|
إن دراسةَ الآثارِ من مجالاتِ البحث العلميِ التي ُتعد
أصدق قيلاً وأقوم دليلاً
على إثباتِ التاريخ
أو نفيه ، فمن المعروفِ أن بعضَ المؤرخين أو
كُتاب التاريخ على مرِ العصورِ قد انحازوا برواياتهم
للأحداث في بعضِ الفتراتِ التاريخيةِ إلى المبالغةِ
في تمجيدِ الحكامِ المعاصرينِ لهم، أو ذوي
القربى من أسلافهمِ وغير موضوعيينِ بالنسبةِ لغيرهمِ
، وذلك لأن هؤلاء الكتابَ المشارَ إليهمِ
ما كانوا إلا كُتابا للسلطةِ الحاكمةِ أو رؤساءَ
دواوينِ الإنشاء الخاضعة لإشرافِ الدولةِ
الإسلاميةِ في أغلبِ عصورهاِ .
فيجبُ على
المؤرخِ إن يكون حريصاً على ألا يقدمَ إلا صورةً نقيةً اقربَ ما تكون إلى
الحقِ والواقعِ ، ويجبُ عليه ألا يتعجلَ في الأخذِ بكلِ ما يصادفه في
المصادرِ من معلوماتِ والتقاطها والتهامها وكأنها حقائق صحيحة ، فالمصادر
تشكلُ المنبع الذي ينهل منه المؤرخ الحديث بصفةٍ عامةٍ العناصر الأولى التي
يشّيدُ منها بناءهَ ، والمصادرَ هي الأساس في الحكمِ على مدىِ صحةِ أي
روايةٍ تاريخيةٍ ، وبقدر ما يتوافر للمصدرِ من صحةٍ واكتمالٍ ، يكون
البناءُ سليماَ متماسكاَ ومتكاملَ الأجزاءَ .
هذا وتعتمدُ الدراساتُ التاريخيةُ على العديدِ من المصادرِ
التي يستقي منها المؤرخ مادتهَ التاريخيةَ ،
ومنها الوثائقُ بشقيهاِ غيرُ المنشورةِ والمنشورةِ سواء كانت تلك الوثائقُ
باللغُّة العربية أو غيرها ، ويلي ذلك
المصادرُ العربية التي تنقسم إلى مصادرِ مخطوطةٍ وأخرى مطبوعةٍٍ
، بالإضافةِ إلىِ كتابات الرحالةِ
والجغرافيينِ والمستكشفينِ بصفةٍ عامةٍ ،
ثم المصادر والمراجع والأبحاث المعّربة ،
ويلي ذلك أيضا الأبحاثُ العربيةُ المنشورةُ بالمجلاتِ والدوريات العلميةِ
المحكّمةِ والثقافيةِ ، ثم الرسائلُ
العلميةُ المخطوطةُ ، والمعاجمُ التاريخيةُ
واللُّغويةُ المتخصصةُ سواء القديمة أو الحديثة ،
والموسوعاتُ المختلفةُ ، والخرائط
ُالجغرافية والملاحيةُ القديمة أو الحديثة ،
ثم المصادرُ والمراجعُ الأجنبيةُ ، وهي
الكتبُ والبحوثُ التي كتبت بغيرِ اللغُّةِ العربيةِ
، بالإضافةِ إلىِ التراث ِالشعبيِ والإرثِ
الاجتماعيِ العام لكلِ أمةِ من الأممِ .
وتأتى الآثارُ من أهمِ المصادر الثابتة كشاهدِ نفيٍ أو
إثباتٍ لأقوالِ المؤرخينِ، باعتبارها
الدليلَ الماديَ الشاخصَ للعيان الذي يثبتُ مدى تقدمِ عصرٍ من العصورِ أو
تأخِره وازدهارِ فتراتِ الحكمِ أو تأخرهِا ،
وبلوغِ الثقافةُ منتهى المرام أو تخلفهُ..
والشواهدُ علي ما نقول كثيرةٌ ومتنوعةٌ.
والحقُ أن المشتغلَ بالتاريخِ الإسلاميِ لا يستطيعُ إن
يكونَ مؤرخاً موفقاً إلا إذا كان له إلمامُُ كبيرُُ بالمصادرِ الآثاريةِ
علي اختلافهاِ ، وان ُيحسنَ استخدامَ
النتائجِ التي يصلُ إليهاِ العديدُ من العلماءِ والباحثينِ في الآثارِ .
وتعدُ النقوشُ الكتابيةُ من المصادرِ الآثاريةِ والتاريخيةِ
المهمةِ التي يصعبُ الطعنُ في قيمتهاِ أو التشكيكُ في أصالتهاِ
، فهي معاصرةُُُُُ ُللحقائقِ والأحداثِ
التي تسجلُها كما أنها محايدةُُُ ُأيضا،
فتعوضُ النقصَ وتسدُ الفراغَ في المصادرِ التاريخيةِ، كما إنها تمتازُ بأن
تواريخَها صحيحةُُ ُ ، وتفيدُ أيضا في
مراقبةِ أقوالِ المؤرخينِ واثباتِ صحِتها أو الكشفِ عن أخطائِها.
وعليه
فإن كثيرا من الباحثينِ في التاريخِ يولون وجوههم شطر
النقوش الآثارية للاستفادةِ منها في كتابةِ التاريخِ من كافةِ جوانبهِ
،
السياسية والدينية والاجتماعيةِ والاقتصاديةِ والعسكريةِ.
