|
ولعله من الجدير أن نذكر بأن البعثة الإنكليزية في موقع أبي هريرة قامت بدراسات
عامة للتعرف على البيئة الحيوانية والنباتية وقد أجرت دراسات إحصائية للعظام
المكتشفة ولبذور النباتات المتفحمة وتبين نتيجة هذه الدراسات :
إن
سكان مستوطنة أبي هريرة خلال الفترة النطوفية كانوا يفضلون اصطياد الغزلان التي
كانت متوفرة وتشكل عظامها النسبة العظمى بين العظام المدروسة كما اصطادوا أيضاً و
بشكل أقل نوعاً من الخيول التي تشبه الحصان البري والتي تدعى
Onager )
) أما عظام الخنزير البري ( Wild
Pig ) فكانت تشكل نسبة ضئيلة
لكنها كانت موجودة في المنطقة ومتوفرة في مناطق السافانا التي تنتشر في سهوب
منطقة أبي هريرة وغابات وادي الفرات ، كما عثر على عظام للكلاب يعتقد أنها مدجنة
ولاشك أن الكلاب كانت من أقدم أصدقاء الإنسان وتم تدجينها في مراحل باكرة نجهل
تاريخها .
أما ما يلفت
الانتباه في منطقة أبي هريرة فهو وقوعه في نقطة هامة تتوفر فيها الغزلان التي
تأتي من البادية عبر أودية معشبة وخضراء لترد النهر ، وكان سكان أبي هريرة يقومون
بعمل مصائد لها على الطريق قبل ورودها الماء وهذه المصائد تتمثل بعمل حظائر على
الطريق عريضة المدخل ثم تضيق لتنفتح على حظيرة ذات جنبات دائرية بحيث يمكن
اقتناصها بالعشرات ولعله ولهذا السبب وجدت قرية أبي هريرة حيث توفرت الطرائد
وتوفرت النباتات البرية مثل : الشعير البري ( الجودار) والبقول والعدس البري و
الجوزات الصغيرة من أشجار التربنتينة وهي من عائلة الفستق بالإضافة لثمرات شجرات
الميس وهي من عائلة الدردار وقد قام الأركيوبوتانك (
Archeobotanic
) / عالم في دراسة النباتات القديمة / الدكتور هيلمان /
Gordon Hillman
/ من جامعة ويلز بدراسة البقايا
النباتية من موقع أبي هريرة وتبين له أن سكان الموقع كانوا يجمعون البقول ولم
يكونوا يزرعونها ومنها نوع من العدس البري .
(
قامت البعثة بنخل التراب المستخرج من الحفرية وجمعت عظاماً تزن أكثر من طنين كما
قامت بطريقة التعويم ( Flotation
) وهي عملية هدفها فصل المواد النباتية عن التراب المنخول فقد حصلت البعثة على
كمية ألف لتر من المواد النباتية وهي محفوظة الآن في جامعة أكسفورد ) .
وبالإضافة للعدس البري هناك نوع من القمح وهو القمح البري البرزاني والشعير البري
وأصبحت مسألة دراسة البيئة النباتية من المسائل المهمة في علم الآثار ويقوم الآن
عدد من المختصين بدراسة هذه البيئة في سوريا سواءً في الجزيرة السورية مثل
الدكتور فرانك هول أو في منطقة الفرات مثل ويل كول أو في منطقة سهل الروج مثل كين
إتشي تنو( جامعة تسكوبا اليابانية ) وقد أثبتت دراسات هؤلاء المختصين وجود نباتات
الأتربيلكس ( Atriplex
) التي تنبت في البوادي والألسيوم (
Alyssum ) وهي
من عائلة الخردل والليثو سبروم (
Lithospermum ) وهي من عائلة
لسان الثور .
وكمحصلة لذلك يبدو أنه من
المحتمل جداً أن يكون سكان موقع أبي هريرة اعتمدوا على ثلاث أنواع من الحبوب
الغذائية وربما أيضاً البقول ، ولكن هذه الزراعة كانت على نطاق بسيط ولم تكن
واضحة إلا في العصر التالي حيث بدأت الثورة النيوليتية .
كما يتوجب علينا أن نشير
إلى أن سكان موقع أبي هريرة اعتدوا على ثلاث مصادر غذائية هي :
-
جمع النباتات
البرية وزراعتها على نطاق محدود جداً .
-
اقتناص الطرائد وفي
مقدمتها الغزلان والماعز .
-
صيد الأسماك
الذي تم إثباته من خلال وجود أصداف للمياه الحلوة (
Freshwa – Mussel
) وبعض فقرات الأسماك التي تشير إلى أن نهر الفرات كان مصدراً آخر للغذاء .
نهاية الاستيطان النطوفي في
موقع أبي هريرة كان في أواسط الألف التاسع ق.م حيث هجر الموقع بعد عدة قرون من
الاستيطان ولم يستطع المنقبون الإجابة على الأسباب التي أدت إلى هجر هذا الموقع
الذي بقي خالياً لمدة تقارب الألف عام قبل أن تظهر مستوطنة جديدة فيه في العصر
الحجري الحديث حيث بدأت تمارس الزراعة على نطاق واسع .
|