|
ويعتبر متحف ال ( برادو ) مقصداً لعشاق الفن ومتذوقيه من أرجاء العالم
وكذلك للباحثين في بطون التاريخ, حيث تعتبر لوحاته سجلاً حافلاً بالأحداث
والثورات الكبرى.
2ـ مونمارتر على الطريقة الإسبانية:
ويطلق على هذا المبنى وما حوله ( مروج جيروم ) حيث حدائقه الطبيعية العظيمة
التي لا تضارع إلا حدائق قصر ( بون ريتيرو ) الشهير منذ عرب الأندلس
بعظمتها, منذ أيام مدريد القديمة أو كما كانت تعرف ( مجريط ) كما أسماها
العرب ويعرف الإسبان هذا المكان باسم ( المزارة ) تحريفاً للفظ العربي (
المسارة ) حيث كان يمضي الأندلسيون للنزهة, ولذلك فهي أروع أماكن مدريد
عناقاً للطبيعة حيث انتشر الفنانون من الرسامين الشبان لتسجيل الطبيعة ورسم
البورتريهات.
3ـ كنوز العصور الوسطى:
إلى جانب ما أضفاه المهندس الإسباني ( جوان دي فيلانوفا ) على هذا البناء
كأروع ما أمكن تحقيقه للهندسة المعمارية الكلاسيكية الجديدة في إسبانيا
كلها, حيث مزج بين الحديث والقديم مع الاحتفاظ بالمعالم المميزة للبيئة
المحيطة.
كل هذا وغيره كان وراء تحقيق فكرة لوحات رواد الفن الإسباني, بداية في
البلاط الملكي, ومن ذلك لوحات ( انطوان رفائيل ) الذي يعتبر أحد عظماء الفن
التشكيلي ومدرسة الكلاسيكية الجديدة.
4ـ تأثير الفن الهولندي:
إن الذين يؤرخون لانتعاش الفنون في إسبانيا وقيام المتاحف في أنحاء البلاد
وعلى رأسها متحف ( برادو )يرجعون ذلك إلى العلاقات الاقتصادية بين إسبانيا
وهولندا حيث لعبت دورها الحيوي في تنشيط الاهتمام بالفنون, وخاصة والدولة
الأخيرة قد برز فيها فن الرسم منذ القرن السابع عشر على نحو بديع على أيدي
رواد عظماء مثل: ( فان ديك ) و( روبنز ).
وهكذا تحول بناء ( فيلانوفا ) الرائع إلى كنز من كنوز الفنون التي تمثل
الفن التشكيلي في العصور الوسطى وحتى القرن التاسع عشر.
فأجنحة ( برادو ) تزخر بمجموعات الإسكتشات ولوحات الرسم بالماء, وقطع
الأثاث التاريخية والديكور الفني, إلى جانب مقتنيات الفن الحديث التي تمثل
كل أوربا.
5ـ بانوراما ال ( برادو ):
لقد تميزت الواجهة الخارجية ل ( برادو ) بألوانها الجذابة عند تداخل الآجر
مع الأحجار في التشييد كما لعبت الهندسة دورها بحيث توحي بالوقار خاصة
عندما أضاف الأقواس لتعلو ممرات أروقة المتحف من الخارج والداخل إلى جانب
هذا التداخلات في الجدران لتنصب فوقها القطع الأثرية النادرة.
وقد شيدت الواجهة الشمالية وزخرفت بصورة تحيي قصة الفنون, كما توزعت في
واجهات الأروقة الخارجية عشرات التماثيل المرمرية مما تلقاه ( فردناند )
كهدايا ملكية, ومن تحت القبة الدائرية التي تشهق لتصارع ( بانثينون ) روما
الشهير, يمكن الانطلاق إلى جميع الأجنحة بما يحتويه من كنوز الفن التشكيلي.
6ـ روائع رواد الفن:
من بين روائع رواد الفن نجد روائع ( رامبرانت ) منان هولنا الشهير وقد برزت
لوحته ( أرتميسيا ) التي تلقى احتفاء كبيراً في ال ( برادو ) فهي اللوحة
الأصلية لهذا الفنان والتي تحف بها لوحات الفنانين الهولنديين الآخرين
أمثال: ( أكين ) ( 1570-1628م )صاحب لوحة ( فقدان الحياة ), وكذلك لوحات
الفنان ( انديا سبس ) ( 1587-1661م ) و ( بوسيش هيرونوموس ) ( 1450-1516م
)الذي تعتبر لوحته ( حديقة المباهج ) من روائع القرون الوسطى.
وهنا يمكن مشاهدة آثار رائعة لرواد الفن التشكيلي الألماني, فها هي لوحة (
بورتريه رجل عجوز ) للفنان ( هانز هولبين ) كما تطالعك لوحة ( آدم وحواء )
وكلاهما يحمل التفاحة الأزلية للفنان الشهير ( دورر )الذي ولد في سنة
1471م, إلى جانب لوحته الثانية ( بورتريه رجل مجهول ).
