتقال في
طبيعة المؤلفات التي دونت فيها الشواهد السابقة, لأننا هنا أمام مرحلة
التعامل الكتابي (التدويني) مع كتب في التاريخ والأخبار والسير والجدل
الديني وبالتالي كان تشكيل الشاهد معبراً عن خصوصية كل إطار من مناهج الكتب
السابقة, ولا بد أن هذا الانتقال في تدوين النص التوراتي اليهوديات؛ وقد
أتى (ابن قتيبة 828- 889 م) باقتباسات عربية مطولة من سفر التكوين وترى "بولياك"(27)
أن «هذه الاقتباسات تظهر استخدامه لترجمة عربية مسيحية سابقة كانت قائمة,
ولغتها هي السريانية»(28) وتذهب إلى تبني مسألة التطابق بين ترجمة سعديا
لسفر التكوين الإصحاح (1- 2) واستشهادات ابن قتيبة, وتدلل على ذلك بافتراض
وجود ترجمة عربية مسيحية سابقة أثرت في كلا المؤلفين, وقد أوضحنا في
الصفحات الأولى من هذا البحث أن موروثاً عربياً مسيحياً عرفته المنطقة من
ترجمات دينية وغير دينية تسبق سعديا, وربما وجدت جهودٌ يهودية عربية في هذا
المجال, ويبدو أن فقرات توراتية أخذت طريقها إلى التدوين والتداول قبل
فقرات أخرى, ودونت في الكتب الإسلامية وكانت تهدف إلى تفصيل بعض أحداث
القصص القرآني، وتسللت بعض الفقرات التوراتية أيضاً إلى متون تلك الأعمال
التي تناولت العديد من القضايا الأخلاقية والفكرية كما في كتاب "عيون
الأخبار" عند ابن قتيبة, ولم يلتزم ابن قتيبة في أثناء استشهاده بالقضايا
السابقة بتسلسل الفقرات التوارتية بل كان يعمد إلى مزج بعض الفقرات إلى
فقرات أخرى, ويعود هذا بسبب توظيفه للاقتباس كحجةٍ تاريخية كتابية أثناء
حديثه عن موضوع معين, فعند تناوله لموضوع الزهد استخدم بعض الاقتباسات
المتفرقة وضمها إلى بعضها ومثاله:
"وقرأتُ في بعض الكتب: عبدي! ما يزال مَلَكٌ كريمٌ قد صعد
إليًَّ منكَ بعملٍ قبيحٍ أتقربُ إليك بالنعمِ….." وفي التوراة: لعلك يا
إسرائيلُ إذا خرجتَ من البرية فدخلتَ الأرض المقدسة, أرضَ بني آبائك
إبراهيم وإسحق, فإنها تفيضُ بُرَّاً وشعيراً ولبناً وعسلاً فورِثتَ بيوتاً
بناها غيرُك, وعصرتَ كروماً غرسها غيرك, فأكلتَ وشربتَ وتنعمتَ بشحم لباب
القمح, ضربتَ بيدك إلى صدرك ورمحتَ كما ترمحُ الدابةُ برجليها, وقلتَ:
بشدتي وبقوتي وبأسي ورثتُ هذه الأرض وغلبتُ أهلها, ونسيتَ نعمتي عليك!
فأقذفُ الرعبَ في صدرك إذا أنتَ لقيتَ عدوك, وإذا هَبَّتِ الريحُ فتقعقع
لها ورقُ الشجر انهزمتَ, فأُقِلُّ رجالكَ, وأُرَمِّلُ نساءك, وأُيَتِّمُ
أبناءك, وأجعلُ السماءَ عليك نحاساً والأرض حديداً, فلا السماءُ تُمطِرُ
ولا الأرضُ تنبِتُ, وأُقِلُّ لك البركةَ حتى تجتمعَ نسوةٌ عشرٌ يختبزن في
تنورٍ واحدٍ"(29).
