|
انتقلت علوم الطب العربي إلى الهند بعد أن
تم وضع التقاليد الطبية المجيدة في شبه الجزيرة العربية وإسبانيا وتركيا
وإيران وأفغانستان وآسيا الوسطى وشمال أفريقيا. وباقتدائها بهذه البلدان،
حققت الهند استفادة كاملة من هذه الفرصة المتاحة للتطور في شبه القارة
الهندية آنذاك، والتي تضم اليوم الهند وباكستان وبنغلاديش. من الآن فصاعداً
نقصد بالهند شبه القارة الحالية.
هناك أربع طرائق رئيسة جرى من خلالها نقل علوم الطب العربية إلى الهند.
وهذه الطرائق تشمل الطرق التجارية والمسافرين وبطانة الفاتحين المسلمين
والممالك الإسلامية المستقلة.
ـ الطب العربي:
الطب العربي
الذي بات يعرف اليوم بالطب اليوناني في شبه القارة الهنديةـ الباكستانية،
اشتق اسمه من التسمية التي أطلقها عليه الأطباء العرب. لاشك في أن الرعاية
الملكية التي أولاها الأباطرة الهنود والقادة المحليون للطب اليوناني خلال
العصور الوسطى وكذلك إقامة المستشفيات الحكومية في كافة أنحاء الهند، قد
ساهمت في تطور هذا الطب.
مع ذلك فالأطباء اليونان أنفسهم لم
يتقاعسوا عن جعل هذا الطب طريقة شعبية للمعالجة، وقاموا بذلك فعلاً من خلال
المعالجة الطبية الفعلية والثقافية والتعليم الطبي، النظري والعملي، وجمع
المؤلفات الطبية للكتاب العرب لنهل المعرفة والمشورة منها من قبل الأطباء
الهنود.
لقد شكل الطب العربي (اليوناني) جانباً
لا يستهان به من المناهج الطبية للمدرسة الإسلامية المعروفة باسم "دارسي
نظامية". من المعروف أن أول كتاب تم تأليفه عن الطب العربي في الهند كان
الترجمة الهنديةـ الفارسية لكتاب الصيدنة لأبي ريحان البيروني.
إضافة لذلك، أكثر من(30) كتاباً جرى تأليفها أو ترجمتها خلال عهد السلطنة.
ووفق ما قاله بيرنر فإن الأطباء المثقفين أمثال بدر الدين الدمشقي عاشوا في
الهند خلال حكم علاء الدين الخلجي (1256ـ1316). يقول:" لم يشهد التاريخ
أبداً أمثال هؤلاء الأطباء الذين ازدهروا في عهد علاء الدين".
كان هناك (70) مشفى حكومي في دلهي لوحدها خلال عهد السلطان محمد طغلق
(1325ـ52) يعمل فيها (1200) طبيب في معالجة المرضى.
يتحدث التاريخ عن
العهد المغولي في الهند كأكثر العهود إشراقاً على صعيد تطور الفنون والعلوم
بشكل عام، وهو بحق العصر الذهبي للطب العربي في الهند، والذي بلغ الطب
العربي خلاله شأواً موازياً لذلك الذي حققه الطب العربي في البلدان العربية
الشرقية خلال العهد العباسي وفي إسبانيا خلال العهد الأموي.
خلال ذلك العهد (العهد المغولي) المئات من
الأطباء قدموا إلى الهند من آسيا الوسطى وإيران وبلدان أخرى. وكان بفضل
أولئك الأطباء ومآثرهم الرائعة أن أصبحت الهند على قدم المساواة مع حواضر
ذلك الزمان، مثل بغداد ودمشق وبخارى وسمرقند وشيزار وأصفهان وقرطبة
وغرناطة.
وهكذا استمر وصول الأطباء المتميزين من البلدان الإسلامية إلى الهند والذي
بدأ أوائل الحكم الإسلامي حتى أفول عهد إمبراطورية المغول. في الهند تستخدم
أعمال أبو بكر محمد بن زكريا الرازي وابن سينا وأبو شال وعلي بن عباس
والكندي ونجيب الدين السمرقندي وابن النفيس كمراجع أساسية حتى يومنا هذا من
قبل طلاب العلم الهنود. يعكف الدارسون في الهند على التبحر في أعمال ابن
سينا وغيره من الكتاب العرب بشغف واهتمام عظيمين، وقد تم تدون التعليقات
والحواشي على تلك الأعمال المتميزة.