ومن فنون التصوير الإنكليزي احتفى متحف ال ( برادو ) ب ( السيد بوتشر )
للفنان الشهير ( جينسبرو ) (1727-1788م ) هذا إلى جانب لوحته الأخرى
الشهيرة ( د.أساك هنريك ) ونموذج آخر للفنان الإنكليزي الملتزم ( سير
رينولدز) والتي يطلق عليها ( بورتريه).
7ـ رواد الفن الإيطالي والفرنسي:
ومن بين آلاف اللوحات الإسبانية للمشاهير أمثال : ( بانولومبس ) صاحب
اللوحة الشهيرة ( فيرجن واللبن ) والفنان ( بوكا نجرا ) ( 1638-1689م )
الفنان ( كونزاليس ) ( 1564-1627م ) صاحب اللوحة البارزة ( مارجريت وفيليب
الثالث ).... وغير ذلك من فناني إسبانيا المشاهير مثل: ( فلاسكويز ), (موريللو,
جويا ), ( الجريكو).
كما نلتقي في الطابق العلوي مع رسومات لمشاهير الفن الإيطالي خاصة فيما بين
القرن الرابع عشر والسادس عشر, وخصص جناح للذين رحلوا عن بلادهم وعاشوا في
ظل النهضة الفنية الإسبانية مثل ( أميجوني )( 1682-1752م ) صاحب اللوحة
الشهيرة ( الوجه البريء ) و الفنان ( تيتان ) صاحب اللوحة الرائعة ( آدم
وحواء ).
ولقد احتفى الجناح الثاني من المتحف بفنون الذين عاشوا خلال القرنين الرابع
عشر والخامس عشر أمثال:( فرانسيسكو مانز )( 1489-1504 ) و( فرانشيسكو بيني
) (1496-1531 ) و( أندريه ساروتو )(1486-1531), ومن بين فناني القرن السادس
عشر ( بابليو فيرنس )(1528-1588 ) و( ربستو ).
وتطالعنا لوحات مشاهير الفنانين الفرنسيين وخاصة الرواد, منهم : ( برتولت
فليمال ) ( 1614-1675م ) و( لينارد )(1600-1645 ) صاحب لوحة ( الجمجمة ),
و( أليمار ) و( كلوت ).
وهنا نسخة للوحة ( الجوكندة, رائعة ليناردو دافنشي ).
8ـ ريشة الفنان العبقري.....
ووقفة تأمل في المتحف بعدما ندلف من الجنوب حيث البوابة الفنية التي تحمل
اسم الفنان ( فلاسكويز ) الذي يطلق عليه فنان الملوك, حتى يقال أن ما قدمته
ريشته العبقرية قد خلدت بلاط الملك فيليب الرابع, وتعد لوحاته ( دون
بالتازار كارلوس) و ( مارجريتا تيريزا ) من الروائع الملفتة في الجناح
الخاص بهذا الفنان.
لقد استطاع ( فلاسكويز ) في هذه اللوحات وغيرها أن يكون الفنان الذي لا
يضارعه أحد في استخدام الألوان وسحر الأضواء والظلال, ولا نظير له في دقة
ملاحظته عند نقل ما تراه عيناه, ويشهد بذلك تحفته ( لاسي ميناس ) الشهيرة
وتعرف ب ( وصيفات الشرف ) والتي أفردت لها خصيصاً إحدى غرف (برادو).
ولا ينافس ( فلاسكويز ) في فنه أحد مثلما تؤكد لوحات الفنان ( موريللو )
الذي خصصت له الواجهة الشمالية للمتحف, وتعرف باسمه.
كما يعتبر الفنان ( دمينيسكوس ), أو ( الجريكو ) كما اشتهر عند الأسبان,
ممن أثرى الفن الإسباني, وقد برع في إبراز عصر الرسالة المسيحية, ويجد
أيضاً لوحات للفنان الشهير ( لويس أيجبنيو ) وتعتبر لوحته ( شريحة السمك )
من أبرز اللوحات التي تثير الانتباه.
9ـ فنان يخشاه الملوك:
وهنا يقولون إذا كنت تعشق فن ( جويا ) فابدأ من المدخل الغربي... حيث
يطالعك تمثال هذا الفنان الشهير, ويقودك المدخل إلى رحاب المتحف وإلى سبع
وعشرين جناحاً في الطابق الأول ويحظى (جويا ) بثلاث أجنحة كاملة وأعظم
مكتبة للفنون.
