و
أما سطح الماء فيعكس صوراً جميلة من تشكيلات النبات و الزخارف النباتية بما
حوت من أوراق مختلفة و زهور متنوعة و مسطحات متباينة ، و يقدم الماء كثيراً
من التباين تحت ضوء الشمس و تحت الظل ، ويهيئ فرصة لزراعة كثير من النباتات
المائية ، ولا شك أن الماء كان وسيلة الطهارة في عصر العرب المسلمين في
الأندلس إذ لا تصح الصلاة بلا وضوء ، و لا يتحقق الوضوء إلا من ماء جار ، و
أن جريان الماء كان شغل المهندس العربي المسلم في شتى أنواع الحدائق و
القصور و الأماكن المختلفة ، فأقام شبكة تصل المصدر المائي بشتى أنواع
النوافير التي تتزين بها البرك و الأحواض المائية ، و كان الماء متدفقاً
متجدداً في جميع البرك ، أما في الأحواض فكانت سرعة التدفق و التجديد أقل
حركة كي تبدو ساكنة ، و ربما كان تبديل الماء داخل الأحواض يتم بسرعة
يتساوى فيها التدفق و التصريف كي لا يشعر الإنسان بتبدد الصور المنعكسة على
سطوح المسطحات المائية التي تشغل مركزاً تناظرياً في الحديقة الأندلسية .
و تعد النوافير من عناصر الجذب في الحديقة الأندلسية
بما تضفيه من سحر وجمال ، كما تظهر أهميتها في تلطيف الهواء برذاذ الماء
المتطاير منها ، و كذلك تظهر جماليتها من الصور الرائعة التي تحدثها أشكال
الماء الذي تقذف به من فوهاتها و أصوات تساقط المياه على الأحواض .
و قد عمل العرب في الأندلس على تزويد قصورهم و
بيوتهم و حدائقهم و مساجدهم بأنواع مختلفة من النوافير من حيث أشكالها و
أحجامها ، و حسب المساحات و الأماكن التي خصصت لها ، و هي جميعها تعتمد
أساسياً على قذف الماء إلى الأعلى أو في اتجاهات مختلفة .
2ـ
نماذج وأشكال النوافير الأندلسية
:
اختلف
نموذج النافورة في الأندلس داخل القصور أو الحدائق أو البيوت أو المساجد و
خارجها بسبب المصدر المائي و غزارته ، و يمكن أن يكون سبب الاختلاف ليس في
الشكل و إنما في طريقة الصنع أيضاً .
و اختلفت النوافير الأندلسية اختلافاً كبيراً من حيث شكل و
شدة اندفاع الماء و عدد فتحات خروجه و زوايا الخروج ، و بالتالي شكل
وارتفاع الماء المندفع ، و تبعاً لذلك كانت النافورات الأندلسية عامودية
وكروية و مخروطية وهرمية ، كما كانت بسيطة ومتعددة ، فكانت المتعددة إما
مكونة لتكوين واحد متكامل ، أو موزعة لتكون حزاماً أو إطاراً أو لتؤدي
أدواراً متعددة تضيف جمالاً و روعةً .
و لقد شكلت النوافير مركزاً تناظرياً في الحديقة الأندلسية
، و قد يتعدد ذلك المركز في فناء الحديقة أو القصر
…
وخارجه ، ويمكن أن نورد نماذج مختلفة من النوافير كانت شائعة في الأندلس .
-
نموذج بركة منفردة ذات نافورة مرتفعة أو قليلة الارتفاع.
-
نموذج برك منفصلة ذات نوافير مرتفعة .
-
نموذج بركة ذات طابق محاطة بنوافير حجرية على شكل حيوان
تصب المياه في ميزاب دائري يتفرع منه قناة تتصل ببرك سطحية ذات نوافير
صغيرة قليلة الارتفاع.
-
نموذج بركة سطحية منفردة ذات نوافير مركزية و جانبية تصب
فيها .
-
نماذج من برك منفردة ذات نوافير بطابقين .