وعند مقابلة النص السابق مع ما ورد عند سعديا نجد:
ابن قتيبة: لعلك يا إسرائيل إذا أنت خرجت من البرية فدخلت
الأرض المقدسة, أرض آبائك إبراهيم وإسحاق, فإنها تفيض براً وشعيراً ولبناً
وعسلاً فورثتَ بيوتاً بناها غيرُكَ
|
عيـون الأخبار |
سعديـا |
|
لعلك يا إسرائيل إذا أنت خرجتَ من البرية فدخلت
الأرض المقدسة, أرض آبائك إبراهيم وإسحاق
فإنها تفيض براً وشعيراً ولبناً وعسلاً
فورثت بيوتاً بناها غيرك
وعصرت كروماً غرسها غيرك
فأكلت وشربتَ وتنعمت |
تث: 6 :10 : واذا ادخلك الله ربك الي البلد
الذي قسم لابايك, لابراهيم ليصحق ويعقوب ان يعطيكها
تث:6 :3 : كما وعدك الله الاه ابايك بلد يفيض
لبناً وعسلاً
تث:6 :10: تلك قرا كبار جياد ما لم تبنها.
تث:6: 11: وبيوت مملووه كل خير لم تملاها
وصهاريج منقورة لم تنقرها وكروم وزياتين لم تغرسها. فاكلت
وشبعت. |
ابن قتيبة: وقلتَ: بشدتي وبقوتي وبأسي ورثتُ هذه الأرضَ
وغلبتُ أهلها, ونسيتَ نعمتي عليك, فأقذفُ الرعب في صدرك إذا أنتَ لقيت
عدوكَ, وإذا هبت الريح فتقعقع لها ورقُ الشجر انهزمتَ...............وأجعلُ
السماء عليك نحاساً والأرض حديداً.....وأقلُ البركةَ حتى تجتمعَ نسوةٌ عشرٌ
يختبزن في تنور واحد.
|
عيـون الأخبار |
سعديـا |
|
بشدتي وبقوتي ورثت هذه
الأرض وغلبتُ أهلها
فأقذفُ الرعب في صدرك إذا أنتَ لقيت عدوكَ
وإذا هبت الريح فتقعقع لها ورقُ الشجر انهزمتَ
وأجعلُ السماء عليك نحاساً والأرض حديداً
وأقلُ البركةَ حتى تجتمعَ
نسوةٌ عشرٌ يختبزن في تنور واحد. |
تث. 8: 17 فلا تقول في
نفسك. ان قووتي وعظم قدرتي
اكسبت لي هذا اليسار.
لاو. 26: 36 ادخل الغبن
في قلوبكم, في بلدان اعدايكم
لاو. 26: 36 حتا انه لو
لحقهم صوت ورقه مندفعو لهربو كالهارب من السيف.
لاو. 26: 19 واجعل سماكم
بالحديد وارضكم بالنحاس.
لاو. 26: 26 واكسر لكم
معين الطعام, فيخبز كثير من النسا طعامكم في تنور واحد. |
إن تصدير ابن قتيبة للاقتباس السابق بفعل (قرأت)يدل على
اعتماده على نص كتابي مترجم ولكن الاقتباس السابق يضعنا أمام نقطة مهمة
تتعلق بتشيكل النص التوراتي السابق من فقرات مختلفة أخذ بعضها من سفر
التثنية وبعضها الآخر من سفر اللاويين ومن ثم تمت صياغة النص على شكل وحدة
نصية متكاملة متعددة المصادر: ويمكن أن يكون هذا من عمل(ابن قتيبة) نفسه:
لكن عبارة (وقرأت) (وفي التوراة ) تدل على احتمال أن يكون الاقتباس السابق
قد وجد على الشكل الذي وجدناه.
