|
وقد بلغت قمة الازدهار الفني والتقدم
العمراني في العهد البيزنطي ومعالمها الأثرية شاهدت بذلك ولم
تبق الكوارث عليها إلا عدة أوابد أثرية أبرزها الجامع الكبير
والمدرسة الشافعية ومسجد يوشع وقلعتها وحماماتها وخاناتها من
بداية العهد العثماني .
ولعل من الآثار الهامة جداً في مدينة معرة
النعمان وأعظمها تلك الأوابد الراسخة في عمق تاريخ معرة
النعمان التي أصبحت شاهداً حياً وأبرزها هو خان مراد باشا الذي
تم تحويله إلى متحف ضم اللقى الأثرية واللوحات الفسيفسائية
الرائعة والتي تحتوي العديد من المشاهد والتشكيلات القديمة
الهندسية والتقنية الفنية كما يقف الناظر إلى تلك الأوابد
بعيون مندهشة ومترقبة لبراعة ودقة وجمالية تلك اللوحات
الفسيفسائية .

وفي كل زيارة إلى مدينة معرة النعمان لابد
للزائر والسائح وأي إنسان يحمل في داخله حب الآثار ومطالعتها
والتمتع بمشاهدتها من جولة على العديد من الأماكن الأثرية في
مدينة أبي العلاء المعري وبالأخص خان مراد باشا »متحف مدينة
معرة النعمان« وقمنا بزيارة إلى المتحف حيث أجرينا حواراً مع
الأستاذ أحمد غريب أمين المتحف وفيما يلي نص الحوار:
ماذا
عن هذه المنشأة العمرانية التاريخية ?
عرف خان مراد باشا قديماً بالتكية المرادية
وهو منشأة عمرانية وإسلامية , شيد هذا الخان بمطلع العهد
العثماني على أرض مساحتها سبعة دونمات وتشمل هذه المنشأة مباني
ومرافق كثيرة وعرفها الباني بالواحة بنص كتابي من فوق مدخلها
الرئيسي الجميل وقد بنى هذه الواحة لوجه الله تعالى حامي
الدفاتر الديوان السلطانية مراد شلبي وبكونها تكية أكدتها
النصوص المحفوظة , وبنيت بتنظيم إدارتها وإدارة الأملاك
الموقوفة عليها وهي تربو على العشرين زوراً والزور أكثر من
بستان واثنتين وعشرين طاحونة مائية عاملة بحوض العاصي حول حماة
فضلاً عن خمس وثلاثين ناعورة للسقاية شرقي المعرة وخان السبل
للشمال منها لتعود بريعها جميعاً بما يفي بنفقات هذه الآبدة
الخيرية من إدارة وخدمات
بنيت بتاريخ 923 هجرية , واستمرت للغاية
المنشأة من أجلها كتكية إطعام ومسجد صلاة وفندق نزل , وحمام
اغتسال , وفرن خبز , ومدار ماء , وسوق تجارية اقتصادية إلى
ماقبل أربعين سنة مضت , حيث ضعفت إدارتها وتبعثرت واردات
عقارتها , فدخلت في عداد أوقاف الجامع الكبير في المعرة وفقاً
لشرط الواقف في وقفية مخطوطة , وحسبما أوردته مخطوطة ثانية
مؤرخة في 1312 هجرية معروضة , فغدت والحالة هذه تؤجر أقساماً
ولأغراض مختلفة كمحكمة في الجانب الشرقي وثكنة عسكرية في عهد
الانتداب الفرنسي ثم مركز للميرة واتخذت مدرسة عشائر لتعليم
أبناء البدو الرحل وانتهت كمستودعات وآليات وكتب مدرسية وجمعية
تعاونية .. وكان كل مستأجر يغير في البناء وفق مصلحته فدب
الإهمال وتوهنت السقوف , الأمر الذي أضر بالبنية وأفقدها بعضاً
من عناصر المعمارية حتى هددت بالانهيار .
وسارعت المديرية العامة للآثار والمتاحف
للحفاظ على هذه المنشأة وللإبقاء عليها , فصدر مرسوم جمهوري
برقم 144 تاريخ 8/2/1983 بجعلها مقراً لمتحف محلي بعد الترميم
والإصلاح وأحدثت لذلك دائرة آثار تضطلع بأعبائها وفعلاً باشرت
الدائرة المذكورة أعمالها , فأمكن وبسرعة ترميم أسطحتها وبناء
أبراجها وترميم داخليتها ورصف أرضيتها .
كيف تصف لنا هذا المبنى الأثري الهام
والسياحي الرائع ..?
¯ يمتد المبنى على شارع رئيسي بواجهة
أمامية طولها 70 متراً وعمق 80 متراً ويرتفع نحو سبعة أمتار ,
مشيد من حجر كلسي وكبير الحجم , متقن الصنع ومحكم في البناء ,
يزين الواجهة مدخل فخم بقنطرة مزخرفة وباب حديدي وتبرز في
الجناح الشرقي والشمالي مرافق بشكل أبراج , والمرافق العامة من
الغرب وهي حمام كبيرة عامة وسوق تجارية وفرن مخبز ومستودعات
غلال ومدار ماء يؤمن المياه للمنشأة بحلا قيم فخارية , وتتوسط
المنشأة باحة مستطلية بعداها 45 * 36,5 م وبمنتصفها مسجد
وفسقية أمامية , وبظاهره تكية تقوم على أعمدة وأقواس مدببة
,وتضم فسقية وتتوضع الأجنحة الأربعة من حول الباحة بأروقتها
وأقواسها المدببة وعقودها المصلبة , وفي كل جناح معبر على
جانبيه أربع غرف , وينفذ الشرقي إلى جناح ذي غرفتين وإيوان
بينهما وباحة سماية ودورة مياه عامة , كما يؤدي المعبر الغربي
إلى فرن ومستودعات وإلى المدار عن يمين وقاعة أبي العلاء
المعري من جهة وإلى الحمام والسوق من جهة أخرى
بعد هذا الوصف العام والشامل للخان من
ناحية بنائه ماذا إذن عن مقتنياته من اللوحات الفسيفسائية ?