-
نموذج أحواض مائية مزودة بنوافير جانبية تفصلها بركة صغيرة
مزودة بنافورة قليلة الارتفاع.
-
نموذج أحواض مائية متجاورة مزودة بنوافير جانبية تتوسطها
نافورة بركة ذات طابق واحد .
-
نموذج حوض مائي متصل ببركة سطحية ذات نافورة قليلة
الارتفاع.
-
نموذج حوض مائي منفرد مزود بنوافير على شكل سباع حجرية
مشوهة الوجه تمج المياه من أفواهها .
-
نموذج حوض مائي مستطيل الشكل مزود بنوافير جانبية تقذف
المياه على شكل أقواس .
-
نموذج حوض مائي مربع الشكل مزود بنوافير جانبية تقذف
المياه على شكل منخفض إلى وسط الحوض .
-
نموذج بركة جدارية ذات نافورة تصب في حوض مائي .
-
نماذج مختلفة من النوافير المركبة في أفواه تماثيل و أشكال
مختلفة من التزيينات والزخارف .
و تقتصر النماذج المختلفة ذات الماء المتدفق من خلال
النوافير مختلفة الشكل و العدد ، إذ يساهم الماء المتناثر في ترطيب الهواء
أو رفع رطوبته أولاً ، ثم إلى امتصاص الحرارة الحساسة ثانياً، ثم خلق مناظر
جذابة ثالثاً .
و من أهم الأشكال الهندسية للنوافير التي صممها العرب في
الأندلس –مع
مراعاة أنها كانت تتوافق مع أشكال أحواضها –
يمكن ذكر : النوافير المستطيلة ، و النوافير المربعة ، و النوافير المضلعة
كالخماسية و السداسية و الثمانية ، و النوافير الدائرية ، و النوافير
المفصصة ، وقد تكون النافورة بطبقة واحدة أو عدة طبقات يزداد حجمها
تدريجياً نحو الأسفل .
و لقد اختلف أشكال النوافير الأندلسية باختلاف أماكن
تواجدها ، و كذلك اختلفت هذه النوافير حسب الغاية المرجوة منها ، فكانت
تتناسب مع مساحة المكان و ما يحيط بالنافورة من أشجار و مباني ، وقد تم
مراعاة الدقة في اختيار المكان المناسب لإنشاء النوافير ، بحيث تظهر كجزء
أساسي في تنسيق هذه الأماكن .
3ـ التصميم الهندسي للنوافير الأندلسية
:
صممت
النوافير الأندلسية بطرق مختلفة ، أبسطها تركيب نافورة للماء في وسط حوض أو
بركة تدفع الماء منها فيتساقط ثابتاً في الحوض ، و هذه الطريقة كانت شائعة
كثيراً في الأندلس ، و قد تثبت هذه النافورة داخل تمثال جميل من الرخام أو
الحجر و بأشكال مختلفة من الحيوانات .
و قد روعي في تصميم النوافير الأندلسية الدقة الهندسية في
حساب عرض البركة أو الحوض المائي ، بأن يكون أكبر قليلاً من ارتفاع جسم
النافورة ، حتى لا يتعدى ماؤها محيط الحوض أو البركة ، و بمعنى أدق علمياً
فقد درست العلاقة بين الحوض أو البركة و قوة تدفق الماء من النافورة بحيث
توافق العلاقة التالية :

إذ يشير الرمز
h
: إرتفاع الماء المتدفق .
d:
المسافة بين الماء المقذوف من فوهة النافورة و حافة البركة .