ولم يتبع (ابن قتيبة) الأسلوب السابق من التجميع في
اقتباسات نصوص اليهوديات الأخرى, ونقصد هنا النصوص الخاصة بالخلق والعالم
وفترة الآباء, بالإضافة إلى تمتع تلك النصوص بمرونة في التشكيل والتأويل
وفقاً للخلفية الفكرية للمترجم أو الناقل (المفسر- المؤرخ) لهذه الاقتباسات
المدونة أثناء تنقيحه للنص التوراتي, لأنها لا ترتبط بقواعد تشريعية, حيث
تفتقر اللغة فيها إلى رؤية ذهنية, بينما تتضح أكثر في نصوص تحمل طابعاً
قصصياً أو فكرياً, وتدل اقتباسات ابن قتيبة على ثقافته الواسعة, فقد نسج
الحادثة النصية التوراتية وفقاً لرؤية فكرية إسلامية, وركز على النص وما
يؤديه إخباراً, وبما أن نصوصه تصنف من النمط النصي التوراتي الكتابي فهذا
يجعل من الضرورة أن تقابل مع شبيهها من ترجمة سعديا وتم اختيار قصة الخلق
على سبيل المثال:
|
سعديـا |
ابـن قتيبة |
|
|
تك (1)
1-أول ما خلق الله
السموات والأرض.
2-والأرض كانت غمرة مستبحرة, وظلام على وجه
الغمر, وريح الله تهب على وجه الغمر. 3-فشاء الله
أن يكون النور, فكان النور. 4- فلما علم أن النور جيد, فصل
بين النور والظلام,
5-وسمى الله أوقات النور نهاراً, وأوقات الظلام
ليلاً –لما مضى من الليل |
"قرأتُ في التوراة في أول سِفر من
أسفارها أن أول ما خلق الله تعالى من خليقته السماء
والأرض.
كانت الأرضُ خَرِبَةً خاوية, وكانت الظلمةُ
على الغَمْر, وكانت ريحُ الله ترف على وجه الماء,
فقال الله: ليكن النور, فكان النور, فرآه الله حسناً.
فميَّزه من الظلمة
وسماه نهارا,
وسمى الظلمةَ ليلاً, فكان مساء وكان
|
|
|
|
سعديـا |
ابـن قتيبة |
|
|
والنهار يوم واحد. 6-فشاء الله أن يكون جلد
في وسط الماء, ويكون فاصلاً بين المائين...... 7-فصنع
الله الجلد, وفصل بين الماء الذي من دونه وبين الماء الذي من
فوقه, فكان كذاك.
8-وسمى الله الجلد سماءً, لما مضى من
الليل والنهار يوم ثاني(30) |
صباح يوم الأحد.
وقال الله عز وجل: ليكن سقف وسط الماء,
فليَحُل بين الماء والماء, فكان سقف, ومَيَّزَ بين الماء
الذي هو أسفل وبين الماء الذي هو أعلى,
فسمى الله ذلك
السقف الأعلى سماءً, فكان مساء وكان صباح يوم
الاثنين(31). |
| |
|
|
|
|
ويعد "ابن كثير" (701- 774 هـ) من رجال هذه المرحلة التي
استندت على مرجعيات نصية للاقتباسات التوراتية, ونستدل على ذلك بما ذكره في
كتابه«قصص الأنبياء»حول ماأصاب النص التوراتي المترجم من أخطاء لغوية ومن
ثم فقد عرض ابن كثير رأياً نقدياً في أصول علم الترجمة ، فيذكر أن (نقل
الكلام من لغة إلى لغة لا يتيسر لكل أحد, ولا سيما ممن لا يكاد يعرف كلام
العرب جيداً, ولا يحيط علماً بفهم كتابه أيضاً, فلهذا وقع في تعريبهم خطأٌ
كثيرٌ لفظاً ومعنىً)(32).