في الجناح الأول تشاهد ثلاث لوحات
فسيفسائية فرشت بأرضية وعلى جدرانه , وعن أبرز اللوحات
الفسيفسائية كانت اللوحة الأولى ومصدرها معراتا , بناحية دركوش
كانت ترصف أرض كنيسة نقلت وفرشت بالصحن المركزي أرضية الجناح
من الغرب ومايقطع بين الأعمدة قديماً , علق على الجدران أما
الرواقين فقد فرش بالأيمن منهما أرضية الجناح بالوسط وبالشمال
كان إسناده على الجدار الغربي , ويلاحظ موضوع اللوحة , هندسياً
مع صور بشرية وأخرى حيوانية ونباتية وفي الرواقين تسلسل
لحيوانات أهلية ضمن منحيات نباتية بترتيب فني جميل وروعة
تصويرية بديعة وجميعها من مكعبات حجرية ملونة واختارها الفنان
ببراعة تامة وتمكن من إبراز الأسلوب الزخرفي الكامل على درجة
عالية من مهارة الدقة والإتقان أما اللوحة الثانية مصدرها
فركيا بضاحية المعرة من الغرب الشمالي وهي مكعبات كانت ترصف
أرض قاعة مساحتها 28 متراً مربعاً وكعوبها حجرية ملونة ذات
مشهد حيواني ضمن شريط نباتي , ويبرز بمنتصفها نص كتابي
باليونانية أرضها وذكر من تبنى رصفها , وتبرز تحت النص ذئبة
ترضع الطفلين روموس ورموليوس , وعن اليمين وعل يرعى وحمل يعتشب
وبطة تبحث ويقابلها مايماثلها تماماً , وعن شمال الذئبة مشهد
لأسد يفترس غزالاً بوضع مريع جداً , فالفنان الذي رصفها فاجأ
الحيوانات في وسطها الطبيعي الذي تعيش فيه , وراحت أنامله
تثبتها كما رآها وتصورها مستخدماً لذلك ماانسجم لها من الكعوب
الحجرية المناسبة واللوحة الفسيفسائية الثالثة من فركيا
ومساحتها 26 متراً مربعاً وكانت ترصف أرض قاعة مجاورة , وفيها
مشهد حيواني رتيب مؤطر بشريط نباتي ونفذت سنة 510 م , وفي هذه
الفترة بالذات ازدهر فن العمارة والتصوير السوري , وقد أشارت
الكتابة إلى أهمية المشهد من حيث الأسلوب الزخرفي واختيار
العناصر إذ أنه جعل من تحت الكتابة طائرين متقابلين وإناء جميل
جداً يخرج منه غصنان من شجرة العنب , يلتفان بانحناءات متسلسلة
حول مساحة الأرض , بأوراقها وعناقيدها , وفي كل من المنحنيات
عدد من الحيوانات البرية والأليفة في أوضاع متحركة متغايرة ومن
المعتقد أن هذا المشهد من أجمل ماأنتجه الفن السوري في أوج
تكامله وتطوره , عندما غدت غايته زخرفية تعتمد على أسلوب يطور
الواقع ويبسطه ويعبر عنه بخطوط وألوان منسجمة .
وفي الجناح الثاني نرى فيه الآثار العربية
الإسلامية مرتبة ترتيباً زمنياً , كما عرضت فيه ألواح من
الفسيفساء , ومن أبرزها لوحة أرضية من أم حارتين بقرية
العلباوي منطقة السلمية , وهي مكعبات حجرية ملونة مساحتها
الإجمالية 103م2 واللوحة الفسيفسائية الحجرية ذات زخارف هندسية
ونباتية أما اللوحة الثانية فمصدرها ¯ الهوات ¯ ضمن أراضي
محردة مساحتها 88 متراً مربعاً من مكعبات حجرية ملونة ويؤطر
اللوحة شريط هندسي تعلوه كتابة باليونانية ويمثل المشهد مجموعة
من الحيوانات وأشكال هندسية متناثرة .
كما عرضت التيجان والقواعد وأنواع الأبواب
البازلتية وعرضت أيضاً مثيلاتها الكلسية من التيجان رواقي
الجناحين الشمالي والجنوبي , هذا فضلاً عن عرض نماذج من قواعد
الدرابزين والعناصر الزخرفية المعمارية الأخرى , كدعامة مزخرفة
ومصورة مصدرها من مناطق مدينة معرة النعمان .
وأخيراً ماذا عن المرافق وبناء التكية
وجمالية العمارة الهندسية في الخان ?
يتوضع في وسط الباحة فناء التكية الجميلة
بعمرانها وداخليتها وكذلك المسجد بظاهرها بقبته السامقة .
أما المرافق الأخرى في هذه المنشأة تقع من
الغرب وهي تبدأ بالفرن أمام المعبر وتليه إلى اليمين مستودعات
الغلال ثم بظاهرها من الغرب المدار لضخ الماء بوساطة الدابة
إلى كافة أنحاء المنشأة وتليه من الغرب قاعة كبرى خصصت لأبي
العلاء المعري وقد ضمنت مكتبة كبيرة مخطوطة ومطبوعة مقدمة من
آل الشحنة بالمعرة هدية لائقة به كما ضمنت مشهدين معاصرين
لشاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء أبي العلاء للتدريس في حينه.
|