وقد استطاع المهندس العربي في الأندلس أن يتوصل إلى معرفة
التدفق و الضغط و كمية الماء اللازمين لتأمين عمل النوافير المختلفة و
ملئ المسطحات المائية باستمرار ، و يؤمن جرياناً طبيعياً في هذه المسطحات و
تبديلاً مستمر للمياه فيها ، كما استطاع المهندس العربي أن يتحكم في
الارتفاعات التي يجب أن يكون عليها صهريج التخزين ، وفي كمية الماء الواردة
و ضغطها و ذلك عن طريق التحكم في عرض و عمق القناة الناقلة للماء إلى
النافورة ، و كذلك التحكم في شكل الصمام و مقدار فتحته لما له من تأثير على
شكل شعاع الماء و على إرتفاعه ، فكان هناك الصمامات الضيقة التي تدفع
شعاعاً ضيقاً ، و الصمامات الواسعة التي تدفع شعاعاً ثخيناً ، و منها ما هو
تحت سطح ماء الحوض حتى يدفع الماء بشكل مخروطي ، و غالباً ماكانت أشعة
الماء تتراقص بأشكال متعددة تبعاً لدورات خروجها ، فكان يراعى في تصميم
اتجاهات الماء أن تتفق مع قوة ضغط مناسبة للماء ، ليصل شعاع الماء المقذوف
إلى الارتفاع المطلوب .
و قد ينساب الماء من قمة النافورة إلى الأسفل على شكل شلال
هادئ ، و في حال توفر المياه بكميات كبيرة تكون الشلالات غزيرة ، و
لذلك كان يبنى أحواض مائية متراكبة فوق بعضها البعض و متناقصة حجماً
بالتدريج ، و ذات نافورة مركزية يتدفق الماء منها و ينسكب على الأحواض بشكل
شلال .
وقد ينتهي أحد الممرات في الحديقة الأندلسية إلى جدار
–
خاصة في الأماكن الصغيرة المساحة –
و لكي لا يبدو هذا الممر مقفلاً ، كان المهندس العربي يلجأ إلى إدخال الماء
بصورة جذابة عن طريق تصميم نافورة متصلة و مثبتة بجدار يتناسب شكله مع
شكل محراب النافورة ، و التي تقذف الماء إلى الأسفل في حوض يستقبله ، و
غالباً ما يكون هذا الحوض على شكل نصف دائرة مع مراعاة وجود فتحة لتصريف
الماء ، و عادة تنحت النافورة بأشكال هندسية تمثل رؤوس بعض الحيوانات يخرج
الماء من عيونها أو أفواهها بشكل جذاب .
إذ لجأ المهندس العربي المسلم إلى تحويل بعض أشكال النوافير
إلى تماثيل حيوانية كالسباع أو الطيور أو الأسماك مما أعطاها قيمة فنية
جمالية أخاذة ، مع الأخذ بعين الاعتبار مراعاة نظرة الدين الإسلامي الحنيف
لتلك التماثيل ، و لذلك كان يجري تشويه وجوه هذه التماثيل و تحويرها .
فمثالاً على ذلك ، إن وجود نافورة السباع المزخرفة في قصر
الحمراء في مدينة غرناطة على مسافة
–
و لو بعيدة نسبياً –
كانت تجذب العين و الانتباه إليها فلا يشعر الإنسان بالراحة إلا عند
الوصول إليها إذ يتخذ تصميم فناء السباع شكلاً مستطيلاً مكشوفاً أبعاده 38
x
22 متر ، تحيط به من جهاته الأربع أروقة ذات عقود ، تحملها
124 عمود من الرخام الأبيض ، صغيرة الحجم متناهية في الجمال و الرشاقة ،
وكأن صانعها الدقيق لم ينتهي منها إلا منذ ساعات ، و تتوسط الفناء بركة و
نافورة رخامية بلغت شهرتها الآفاق ، يبلغ قطرها حوالي 3.5 م ، و عمقها 65
سم ، و يحمل حوضها المرمري المستدير الضخم اثنا عشر أسداً نحتت من الرخام
الأبيض ، و يبلغ ارتفاع كل واحد منها نحو 82 سم ، و تمج الماء من أفواهها
لتصب في أربع قنوات متقاطعة تنساب المياه فيها لتنتهي اثنتان منها
بنافورتين رخاميتين صغيرتين داخل القاعتين الواقعتين في شمال وجنوب الفناء
، ترطبان الجو و تملآن أرجاءهما بنغم خرير الماء ، أما القناتان الأخريان
فهما أقصر بكثير ، و تنتهيان بنافورتين من الرخام في جوار فناء السباع .