ففي قصة شجرة معرفة الخير والشر كان اقتباس ابن كثيرالموظف
في كتاب قصص الأنبياء يتطابق مع مصدره العبري, فقد جاء فيه:"وكانت من أحسن
الأشكال وأعظمها, فأكلت حواء عن قولها وأطعمت آدم – وليس فيها ذكرٌ لإبليس-
فعند ذلك انفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان, فوصلا من ورق التين وعملا
مآزر – وفيها أنهما كانا عريانيين,"(33)
|
المصدر العبري |
ابن كثيــــــر |
|
והנחש
היה
ערום
מכל
חיה
השדה |
وكانت من أحسن الأشكال وأعظمها |
|
ותפקחנה
עיני
שניהם
וידעו
כי
עירומם
הם |
انفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان |
|
ויתפרו
עלה
תאנה
ויעשו
להם
חגרת |
فوصلا من ورق التين وعملا مآزر |
ونلاحظ بعد مقابلة النص السابق بترجمة سعديا وجود بعض
العلامات التي أسقطها الشاهد التوراتي عند ابن كثير، وهذا يبرهن أن تأثر
(ابن كثير) كان يستند إلى مصادر كتابية اعتمد عليها من ترجمات عربية دينية,
بينما كان اعتماد الطبري يقوم على مجموعة من المصادر الشفوية السابقة
لسعديا بالإضافة إلى الكتابية، ونلاحظ أن عبارة "ليس فيها ذكر لإبليس"
الاعتراضية في النص في الاستشهاد السابق تدل على رؤيته النقدية وموقفه
الجدلي تجاه بعض الروايات الشفوية التي جاءت عند الطبري حول قصة دخول
الأفعى إلى إبليس ،كما تدل مجموعة من الاستشهادات التوراتية الواردة عند
ابن كثير على أنه قد عرف ترجمة سعديا وهذا ماتوضحه لنا الأمثلة التالية :
|
سعديا |
ابن كثيــــــر |
|
8/6ولما كان بعد أربعين يوماً فتح
نوح كوة التابوت الذي صنع
|
فلما مضى بعد ذلك أربعون يوماً
فتح نوح كوة الفلك التي صنع فيها. |
|
8/11.....وإذا بورقة زيتون مقطوعة في
فيها. |
فرجعت ....وفي فيها
ورق زيتونة |
|
8/11....فعلم نوح أن الماء قد خف عن
وجه الأرض. |
فعلم نوح أن الماء قد قل عن وجه الأرض |
|
8/15 كلم الله نوح
قائلاً
|
عند أهل الكتاب أن الله ..... كلم
نوحاً قائلاً |
|
8/16اخرج من التابوت
أنت وزوجتك وبنوك ونساء بنيك معك. |
اخرج من الفلك أنت وامرأتك
وبنوك ونساء بنيك معك. |
|
8/17 وجميع الوحش الذين معك من كل
بشري..................أخرجهم معك .يتولدون في الأرض
ويثمروا ويكثروا عليها. |
وجميع الدواب التي معك
ولينموا وليكثروا في الأرض
فخرجوا |
|
8/20 فبنى نوح مذبحاً لله.
|
وابتنى نوح مذبحاً لله
عزوجل(34). |
إن تصدير (ابن كثير) لاقتباساته السابقة بعبارات استهلالية
مثل (وفي كتاب التوراة قيل) أو (عند أهل الكتاب) تؤكد اطلاعه على النص
نفسه, وليس على ما تم سماعه, وتأتي تعقيباته النقدية للنص لتؤكد هذا أيضاً
،من مثل قوله: «هذا تحريف وخطأ في التعريب » و «هذه الركاكة جاءت من
خطئهم في التعبير والتصوير »(35).
إن شواهد ابن كثير التوراتية تؤدي وظيفةً إخبارية أكثر من
الوظيفة التفسيرية, علماً أن أسلوبه في سرد قصص الأنبياء يدل على أن
الشواهد التي ساقها من اليهوديات تحمل أهمية في كونها تعبر عن نص معد
بالمقارنة مع شواهد أخرى, وهذا ما يمكن أي باحث من عقد مقارنة بينها وبين
الترجمات السابقة لها زمنياً, وتعد قصة ميلاد إسحاق (ع) من الشواهد المهمة
الدالة على مرجعية كتابية تم الرجوع إليها, يقول: "وعند أهل الكتاب أنه
أحضر مع العجل الحنيذ وهو المشوي رغيفاً مِكَّةَ فيه ثلاثة أكيال وسمن
ولبن, وعندهم أنهم أكلوا, وهذا غلطٌ محض, وقيل: كانوا يرونَ أنهم يأكلون
والطعام يتلاشى في الهواء........."
|
|
سعديـا |
ابن كثيــــــر |
|
|
15- ثم قال الله لابراهم:
ساري زوجتك لا تسميها ساري,
بل اسمها ساره
16- فإني أبارك فيها (وأرزقك) منها
ابناً. وأبارك فيه ويكون منه أمة وملوك الشعوب منه
يكونوا.