وبالتالي لا يمكن النظر إلى عملية نقل الطب العربي إلى الهند على أنها مجرد
ظاهرة مؤقتة، لأنها ظاهرة لا تزال حية حتى يومنا هذا،وتقاليد ومبادىء هذا
الطب التي أرسى العرب قواعده ما تزال قائمة حتى الآن.
لقد ألف الأطباء الذي يمتهنون الطب العربي في الهند كتباً بالعربية
والفارسية في شتى المواضيع الطبية كالتشريح والفيزيولوجية وعلم الأمراض
وعلم العقاقير وعلم أمراض النساء والأطفال وعلم صحة وطب الصحة وطب الأنف
والأذن والحنجرة وطب العيون والجراحة وغير ذلك.
على الرغم من أن الأطباء الهنود كانوا قد
خلفوا ثروة كافية في اللغة العربية، مع ذلك فقد جرى جمع أعمالهم الرئيسة
بالفارسية التي كانت لغة الدولة ولغة العلم والأدب. لذلك عمد كتاب الطب من
الهنود إلى جعل الفارسية واسطة التعليم والتعبير. بهذا الخصوص لابد من
التنويه بخدمات حكيم أكبر أرزاني (1722) الذي قام بترجمته منهج الطب العربي
إلى الفارسية، والذي لعبت أعماله المترجمة مثل: "ميزان الطب"، و"حدود
الأمراض"، و"علاج الصبيان"، و"الطب النبوي"، و"مجربات الكبرى"، و"مفرح
القلوب"، وغيرها. دوراً كبيراً في نشر الثقافة الطبية العربية في الهند.
مجموعة كبيرة من الكتب النادرة عن الطب العربي
باللغتين العربية والفارسية ما تزال موجودة على رفوف المكتبات وضمن
المقتنيات الخاصة في الهند. ويشمل هذا الكنز الثمين مخطوطات معينة لأعمال
أصلية يقتصر وجودها على الهند فقط وتعتبر فريدة من نوعها في العالم. فعلى
سبيل المثال المجموعة الكاملة للشروح والتفاسير لمؤلف"الثمار الطبية الستة
عشر" (16مجلداً) لأبي الفرج عبد الله بن الطيب موجودة في مجموعتي الخاصة،
وهي مجموعة فريدة من نوعها.
إن عملية نشر الأعمال الكلاسيكية الضخمة للطب العربي التي لم يتسن نشرها في
العالم الإسلامي، ما تزال مستمرة في الهند على قدم وساق. وتشمل هذه الأعمال
مؤلفات مثل"الحاوي" لمحمد بن زكريا الرازي(25 مجلداً من هذه المجموعة
الهامة تم نشرها حتى الآن). وهناك أيضاً كمية لا بأس بها من المادة
المصدرية حول الطب العربي تم نشرها هنا مثل: "كتاب المياه" لأبي سحل،
و"كافل الصنعات"، لعلي بن عباس، و"القانون" لابن سينا، و"الكليات" لابن
رشيد، و"كتاب التصريف" لعبد القاسم الزهراوي، و"مجيز القانون" لابن النفيس،
و"شرح الأسباب والعلامات" لبرهان الدين نفيس، و"الشرح الكلي" لمحمد أمولي،
و"مختارات ابن هبل"، وغيرها.
عندما أصبحت الأوردية لغة العلم والأدب في الهند بدأت حملة ترجمة الأعمال
العربية المستقلة بالأوردية.الأعمال المترجمة إلى
الأوردية تشمل أعمال حنين بن إسحاق وثابت بن قرة ونوح بن منصور
القمري ومحمد بن زكريا الرازي وابن سينا والزهراوي والطبري وابن زهر وابن
رشد وابن أبي أصيبعة وابن القفطي وابن البيطار وابن القف وابن النفيس
وبرهان الدين نفيس والسيد إسماعيل الجرجاني إمام الدين محمد الشيرازي
وغيرهم.