و كذلك فإن الدور نفسه الذي لعبته النوافير الحجرية في أن
تكون أحد الوجوه التي تنهي منظراً من المناظر التقليدية ، أو المركز رؤيا
في الحديقة ، و كان الاختيار الأمثل لمكان النوافير الأندلسية أحد
العوامل التي جذبت الانتباه إليها باستمرار ، و نظراً لأن النافورة
الأندلسية مركزاً طبيعياً للانتباه، فكانت لا تحتمل المنافسة و لا تقبلها ،
و عليه فقد تجذب الانتباه نافورة واحدة فقط أو عدة نوافير معاً مكونة
تكويناً مترابطاً أو كاملاً .
و قد سبقت النافورة الأندلسية ، النوافير الغربية في هذا
المضمار ، إذ استخدم العرب النوافير بأشكال متعددة ، و اختاروها من أجل
التكوينات الخاصة بها في حدائقهم. و قد ترى العين الفاحصة الفنانة الكثير
من الأشياء ، التي تكون مهملة ، و تلاحظ بعض العناصر التكوينية الأخرى التي
تجلب السرور إلى النفس و تعبر عن شخصية و تصميم الحديقة فتزودها بنقطة
تشويق و إثارة و تركيز ، من أجل ذلك أخذت النوافير الأندلسية مكاناً
تقليدياً في الحديقة العربية الأندلسية .
و لابد من ذكر أن المهندس العربي راعى أن يكون المنظر
الخلفي بألوانه و مظهره الخارجي ، ومساحات الضوء و الظلال ، جميعاً جزءاً
من تكوين النافورة الحجرية التي قد تقوم بدور مركز التناظر في تصميم المكان
، و قد زرعت الأشجار و الشجيرات و النباتات القابلة للتشكيل لتقوم بدور
المنظر الخلفي و الغلاف الذي يحيط بالنوافير الجميلة ذات الألوان الفاتحة ،
و ذات التصميم الهندسي الدقيق ، و في بعض الحالات كانت السماء هي المنظر
الخلفي النموذجي لها ، و من الأمثلة على ذلك مجموعات النوافير في جنة
العريف في غرناطة .
و كان أفضل ارتفاع للنافورات أن تكون على مستوى نظر الإنسان
الرائي، و إذا أريد العمق في المنظر الخلفي و زيادة ظاهرية في ارتفاع
النافورة المرئية و كذلك بالسمو والنظر، كان يزداد ارتفاع النافورة بحيث
تكون أعلى من مستوى النظر، مما يزيد المنظر الخلفي عمقاً و يسمو بالروح و
النفس و العين ليتطلعا إلى السماء.
وفي بعض الأماكن التي لا تسمح بعمل نافورة كبيرة ، لجأ
المهندس العربي إلى وضع حوض الماء بشكل غاطس تحت سطح الأرض ، وعمل على وضع
نافورة بوسطه تقذف الماء بإرتفاع قليل نسبياً .
وكانت النافورات الأندلسية تبنى من الحجارة و الرخام، و
بعضها كانت تكسى بطبقة سميكة من الخزف والقاشاني الملون بأشكال مختلفة
لزيادة جماليتها، ولعل أكثر الألوان استعمالاً في الأندلس كان اللون الأزرق
الفاتح أو خليط من الأزرق و الأخضر، وبشكل يتلائم مع لون البركة أو الحوض
المحيط بها.
إذاً، فقد أحكم المهندس العربي في الأندلس تصميم النوافير
الأندلسية بدقة متناهية، وعبقرية هندسية، فأصبح انبثاق الماء تابعاً
لإرادته ، إن أراد رفعه لارتفاعات وبأشكال مختلفة، وإن أراد أنزله من علو
شاهق في أشكال جذابة رائعة .
|