17- فوقع ابراهم على وجهه,
وضحك وقال في نفسه:
ألابن ماية سنة (يولد)
وسارة ابنه تسعين سنه تلد؟ |
وعندهم أن الله تعال قال لإبراهيم:
أما سارا امرأتك فلا يدعى اسمها سارا
ولكن اسمها سارة,
وأبارك عليها
وأعطيك
منها ابناً,
(وأباركه)
ويكون الشعوب منه,
فَخَرَّ إبراهيمُ على وجهه
– يعني ساجداً
وضحك قائلاً في نفسه:
أبعد مائة سنة يولد
لي غلام؟
أو سارة
تلد وقد أتت عليها تسعون سنة؟ |
|
18- فقال ابراهم بين يدي الله:
ليت اسماعيل يحيا
معه بين يديك.
19- فقال الله:
لكن ساره زوجتك ستلد لك ابناً
وتسميه يصحاق.
وأُثْبتُ عهدي
معه, عهد الدهر ولنسله وفي اسماعيل قد
شفعتك (سمعتك)
ها أنا (قد باركته).
وأنميه, وأكثره جداً جداً
اثني عشر شريفاً يولد.
وأجعل منه أمةً كبيرة (عظيمة)(36).
|
وقال إبراهيم
لله تعالى:
ليت إسماعيل يعيش
قدامك,
فقال الله لإبراهيم:
بحقي أن امرأتك سارة
تلد لك غلاماً
وتدعواسمه إسحاق إلى مثل هذا الحين من
قابل,
وأوثقه ميثاقي
إلى الدهر ولخلفه من بعده,
وقد استجبتُ لك في
إسماعيل
وباركتُ عليه
وكثرته, ونميته جداً كثيراً,
ويولد له اثنا عشر عظيماً,
وأجعله
رئيساً لشعبٍ عظيم(37). |
|
|
|
|
|
وتنتمي اقتباسات ابن حزم إلى السياق الثاني الفكري الجدلي,
ويبدو أن اختلاف البيئة الاجتماعية والفترة التاريخية التي عاشها ابن حزم
(994- 1064) تبرهن على صلته بمصادر ثقافية متعددة مسيحية ويهودية, وجرياً
على عادتها تنفي "بولياك" أية صلة بين ابن حزم والترجمة الربانية لأن
«الاقتباسات الحرفية والمطولة من أسفار موسى الواردة على نحو مكثف في الجزء
الأول من كتاب (الفصل في الأهواء والملل والنحل) تبرهن أنها أُخذت عن ترجمة
عربية تخالف ترجمة سعديا الفيومي»(38).
إن طبيعة العصر الفكرية توضح أن ابن حزم كان أمام خيار
الترجمات المسيحية الموجودة آنذاك, وخيار الترجمة القرائية والربانية
أيضاً, وعند مقارنة استشهاداته نجد تطابقاً شديداً بين ما أتى به من نصوص
اليهوديات وترجمة سعديا, وبما أن اقتباساته تحمل صفة التوظيف الخاص وفقاً
لمؤلفه الجدلي فليس من المستبعد أن يكون قد نقح مواضعَ منها واختزل في
مواضع أخرى بعض العبارات، لأن موقف ابن حزم يتمثل في محاورة العقل الآخر
ومجادلة موقفه الحضاري من الإله والإنسان, وهذا يجعل أداته اللغوية مختلفة
في تكوينها وموجهةً نحو إعلاء ما يقتنعُ به, وبالتالي توظف اقتباساته
أحياناً بشكل موجز في نقطة معينة من الشاهد .
