|
العربي:
أولاً:
ما المقصود بكلمة عربي؟ الجواب هو أن لهذه الكلمة تاريخاً طويلاً فقد ظهرت
أول مرة في كتابة منقوشة يعود تاريخها إلى عام / 853 ق.م / وهي كتابة يتحدث
فيها الملك الآشوري ( شلمناصر الثالث ) عن أحد المتمردين ويسميه العربي الذي
ألحق الملك الآشوري الهزيمة به في إحدى الحملات ، ومنذ ذلك الحين انتشر استخدام
هذه الكلمة غير أن دلالات هذه الكلمة أخذت تتغير من وقت لآخر بحيث أنها صارت
مكتنفة بالغموض، وعلى سبيل المثال نذكر أن كلمة عربي كانت تشير ومازالت وإلى
درجة ما إلى البدو الرحل في الصحراء ، وذلك مقارنة لهم بالسكان الدائمي الإقامة
في أماكن معينة ، وفي أحيان أخرى تشير كلمة العربي إلى القاطنين في شبه الجزيرة
العربية وبعض المناطق المحيطة بها ، وفي الوقت الحاضر تشير كلمة العربي إلى
مجموعة شعوب في الأقسام الجنوبية الغربية من آسيا وشمال أفريقية وهي شعوب ناطقة
بالغة العربية .

ولكننا لن
نستخدم في هذا الموضوع أي معنى من هذه المعاني التي ذكرناها ، و إنما سوف
نستخدم كلمة العربي هنا بمعناها الأوسع لتشير إلى الحضارة العالمية لتلك الأمة
التي يعود أصلها إلى دين العرب الجديد ( الدين
الإسلامي ) الذي كان قد أصبح قوة سياسية وعسكرية في شبه الجزيرة
العربية ، هي قوة آخذت تتماسك بفعل اللغة العربية التي أصبحت لغة العبادة
الإلهية والإدارة والعلم والشعر.
وعلى الرغم من
هذه المساهمات العربية حظيت حضارة ذلك العالم الواسع بتطوير كبير بسبب القوة
الفكرية والمهارة الفنية اللتين كان يمتلكها رجال من أصول عرقية أخرى مثل الفرس
، البربر ، و الأتراك الذين كان معظمهم من المسلمين .
لم تكن
الأهمية الأولى للرابطة العرقية في تلك الأقوام ، وإنما كان هناك مشاعر قوية
تجمع بين المسلمين في تلك العصور الوسطى ، وكان هناك شعور قوي لدى تلك الأقوام
المختلة بانتمائها إلى حضارة عربية مقدرة من السماء ، وكانت اللغة العربية لغة
الدين والعلم ، وأهم وسيلة للتماسك والتلاحم بين تلك الأقوام والأجناس .
ينصب الاهتمام
الأول في هذا الموضوع على فن الرسم الذي كان أحد نتاجات ذلك المصهر الضخم الذي
انصهرت فيه الأشكال الفنية السابقة للإسلام وأشكال الفن اللاحقة ، ثم تبلورت من
جديد لتكون أساليب فنية جديدة ذات خصائص معينة ومميزة ، وكانت تلك الإبداعات
التصويرية ذات صفة عربية خالصة في بداية الأمر وبالمعنى الضيق لهذه الكلمة ولكن
سرعان ما أصبحت تلك الإبداعات التصويرية جزءً من إنجاز حضارة كثيرة اللغات
ومتعددة الجنسيات ، ثم جرى استخدام الأساليب الفنية المختلفة بطرائق شديدة
التباين من قبل الغالبية العظمى من المسلمين غير أن تلك الأساليب كانت تتصف
بدرجة كافية من الديناميكية لتؤثر في فنون أديان أخرى كانت تعيش تحت " خيمة
الإسلام " .
بعد سقوط
الخلافة العباسية في عام / 1258م / استمرت تلك الأساليب الفنية في تأثيرها
الخلاق في فنون الدول الأخرى في الأقطار الناطقة بالغة العربية مثل مصر ، ثم
بعد ذلك في أثناء حكم الأتراك ( من أواخر القرن الثالث عشر إلى القرن الثامن
عشر ) ، وأدت تلك الأساليب الفنية أيضاً دور كبير في الفن الفارسي في القرنين
الثالث عشر والرابع عشر ، غير أن قلب ذلك العالم الفني كان هو الأقطار
الناطقة باللغة العربية .
