| |







 |
أشرف على بناء القصر المهندس المعماري
الخاص بالسلطان عبد المجمد وهو قارابيت بايلان, واستغرق العمل فيه حتى عام
1856م, وقد بني على طراز النهضة الباروكي في القرن التاسع عشر, وهذا لا
يعني خلوه من بعض خصائص الفن المعماري التركي, وبلغت تكلفة تشييد القصر
حوالي خمسة ملايين ليرة عثمانية أي ما يعادل بليار دولار أمريكي الآن.
كان السلاطين العثمانيين وعائلاتهم
وحاشيتهم يقيمون في قصر ( طوب قابي ), وبعد تشييد الدولما باهجة,استقر
هؤلاء في القصر الجديد, باستثناء السلطان عبد الحميد الثاني الذي أقام في
قصر يلدز طيلة مدة حكمه.
وقد عرف القصر الجديد الدولما باهجه
أحداثاً تاريخية كثيرة منها: اجتماع البرلمان العثماني الأول فيه عام 1877م
للمرة الأولى, كما أن رجل الدولة العثماني مدحت باشا اعتقل في هذا القصر مع
أنصاره, وأمام هذا القصر سلم الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الأولى
الراية العثمانية بعد جلائهم عن استانبول, وفي هذا القصر مات في العاشر من
تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1938م الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك وسجي
جثمانه لإلقاء النظرة الأخيرة إليه, وكان الدولما باهجة مقراً لإقامة ضيوف
استانبول من الزعماء الأجانب مثل الملك فيصل ملك المملكة العربية السعودية,
الملكة الإنكليزية فكتوريا الثانية, والملك غيوم الثاني وغيرهم.
2ـ
في الطريق إلى القصر:
قبل الوصول إلى الدولما باهجة وأمامه
مباشرة يوجد مسجد دولما باهجة وبرج الساعة, وشيد المسجد عام 1853م من ابن
المهندس قارابيت وهو نيكوكوس, والمسجد له مئذنتان رفيعتان ورقيقتان من أرق
المآذن في استانبول, أما برج الساعة فارتفاعه حوالي 27 متراً وشيد عام
1890م.
3ـ
مدخل القصر وحديقته:
لقصر الدولما باهجة تسعة مداخل ضخمة
منحوتة متشابهة, وأهمها مدخل السلطان, أما الزوار فيدخلونه من البوابة
الشمالية المواجهة للمسجد, وما أن تعبر البوابة المزخرفة بنقوش جميلة جداً
حتى تواجهك حديقة غاية الروعة تغطيها الأشجار والأزهار تتوسطها بركة زينت
بتماثيل رائعة ومغطاة بالزنبق الأبيض, أما أشجار الحديقة فقد أحضرت من
الهند قبل 150 عاماً, كما توجد في الحديقة تماثيل عديدة لأسود في وضع جالس
أو متحفز.
4ـ
أجنحة القصر:
ينقسم القصر إلى ثلاثة أقسام: قسم
الرجال والنساء والاحتفالات ويتألف من ثلاث طوابق متماثلة مع رصيف بحري
يقارب طوله 660 متراً, درجات الدخول إلى القصر تقودنا إلى جناح الرجال
وجناح النساء, وهنا يوجد 285 غرفة و43 صالون استقبال مزينة بلوحات لأشهر
الرسامين وأثاث في غاية الفخامة, وهذا المبنى مؤلف من طابقين أحجاره من
الخارج منحوتة ومن الداخل مغطاة بزخارف خشبية جميلة, بعد المرور بقاعات
الخدم والحرس والانتظار والاستراحة, تصعد سلالم رخامية ذات قوائم من الزجاج
اللامع البلوري, بهو السلالم يرتكز على أعمدة من الخام الاصطناعي, أما
الأرض فمغطاة بسجاد موشى بخيوط من الذهب.
قبل الدخول إلى قاعة السفراء نلتقي
بتحف فنية تتوزع زوايا الفسحة التي تسبق الدخول إلى قاعة السفراء, منها
شمعدان زجاجي صنع تشيكوسلوفاكيا, وإناء فرنسي مرصع بحجارة ثمينة وتماثيل
صغيرة لأسد وفرس ونمر, وكذلك شمعدان من العاج المغطى بالفضة مع تماثيل من
أفيال فضية على القاعدة.