ولا غرو في أنه يملك حرية الجمع بين ترجمات متعددة لهدفه
الذاتي, فليس من المهم أن يُرَجَح مصدراً معيناً من الترجمة على حساب مصدر
آخر, بل تحتم ضرورةُ منهجه اختيار ما يتناسب مع توجهه الجدلي, ونسوق على
سبيل المثال النصوص التالي:
|
سعديـا |
ابن حـــزم |
|
1- فتجلا(ى) له الله في مرج ممرا وهو جالس على
باب الخبا(ء), عند حمى النهار
2- فرفع عيناه ونظر, فاذي(ا) بثلاثة نفر. وقوف
أمامه. فلما رآهم حاضر تلقاهم من باب الخبا(ء) وسجد على الأرض.
3- فقال يا ولي الله: ان وجدتُ حظاً عندك, فلا
تتجاوز عن عبدك.
4- يقدم لكم قليلا من الما(ء), واغسلو(1) رجلكم
واستندو(ا) تحت الشجرة.
5- واقدم كسره من الطعام واسندو(ا) قلوبكم.
بعد ذلك تمضون.
|
"وتجلى الله لإبراهيم عند بلوطات ممرا, وهو
جالس عند باب الخباء, عند حمى النهار.
ورفع عينيه فإذا بثلاثة نفر وقوف أمامه فنظر
وركض لاستقبالهم عند باب الخباء وسجد على الأرض, وقال يا سيدي:
إنْ كنت قد وجدت نعمة في عينيك فلا تتجاوز عبدك.
لِيؤخَذْ قليل من ماء. واغسلوا أرجلكم,
واستندوا تحت الشجرة, وأقدمُ لكم كسرةً من الخبز, تشتد بها
قلوبكم وبعد ذلك تمضون.
فمن أجل ذلك مررتم على عبدكم, فقالوا: |
|
سعديـا |
ابن حـــزم |
|
فانكم علي ذلك, مررتم بعبدكم. قالو(ا)
صُنِعَ كم قلت.
6- فاسرع ابراهم الي الخبا(ء)
الي سارة,
وقال: اسرعي بثلاثة اصواع من دقيق
السمد, اعجنيه واصنعيه مليلا.
7- والي دمن البقر حاضر ابراهم. فاخذ عجلا رخصا
طيبا ودفعه الى الغلام. واستعجله في اصلاحه. 8- ثم اخذ سمنا
ولبنا. والعجل الذي اصلحه, وجعل ذلك بين أيديهم وهو واقف
أمامهم تحت الشجرة فاكلو(39).
|
اصنع كما قلت,فأسرع ابراهيم إلى الخباء
إلى سارة, وقال لها اصنعي ثلاثة صيعانٍ من دقيق
سميذ, اعجنيه واصنعي خبزَ ملةٍ,
وحضر إبراهيم إلى البقر, وأخذ عجلاً رخيصاً
سميناً ودفعه للغلام واستعجل بإصلاحه, وأخذ سمناً ولبناً,
والعجل الذي صنعوه. وقدم بين أيديهم وهو واقفٌ تحت الشجرة
وقال: كلوا(40).
|
| |
|
|
فقد ركز المفسرون المسلمون على اعتبار الشاهد العربي
التوراتي شاهداً إخبارياً فقط, يقوم بوظيفته البنائية لبعض أحداث القصص
القرآني المجمل من ناحية, وبوظيفة براجماتية للنص المفسر من ناحية أخرى
اعتقاداً من المفسر أن هذا يعين على فهم النص القرآني, وتوضيح مداخله,
وكانت أبرز سمات هذا النص:
1-
إهمال الإشارة إلى المصدر المترجم سواء كان حرفياً أم
معدلاً وعدم الاهتمام بتأصيل الشاهد التوراتي.
2-
الاكتفاء بالغاية النفعية للشاهد على اعتباره يؤدي الهدف
الديني الذي يريده المفسر.
3-
التركيز على الشاهد التفسيري، وبناء عليه يمكننا أن نبني
النص التوراتي العربي عبر مستويين :
أ_ المستوى الشفوي : ويمتد عبر مصادر شفوية عربية في الحياة
العربية قبل الإسلام ومرحلة التدوين بعد ذلك .