يمكن الافتراض
هنا بأنه لم تسنح الفرصة أبداً للأساليب الفنية الإسلامية غير الفارسية لكي
تزدهر إزدهاراً خلاقاً في بلاد فارس وفي أجزاء أخرى من المناطق الشرقية من
الخلافة ويعود سبب ذلك إلى أن التقاليد التصويرية التي تطورت في القصور
الساسانية ( من القرن الثالث إلى القرن السابع ) كانت شديدة التخندق
والانعزال ، بالإضافة إلى أن المشاعر المعادية للعرب قد حالت دون ظهور مناخ فني
يمكن أن يؤدي إلى مزيد من التطور المثمر لأساليب فنية عربية ، وهكذا فالمساحة
التي سنتحدث عنها في هذا الموضوع تتكون وبالدرجة الأولى من العراق وسورية
الكبرى ومصر وهي تضم أيضاً وبالدرجة الثانية مناطق أخرى واقعة بين إسبانيا
ومراكش في القسم الغربي وهضبة بلاد فارس في القسم الشرقي ، وتمتد الفترة
الزمنية ذات العلاقة من أواخر القرن السابع إلى القرن الرابع عشر ، وأما
عبارة " فن الرسم " فسوف نستخدمها هنا بأوسع معنا لها ، أي أنها لا تقتصر على
الأعمال الجصية والرسوم على المواد الشائعة الاستخدام مثل الخشب والورق ، وإنما
هي تتعدى ذلك لتشمل الزجاج وأعمال الفسيفساء الحجرية والفخار الذي يحمل صوراً ،
ومن الواضح أن المجال الأوسع الذي كان متاحاً للرسام هو أن يرسم أشكالاً هندسية
أو نباتات وأزهار أو أن يهتم بالخط ، وهو أمر يميز الفن الإسلامي حقاً .
مراحل مبكرة من الفنون التصويرية
( المعالم الأموية : 691 – 750م ) :
ما زالت
أقدم الأعمال التصويرية التي ابتدعتها الحضارة الإسلامية محفوظة على الجدران
الداخلية في " قبة الصخرة " في القدس والتي تمثل أول المباني الكبيرة التي تم
تشييدها في عام / 691م / بأمر من الخليفة عبد الملك / 685 – 705م / وتتألف قبة
الصخرة من قبة كبيرة ومرتفعو واثنين من المماشي اللذين يحيطان ببروز صخري .
وتبين أعمال
الموزاييك الزجاجية التي تغطي الأقواس في المماشي وتلك الأعمال الزجاجية
الموجودة في القبة ، عدة أنواع من صور النباتات المتمثلة بأشجار وأوراق أشجار
وثمار ، ويشيع هنا أيضاً استخدام أشكال نباتية متكررة تظهر فيها أيضاً صور
لمزهريات وزخرفة قرنية الهيئة ، ويشير هذان التصميمان وكذلك الاستخدام الواسع
جداً لصور ترمز إلى نبات ( الأقنثا ) الشائك وذي الأوراق الكثيرة والكبيرة
إشارة واضحة إلى المضي في استخدام تصاميم فنية كلاسيكية وهو أمر يجب ألا يثير
الاستغراب بالنظر إلى أن القدس كانت واقعة تحت الاحتلال البيزنطي قبل ذلك
بخمسين سنة فقط .
ومن الأمور
غير الاعتيادية ذلك الاستخدام الواسع جداً لأشكال عمودية من النباتات المتراصة
التي تشيع فيها أزهار غريبة الشكل وذات حجم كبير جداً وهذا نوع من التصاميم كان
قد عمل على تطويره النقاشون على الحجر وصانعوا الفضة في بلاد فارس في عهد
الساسانيين ، وكانت التصاميم الفارسية قد ظهرت في الفن السوري في الفترة
السابقة للإسلام غير أن تلك التصاميم لم تكن في مثل هذه الوفرة وبمثل هذه
الأشكال الغير كلاسيكية ، وهناك خاصية أخرى مميزة لتلك التصاميم وهي خاصية
تعتمد على كثرة استخدام أشكال المجوهرات المصنوعة من اللؤلؤ والأحجار الكريمة
وإضافة هذه الأشكال إلى صور النباتات ، وهناك أيضاً التيجان البيزنطية
والفارسية ذات الأنواع المختلفة والأكاليل والقلائد والأعمال التزينية المتعلقة
في جوانب الأروقة المقابلة للصخرة المركزية في قبة الصخرة .
وفيما يتعلق
بأعمال الفسيفساء ، ومما لاشك فيه أن هذه الأعمال هي إنجاز فني كبير ولها تأثير
في النفوس ، وكان الغرض منها يتجاوز مجرد الزخرفة لأنها كانت تلبي متطلبات
دينية وجمالية من التي كان الخليفة يريدها ، وكان المقصود منها اجتذاب الناس
وهديهم إلى الدين الإسلامي ، ويبين أمر استخدام أشكال نباتية بحتة مع استثناء
رسوم الأشخاص تطابقاً مع الاتجاه الإسلامي الذي كان قد ظهر للوجود حديثاً .
|