لقد كرس الطب العربي مكانته في المجتمع الهندي بحيث أنه بات ينظر إليه
اليوم كطب محلي محض، ويعود الفضل للهند في أنها لم تحض الطب العربي وتفتح
له أبوابها وحسب، بل وفرت له أيضا حماية أكيدة من الانقراض والزوال في
الوقت الذي تلاشى فيه هذا الطب وأفل نجمه لسوء الحظ في معظم بلدان العالم
الإسلامي.
فالهند تفخر بأنها أكبر مركز للطب العربي في
العالم. والطب العربي الذي واظب على مسيرة تقدمه كنظام مستقل للعلاج
في الهند يحظى بدعم كامل من الحكومة الهندية. وهنالك أكثر من (30) معهداً
للطب العربي في البلاد تقدم علومها لطلبة ما قبل التخرج خلال دورة دراسية
مدتها خمس سنوات تعقب مرحلة الدراسة الإعدادية أو الثانوية وتضم أكثر من
(3000) طالب. بعض الجامعات تقدم أيضاً دورات تعليمية لمرحلة مل بعد التخرج
في هذا المجال. هناك أكثر من(40) ألف شخص مسجلين رسمياً يمارسون هذا النوع
من الطب ويوجد المئات من مستوصفات الطب العربي الحكومي في الهند اليوم. وقد
أنشأت حكومة الهند أيضاً مجلس أبحاث مستقل بذاته للطب العربي يتبع إليه عدد
كبير من معاهد ووحدات الأبحاث المركزية والإقليمية في البلاد.
وهناك أيضاً المئات من صيدليات وشركات الطب العربي التي تقوم بتصنيع العديد
من العقاقير الموصى بها من قبل الأطباء.
إن الطب العربي ليس نظاماً بائداً نضعه على رفوف التاريخ، بل هو علم حي
يعتمد على الدراسة التجريبية والمبادىء العامة العقلانية التي لا تزال
محفوظة لدى مئات الملايين من الناس ومنهم أبناء الطبقة المثقفة في الهند
وباكستان وبنغلاديش وسريلانكا. فالطب العربي هو نظام طبي مميز ومستقل له
روحه وطبيعة وخصائصه وطرق دراسته وعلاجه الخاصة والمتميزة.
ونحن على عتبة الألفية الثالثة، نرى بأن البشرية بحاجة ماسة إلى طب بديل
موازي للطب التقليدي المعروف. وهناك عدد كبير من البلدان في سعي حثيث
للحصول على مثل هذا النظام البديل. لاشك بأن الطب يمتلك كافة المؤهلات التي
ترشحه لتبؤ هذه المكانة بنجاح أكبر بكثير من أي نظام علاجي أخر. فهو النظام
العلاجي الأكثر سلامة من أنظمة الصحة العالمية بالطب العربي كنظام علاجي
ناجع إلى جانب غيره من أنظمة الطب التقليدي إنطلاقاً من دعمها وتشجيعها
لمثل هذه التوجهات العلاجية البديلة.
لقد ثبت فاعلية نظام الطب العلاجي العربي في علاج الكثير من الأمراض مثل
الأنفلونزا والرشوحات والبهاق والشلل والتهاب المفاصل والنقرس وعرق النسا
والخذل وداء السكري والقرحة الهضمية والاستسقاء البطني وألام البطن الغارات
ونقص الشهية والإمساك والمغص والإسهال والتهاب الكبد واليرقان وغيرها من
العلل المزمنة.
وكذلك يمتلك الطب العربي الخاصية القيمة لعلاج
الأمراض التناسلية والتي تضاهي أي نظام علاجي أخر في العالم. لابد
التنويه هنا بأن التحول نحو نظام علاجي وبديل غالباً ما يكون له فوائد جمة.
فعندما يعجز نظام علاجي معين عن شفاء حالة ما، يمكن اللجوء إلى أنظمة
علاجية أخرى بديلة. إن فرصة الاستفادة من أنظمة علاجية بديلة، ولاسيما فان
نظام الطب العربي غير متوفرة في البلدان العربية. للأسف فان نظام الطب
العربي غير معترف به كنظام طبي في البلدان العربية على الرغم من حقيقة أن
الشعار المتمثل في" الصحة للجميع بحلول عام (2000) لا يمكن تحقيقه من دون
تسخير الطب العربي أيضاً لخدمة البشرية".
|