ب_مستوى النص المدون: ونعني هنا الاقتباسات التوراتية
العربية من مصادر شفوية وكتابية في كتب التفسير والتاريخ.
وهذا يعني أن أول ترجمة و أول نص كان عربياً بدءاً من
القرن الرابع ومن ثم أخذت المخطوطات اللاحقة عنها ونشأت العربية المعبرنة.
إجراء تأليفي للمصادر العربية للشواهد
السابقة
فصل الخلق
«إن أول ماخلق الله السماء والأرض.
وكانت الأرض خربة خاوية .
وكانت الظلمة على الأرض، وريح الله
تعالى يرف على وجه الماء ،
, فقال الله ليكن النور فكان النور, فرأى الله ذلك حسناً
فميزه من الظلمة.
وسماه نهاراً وسمى الظلمة ليلاً.
وقال ليكن رفيعاً وسط السماء فليحل
بين الماء والسماء فكان سقفاً يميز بين الماء الذي أسفل وبين الماء الذي هو
أعلى وسماه سماءً.
وقال الله ليجمع الماء الذي تحت
السماء وليكن اليُبْسُ فكان كذلك. فسمى مجتمع الماء البحار وسمى اليبس
الأرض وقال الله: ليخرج الأرض الزهرَ والعشب والشجر ذا الحَمْل فأخرجت
الأرض ذلك, ثم قال الله تعالى: ليكن نوران في سقف السماء, ليميزا بين الليل
والنهار وليكونا آتيين للأيام والشهور والسنين فكان نوران الأكبر والأصغر.
فالأكبر لسلطان النهار والأصغر
والنجوم لسلطان الليل فرآه الله حسناً. وقال الله ليُحرك الماء كُلَ نفس
حية لجنسها وكل طائر لجنسه فرأى الله ذلك حسناً, فقال: انموا واكثروا
واملؤوا الأرض, وقال الله تعالى: نخلق بشراً كصورتنا وشبهنا ومثالنا ويكون
مسلطاً على سمك البحار وطير السماء ودواب الأرض فخلق آدم على صورته ومثاله
وشبهه(41) ونفخ في وجهه نسمة الحياة(42).
وقال: إن آدم لا يصلح أن يكون وحده,
ولكن أصنع له عوناً مثله, فألقى عليه السبات, فأخذت أحد أضلاعه ولأمها,
وسمى الضلع التي أخذ امرأة, لأنها
من المرء أخذت, فقربا إلى آدم, فقال
آدم: عظم من عظامي ولحم من لحمي, ومن أجل ذلك يترك الرجل أباه وأمه ويتبع
زوجته, ويكونا كلاهما جسماً واحداً.
وتركهما الله عز وجل, وقال: أثمروا
وأكثروا واملؤوا الأرض, وتسلطوا على ألوان البحار وطير السماء والأنعام
والدواب وعشب الأرض وشجرها وثمرها. ورأى كل ما خلق فإذا هو حسن جداً. وكان
مساء وكان صباح يوم الجمعة. وكمل كل أعمال الله عز وجل التي عمل, ثم استراح
في اليوم السابع من خليقته, وبَرَّكه وطهره وقدسه(43).
ونصب الرب الفردوس في عدن(44) وبها
نهر يخرج منها فيسقي الجنان, ومن ثم يفترق فيصير أربعة أرؤس(45)
اسم أحدهما النيل, وهو محيط بجميع
بلاد زويله الذي به الذهب, وذهب ذلك البلد جيد, وبها اللؤلؤ وحجارة البلور.
واسم الثاني جيحان وهو محيط بجميع
بلاد الحبشة. واسم الثالث. الدجلة. وهو السائر شرق الموصل واسم الرابع
الفرات. وأخذ الله آدم ووضعه في جنات عدن(46).
ونصب شجرة الحياة وسط الفردوس وشجرة
علم الخير والشر. وقال لآدم: كُلْ ما شئتَ من شجرة الفردوس. ولا تأكل من
شجرة علم الخير والشر فإنك يوم تأكل منها تموت.
46.
المرجع السابق: ص 203.