أما قاعة السفراء فهي ضخمة واسعة
عالية, والأبواب حمراء من الخشب الصلب وبداخلها سجادة مساحتها 88 متر مربع
تغطي جزء من الأرض, وساعة رائعة وغريدة من الفضة مزينة بتماثيل فضية لأسود
وأيل, وعقرباها عبارة عن ثعبانين من المعدن, وهذه الساعة هدية من فرنسا,
وفي كل ركن من أركان القاعة مدخنة مزينة, اثنتان من المداخن من الفضة, أما
سقف القاعة فمزين من قبل فنانين إيطاليين وفرنسيين, وفي القاعة أيضاً ثلاث
ساعات مذهبة ومرصعة بأحجار ثمينة جداً ومن صنع تركي, أما المداخن فمغطاة
برخام أزرق وأحمر ومزينة بتصاميم وأشكال مختلفة, أمام إحدى هذه المداخن جلد
دب أهداه القيصر الروسي نيقولا الثاني إلى السلطان عبد المجيد, ويقال أن
لجلد الدب ميزة خاصة حيث يتأثر بالسم من مسافة مئات الأمتار, مثل الرخام
الصيني, فيفشي سر السم في وجبات الطعام, وإلى جوار صالة السفراء صالات أخرى
خاصة بالمترجمين وقاعات انتظار.
وفي الحقيقة إن أبهة وعظمة صالة
السفراء بذهبها في السقوف والجدران والموجودات وبأناقتها الفنية, كانت
عملاً مقصوداً من قبل السلطان العثماني للتأثير على السفراء الأجانب
وإعطائهم الانطباع الفوري والمذهل حول عظمة وجبروت الإمبراطورية العثمانية
فيزرع في قلوبهم الرعب والاحترام قبل البدء باجتماعه معهم.
من صالون السفراء نتوجه إلى الصالون
الأزرق أو المكان الذي كانت النساء يمضين فيه أوقاتهن للراحة والتسلية, نجد
أن السقوف والجدران مزخرفة بما حلا من رسوم ونحوت, , وأواني صينية وثريا
كبيرة وثلاث شمعدانات لا تقدر بثمن, وسجادتان ضخمتان, وساعة حائط من
الإمبراطور غيوم الثاني, ومزهريات من اليابان والصين ذات مزيج ألوان جذاب
ومدهش.
إلى جانب الصالون الأزرق توجد غرف
عديدة مختلفة الأغراض,منها غرفة استقبال والدة السلطان حيث المدخنة الأنيقة
المذهبة تعلوها مرآة رائعة وثريا مركبة على المرآة, وغرفة مطالعة ودراسة
أولاد السلطان حيث تراقبهم أمهم من خلف زاوية خاصة للتأكد من مواظبتهم على
الدروس دون أن يروها,وإلى جانب ذلك توجد غرفة جلوس أساتذة أولاد السلطان.
من غرف القصر الأخرى غرفة نوم السلطان
عبد العزيز, وهنا يوجد سرير ضخم طوله 220 سم إذ أن السلطان كان بطول 205 سم
ويزن 160 كلغ, وغرفة نوم السلطان رشاد بسرير من الفضة يحمل أعلاه شعار
الملك, وغرفة رئيسة خليلات القصر, وغرفة مطالعة ونوم أتاتورك مع بعض أغراضه
مثل فنجان قهوة وقارورة فارغة للعطر وعلبة شفافة للدخان ولوحة لمدينة بروسه,
وكل غرف النوم كانت في الطابق الثاني ماعدا غرفة نوم السلطان عبد المجيد
فإنها في الطابق الأول, وهي غرفة كل ما فيها ثمين ومزين ومحفور, وكان هذا
السلطان يضع في الغرفة علب ماء ساخن لاعتقاده أنها تطرد الحشرات, وقد عاش
السلطان عبد المجيد في هذه الغرفة خمس سنوات فقط حيث توفي عام 1861م.
الحمام التركي العمومي من أشهر
الحمامات في العالم وحوله بنيت أقاصيص وأساطير عديدة, وإذ نصل حمامات
الدولما, نجد أنفسنا أمام حمامات من الرخام الشفاف النادر الآتي من الهند
والمهدى فيما بعد – الحاكم المصري- إلى السلطان عبد المجيد, يسخن الحمام من
تحت الأرض ومزين بمنحوتات جميلة, وقبل الدخول إلى الحمام على المستحم أن يم
في غرفة الاستراحة حيث موقد فخاري أبيض اللون ومقاعد وكراسي يعود تاريخها
إلى تاريخ بناء القصر, ثم يمر في غرفة خلع الثياب.
بعد ذلك نمر في رواق طويل يقودنا إلى
كشك زجاجي كان السلاطين يجلسون فيه ويراقبون الشارع الرئيسي, سقف الكشك من
أبرز أقسام القصر فنيةً برسومه الكثيرة للأزهار والحيوانات من أسود وفهود
وغيرها, كما فيها بيانو من زجاج نفيس.