إن ( فرانشيسكو جويا ) أحد الذين يقفون على قمة تاريخ فن التصوير, وهنا
يطلقون عليه أوصافاً عظيمة, يقول عنه الإسبان: إنه ( فنان الشعب ) أو (
جويا الذي يخشى الملوك ريشته ) حتى أن الملك فردناند السابع كان يخشى ريشته
اللاذعة ومما يحفظه التاريخ أنه قال له ذات مرة: " أنت تستحق النفي ...
ولكنك فنان عظيم... وسننسى نحن كل شيء " ثم جلس أمامه عدة مرات ليرسم له
كثيراً من اللوحات.
وقد استطاع هذا الفنان السارجوسي المولد أن يخلد أبطال الشعب وخاصة (
بالافكسي ) الجنرال الإسباني الذي وقف يصد نابليون عند غزو ( سرقوسة ).
ويزخر جناح ( جويا ) بلوحاته المتعددة, ومن أروعها لوحة ( 2 مايو ) التي
تصور فرقة المماليك النابوليونية وهي تحاول أن تفتك بالشعب المحاصر, ولوحته
( الثالث من مايو 1808 ) التي تتحدث عن أهوال حصار مدريد.
10ـ مقتنيات الملوك النادرة:
يشمل المتحف على أكبر مجموعة من الرسومات النادرة التي تناهز أربعة آلاف
لوحة, وقد تم اقتناء بعضها من المعارض الخاصة والبعض الآخر يمثل مقتنيات
العائلة المالكة عبر التاريخ الإسباني.
وهي تمثل أكبر رقم للوحات الفنية في إسبانيا كلها, ولذلك فإنها لدى
الإسبان بمثابة مدرسة متكاملة للفن التشكيلي في القرن الخامس عشر.
11ـ منحوتات ما قبل الميلاد:
كذلك يحتفي ال ( برادو ) بفن النحت, وقد تمثل ذلك من خلال مجموعة من
المنحوتات في هذا المتحف بلغت الخمسمائة قطعة وقد تميزت بمستوى رفيع في فن
النحت, بل تعتبر من أعظم المعطيات قيمة في تاريخ هذا الفن وتمثل غالبية هذه
المنحوتات نخبة من المقتنيات الخاصة لملوك إسبانيا في القرن السادس عشر,
بالإضافة إلى العديد من التماثيل وغيرها من المنحوتات التي أهديت إلى
البلاط الإسباني.
ومن أقدم المنحوتات التي يقتنيها المتحف, منحوتة تمثل رأس ( جوديا ) وهو
أحد الأمراء الجوديين الذين حكموا مدينة لجش 2200 قبل الميلاد, وأخرى تمثل
أحد الصقور المصرية ذات الأهمية التاريخية والتي يرجع عمرها إلى 2300 ق.م.
وغالبية هذه التماثيل والمنحوتات كانت مما ازدان بها قصر الملك فيليب
الثاني أحد مشاهير ملوك إسبانيا.
بالإضافة لذلك يوجد تمثال رائع ل ( أبوللو ) إله الشعر عند الإغريق وقد صنع
من المرمر.
ومن أهم المنحوتات والمصبوبات الأخرى تمثال جميل الصنع لرأس من البرونز ومن
المعتقد أنه يمثل الإسكندر الأكبر ويشير إلى عظمة الفن في العصر الهيلنستي
ويعود إلى القرن الثالث قبل الميلاد, ومما يعتبر موضع فخر وتقدير داخل
المتحف في هذا القسم هو ما احتواه من أعمال مشاهير الفنانين غير الإسبان
ومن بينهم الفنان ال ( جريكو ) اليوناني الأصل.
وقد احتفى المتحف بفن الديكور, ولذلك خصصت من بين القاعات العديدة للمتحف
أكثر من قاعة للمقتنيات الدقيقة الصنع, أو قطع الديكور التي تخطف الأبصار
والتي تمثلت في مجموعات المجوهرات الفريدة والعملات المعدنية ذات القيمة
التاريخية والأوسمة الخاصة بالملوك, إلى غير ذلك من الدروع ... خصوصاً تلك
التي ترجع إلى عهد الملك فيليب الخامس.
بالإضافة إلى ذلك توجد الأطقم والأدوات المصنوعة من الخزف الصيني
والبورسلان.
12ـ معرض المائة لوحة:
ومن الأفكار الرائدة التي أولاها القائمون على متحف ( برادو ) كل الاهتمام,
هي الفكرة السباقة في عالم المتاحف, والتي مضوا بصدق شديد نحو تنفيذها من
أجل عشاق المتاحف المولعين بالفنون التشكيلية.
ولقد ساعدت ( طبوغرافيا ) متحف ( برادو ) على توفير المكان الأنسب ليصبح
معرضاً لمائة لوحة تمثل أهم وأعظم الأعمال التشكيلية, بحيث يتيسر لزوار
المتحف مشاهدتها في الوقت الذي تكون فيه أبواب المتحف مغلقة.
|