ومن هنا اشتدت رقابةُ أممِ العالمِ في السنواتِ الماضيةِ
علي ما تملُكه من نقوشِ و آثارِ ، وأصبحتَ
كلُ مخلفاتَ الماضي ُملكاً لكلِ دولةٍ ،
وأنه يجبُ تقويمُها ورعايتُها باعتبارِها كنوزاً عامةً
، وقد أسعد الحظُ معظمَ البلدانِ
الإسلاميةِ بأنها تملكُ نصيباً كبيراً من الموادِ الأثريةِ في العالمِ ،
وأشدَ تنوعاً منذ ما قبل التاريخ وحتى كل العهود الإسلامية.
والجدير بالذكر أن المستشرقينَ والعلماءَ الأجانبَ كانوا من
الروادِ الأوائلِ في إبرازِ أهميةِ الآثارِ ونقوشِها كمصدرٍ لدراسةِ
التاريخِ ، فهم الذين َخطُوا للشرقِ خطواتِ
البحثِ العلميِ ، وأسهموا في وضعِ اللبناتِ
الأولىِ له ، وأرستْ أبحاثُهم دعائمَه علي
أسسِ متينةٍ سواءً في نشرِ النقوشِ وتصنيفِها أو دراستِها وإبرازِ قيمتِها
، ولا يغيبُ عنا دورُ المؤرخينِ والرحالةِ
المسلمينِ الذين كانوا من أوائلِ من أدركوا أهميةَ النقوشِ والآثارِ
والخُططِ ، فإنما نجد أنهم يتناولون آثاراً
ونقوشاً قديمةً لا تزال باقية أو ُفقدتْ ،
وكانوا في الأخيرةِ يحددون مواِضعَها ويعطون لنا أوصافاً لها ويدققون في
وَصْفِها ، وتأتى الاكتشافاتُ الأثريةُ
الحديثةُ لتثبتَ صحةَ أقوالِهم ، وانهم
رأوا هذه الآثارَ رؤيةَ العينِ ، بل
ونستطيعُ الجزمِ إن بعضَ هؤلاء الرحالةِ والمؤرخينِ كان يعرفُ لغةَ
الأوليين
لقد حظيت العلاقةُ بين علمي التاريخ والآثار باهتمامِ كثيرٍ
من العلماءِ والباحثينِ العربِ منذ الثلاثين عاما الغابرة
، لأننا اكثر من يعرفِ الحاجة لتعريفِ
الأجيالِ الحاضرةِ والقادمةِ بعلومِ وتراثِ هذه الأمةِ للوقوفِ أمام
العناصرِ الحاقدةِ علي الشرقِ العربيِ التي تتربص بنهضِته الكبرى
، وتضّيِقُ عليه الخناقَ وتتلمس ثغرةً
تنُفذُ منهِا لتضربَ ضرباتِها الخبيثةَ الماكرةَ .
. ومكاُننا في الشرقِ العربيِ وواجُبنا المقدسُ يحّتمَان علينا
اليقظةَ المستمرةَ والسهرَ الدائمَ علي الاحتفاظِ بتراثِنا الخالدِ
وأعمالِنا المجيدةِ وأمجادِنا الغراء، حتى
تكونَ حافزاً لنا في بناءِ مستقبلٍ مشرقٍ لا يقلَّ روعةً وجلالا عن ماضينِا
العظيم .
هذا وتزخرُ دولةُ قطرَ بالعديدِ من المبانيِ التاريخيةِ
والأثريةِ والمواقعِ المختلفةِ، والتي شهدت
أحداثا و فتراتٍ تاريخيةٍ متنوعةٍ تؤكد أصالـة هذا البلدِ وعمقه التاريخي،
وإرثه الحضاري، وبالرغم من أن الباحثينِ لم
يولوا اهتماما كبيراً لدراسةِ الآثارِ والعمارةِ في دولةِ قطر نظراً
لصعوبةِ الحصول على المصادرِ التاريخيةِ وقلِتها
،إلا أنه من حسنِ حظِّ هذا البلدِ أن يحتفظَ بالكثيرِ من تراثِه
الحضاريِ والأثريِ العظيمين، والذي مازالت نسبةُ ليستِ بالقليلِة منه محل
الدراسةِ والبحثِ والاستكشافِ .
وتعدُّ الآثارُ الباقيةُ في دولةِ قطر مصدراً شاهداً
ومؤرخاً لفكرِ وثقافةِ وفلسفةِ السلف السابق الذي أورثنا حضارته العظيمة
بعد اكتمال حلقاتِها التاريخيةِ على مرِِ العصورِ،
فالحضارةُ لا تموتُ لكنِها تظلُ حيـةً تختبئ خلالَها كنوزُ وتراثُ الأمم في
بيئتِها الحاضنةِ حتى يهيئ اللهُ لها قوماً يحافظون عليها و يعملون على
حمايتِها لتظلِ شمسُها ساطعةً أبدَ الدهرِ .
ومن هذا المنطلق تأتى ضرورةُ قيامِ المؤرخِ بالاطلاع علي
المصادرِ الأثريةِ الثابتةِ والتي تتمثلُ في المبانيِ والعمائرِ التاريخيةِ
والأثريةِ بشبهِ جزيرةِ قطر ، ومحاولةِ
التدقيقِ فيها ، بل ودراستها مع إجراءِ
الربطِ والتحليلِ التاريخيِ الموضوعيِ لأسبابِ بناءِ تلك المنشآت وماهيتها
المعمارية وعلاقتِها بالمنشآتِ المجاورةِ،
بالإضافةِ إلى دراسةِ الوثائقِ التي قد تتوافرُ بدورِ الحفظِ الحكوميةِ أو
الخاصةِ، والتي قد تردُ بها معلوماتُ ُ
تاريخيةُُ ُعن الحركةِ العمرانيةِ في قطرِ،
التي يوجد بها العديدُ من المنشآتِ الدينيةِ ، والتجاريةِِ ، والخيريةِ ،
والدفاعيةِ والمدنيةِ .
|