أما أجمل وأروع أقسام القصر بلا شك فهي
قاعة العرش, فهي قاعة العرش والاستقبال, ففي هذه القاعة كانت تعقد
الاجتماعات الهامة للسلطان وتجري الاحتفالات الرسمية, تقوم القاعة على 56
عموداً من الخام الاصطناعي وارتفاعها 36 متراً, القبة مزينة بنقوش فائقة
الجمال, أشبه بنقوش فرساي وهي نموذج رائع للفن الباروكي, تنير القاعة 750
لمبة وتتسع لأربعة آلاف, وتنفتح على مضيق البوسفور بباب كبير حيث كان
السلطان يقف لاستقبال الضيوف, وعند قاعدة القبة نوافذ تطل على البحر ومغطاة
بالشعريات, لذا كانت النساء تستطيع مشاهدة الاحتفالات دون أن ترى, إلى جانب
ذلك يوجد في أعلى القاعة وتحت جوانب القبة أربعة شرفات داخلية للزوار
الأجانب.
في قاعة العرض هذه ثريا ضخمة لا نظير
لها في العالم وتزن أربعة أطنان ونصف الطن مهداة من ملك روسيا نيقولا, أما
الأرض فتغطيها سجادة بمساحة 124م مصنوعة في بلدة هركة التركية المركز
الشهير لصنع السجاد الفني.
يتم تدفئة القاعة من تحت الأرض ويلزم
لتدفئتها ثلاثة أيام, لذا يشرع بالتدفئة قبل بدء الاجتماعات أو الاحتفالات
بنفس المدة الزمنية, ولم يدخل نظام الإنارة الكهربائية إلا عام 1910م,
والآن فإن التيار الكهربائي مقطوع تماماً عن القصر تحوطاً من أي احتكاك قد
يسبب حريقاً يقضي على كامل أو جزء من القصر ويتلف محتوياته النادرة.
5ـ
لوحات القصر:
تعلو جدران القصر بمختلف أجنحته لوحات
رائعة لفنانين عالميين, ولا سيما في الصالون الوردي, والذي سمي كذلك
لألوانه الوردية, وهو جزء فائق الجمال من القصر له شرفة تطل على البوسفور
وفيه باب على هيئة خزانة أمامه مزهرية خضراء ويؤدي الباب إلى الحمام وقد
صنع بهذا الشكل حتى لا يفسد الانسجام والتناسق الفني للقاعة, كما فيه
طغراء بالحرف العربي, فيهل زهور اصطناعية
من البرونز المطلي بالذهب, كما في القاعة الوردية شمعدانات وثريات زجاجية
تزيدها رونقاً وبهاء.
وأما اللوحات فنذكر لوحة عن الحرب
العثمانية – اليونانية عام 1879م, بريشة الفنان العالمي ورسام البلاط
زونارو, وتصف الجنود العثمانيين وهم يهزمون اليونانيين, ولوحة تمثل ( جول )
وهي إحدى السريات,
وتحمل في يدها إناء فخم مشتعل لتضعه على رأس النرجيلة, ولوحة (قرافاطمة)
إحدى المحاربات التركيات ضد الإنكليز في الحرب العالمية الأولى, ولوحة تمثل
فرس السلطان عبد المجيد, ولوحة تمثل دخول السلطان محمد الفاتح إلى استانبول
بعد فتح المدينة, ويبدو السلطان فيها على حصان أبيض يرافقه أستاذه الشهير
آغا شمس الدين ذو اللحية وذلك تحت رواق مقنطر لأحد أسوار المدينة, ولوحة
جميلة جداً للسلطان محمد الفاتح يركب حصاناً أبيضاً كذلك مع أستاذه آغا شمس
الدين ويراقب جر السفن إلى الجبال بمساعدة الأخشاب المغطاة بالدهن, وبهذه
الطريقة استطاعت سفن الجيش العثماني أن تعبر بحر مرمرة عن طريق البحر أثناء
محاصرة وفتح استانبول.
وكذلك تمتلئ الجدران بصور السريات
اللواتي كن يتواجدن في القصر, ونجد كذلك لوحات لحروب العثمانيين البحرية
ولوحة للسلطان رشاد الذي خلف أخيه السلطان عبد الحميد الثاني على العرش,
أما لوحة الحج فهي الأكبر ومن أكثر اللوحات جمالاً في القصر, وتمثل قافلة
الذهاب إلى الحج بحماية ( فيلق الصرة ) وهو أكبر فيالق القصر في
الإمبراطورية العثمانية.
الزائر لقصر الدولما باهجة لا يمل
التطوف في جو أخاذ من الدهشة والعظمة والأبهة, إذ يخرج من كنفه فكأنه يغادر
عالماً من الأساطير التي لم تكن أيام عظمة العثمانيين المسلمين سوى واقعاً
ملموساً.
|











 |
|