إن مايهمنا من هذه العجالة , أن الدراسات مستمرة ويهتم بها
الدارسون الآخرون ,وبخاصة , في المؤسسات العلمية العالمية .
فعلى سبيل المثال , لا الحصر , تجري في حلب اليوم , والقديمة
منها , دراستان الدراسة الأولى : كيف ينظر »الحلبيون« إلى تراثهم ?!! هل يقدرون
هذا التراث , من الناحية المادية ? , أم يفهمونه تراثاً تاريخاً عريقاً ,وعليهم
القيام بواجبهم تجاهه ,والحفاظ عليه , ونقله إلى الأجيال القادمة فهم ليسوا
الذين يملكونه ويتصرفون به على هواهم , بل هم أمناء عليه جاءهم من أصولهم ,
وعليهم أن يحفظوه وينقلوه إلى فروعهم .
الدراسة الثانية : قامت في هذه البلاد العريقة , ومنذ الألف
الثالث قبل الميلاد , صناعات متطورة آنذاك , وأصر على كلمة متطورة آنذاك في
إبلا وماري وبعدها في أوغاريت , وقد ورثت حلب القديمة في آواخر الألف الأول قبل
الميلاد ,وبعده , هذه الصناعات ,وعمل بها صناع حلبيون وتتناول الدراسة , تاريخ
هذه الصناعات في حلب وتقاليدها ,وأدواتها ولتعود بها إلى الأصول حسب مكتشفات
البعثات الأثرية ,وحسب النصوص المسمارية المقروءة .
إذا كانت هذه الدراسات , التي تجري في مدينة حلب القديمة
اليوم وقد شاركت في بعضها , فكيف يمكن الاستمرار بها إذا لم نحفظ تراثنا
العمراني والمعماري ونحفظ ذاكرتنا التاريخية , من محاولة القضاء عليها وأقصد
بذلك إطارها في مدينة حلب القديمة
إن الذي ينظر إلى تراثه , نظرة خاصة ومحدودة لاتتعدى القيمة
المادية الضيقة , لايمكنه أن يفهم الحقيقة العلمية له .
لاشك أن الجهات الرسمية , وبخاصة مديرية إحياء المدينة
القديمة , تعمل وبوضوح , ليس على الحفاظ على التراث القديم في هذا البلد فحسب
بل على إبرازه وإحيائه ,وبشكل علمي وصحيح وواضح بدءاً من البنية التحتية .
إن هذه اللؤلؤة النادرة , مدينة حلب القديمة ,والتي أصبحت
اليوم محط أنظار الدارسين والمهتمين بالتراث القديم عمرانياً ومعمارياً , على
وجه الخصوص ,وكذلك الهيئات الدولية والجامعات والمؤسسات العالمية .
قد أصاب هذه اللؤلؤة تبدلات في المظهر ,وتكاد هذه المظاهر ,
والتي يعتبرها البعض , حديثة ومتطورة .... تخفيها عن الأعين وتضيع معالمها
إن المدينة القديمة في حلب , ليست الجامع الأموي الكبير
,والقلعة والأسواق القديمة , فقط .
إنها في شوارعها وأزقتها , وبواباتها ,وحجارتها ....
إن طول الشارع , وعرضه وتعرجه , ليس كل هذا بالأمور
الاعتباطية .
إن لها أصولاً علمية وتاريخية , ولم توجد عبثاً , بل إن
مانضيفه , نحن , ونعتبره أساليب حديثة , هي التشوهات التي سوف تطمس المعالم
الحضارية القديمة .
أن نضع على جدران المبنى القديم ألواحاً خشبية , ليست من
المبنى الأساسي , أن نلغي الباب الخارجي لمخزننا القديم والذي كان له عدة
استعمالات .
أن نقضي على عرض السوق , لنكسب مساحات ليست من الأصل في شيء
.
أن نضع آلاف المصابيع الكهربائية , لنشوه مناخ السوق , ونلجأ
إلى المرواح والمكيفات , علماً بأن أسواقنا المركزية , وهي الوحيدة في العالم ,
تمتعت وعلى مدى قرون عديدة بالمناخ الجيد في إقليم قاري معروف بقساوته .
أن نقضي على جدران الخانات المحصنة , وطرازها المعماري ونفتح
في جدرانها المخارن الطفيلية كل ذلك تشويه , وضياع لعمراننا وعمارتنا
,وتقاليدنا ,ولحساب من ?! ....
يجب أن نفهم , كما يفهم العالم المتقدم , هذا التراث ,
ونقدرُه ونحافظ عليه , لتبقى أصالة هذه المدينة تراثاً وحضارة وعراقة
أصبحنا نقلد بدون وعي , في المظهر , وحتى في لغتنا , وإذا
استمرينا في ذلك , فماذا سيبقى لنا ?!!
إذا كنا نريد أن نقضي على مدينتنا القديمة , لنكسب حفنة من
القروش والليرات , فماذا سيبقى لنا من تاريخنا وانتمائنا .....
من الواضح , أن مسؤولي المدينة القديمة , قد فعلوا الكثير حتى
اليوم ,ويجب أن يستمروا , وقد قدر المقدرون هذا العمل , في الخارج , فمنحونا
تقديرهم , واعتبروا , ماعملناه في حلب القديمة , في قمة الأعمال اللازمة
ومنحونا الجائزة الأولى في العالم , واحتفلوا بنا قبل أن نحتفل نحن بأنفسنا .
هنالك الكثير , مما يجب أن نفعله ,ونستمر بفعله , في مسيرة
إحياء هذه المدينة الخالدة , أقدم مدن الدنيا , لازالت مأهولة , ونشيطة وقائمة
.