|
وأضحت دمشق بعمقها الحضاري والاقتصادي وموقعها الاستراتيجي
منذ القدم درة يطوق إليها ملوك وأباطرة الآشوريين وما تلاهم من البابليين
واليونان والرومان ، فاكتملت أسس الحضارة السورية التي صهرت كل ثقافات
الأمم والشعوب التي بزغ صيتها وارثها الحضاري علي الأرض السورية وصهرتم في
بوتقة دمشق الثقافية والتاريخية ، وأنتجت من كل ما سبق أرثا حضاريا وثقافيا
يشار إليه في كل محافل الخطاب التاريخي والحضاري للأمم الغابرة والباقة .
وتعرف دمشق بعدة أسماء نذكر منها علي سبيل المثال ، فسطاط
المسلمين ، الغوطة ، العذراء ، جيرون ، ذات العماد ، الفيحاء ، جلق الخضراء
، والشام ، دمشق الشام ، وتنطق دمشق بكسر الدال وفتح الميم وسكون الشين ،
وقد حفظت رسائل تل العمارنة ووثائق الفراعنة الهامة ورود اسم دمشق بلفظ
تمشقو و دمشقا ، كما ذكرت أيضا في الرقم الطينية التي تم اكتشفها في أيبلا
، وسجلت النصوص الآشورية لفظ دمشقي وتمشكي ، وورد اسمها في التوراة مرتبطا
بقصة إبراهيم الخليل ، وعرفت دمشق عند الآراميين بدار مسق أي الأرض أو
الدار المسقية ، وأطلق عليها اليونانيون والرومانيون اسم داماسكس ، ألا إن
العرب أطلقوا عليها الاسم الحالي و هو دمشق .
ويعد نهر بردي أو نهر الذهب الذي كان يسقي كافة ضياع الشام
،وينقسم إلى عدة أقسام وهي بردي وقنوات وبانياس ويزيد وتورا بالإضافة إلى
الغوطة أي الوادي المتسع أو البستان المزدهر الذي كان يحيط بدمشق من كل
جوانبها .
وكان لظهور الإسلام وانتشاره في شبه الجزيرة العربية ، و
خارجها عاملا هاما في دخول سوريا إلى الدين الجديد ، ولبت الشام نداء الحق
و أشرقت شمس الإسلام الحنيف عليها ، حيث بدأت الفتوحات الإسلامية لبلاد
الشام في سنة 12 هـ/ 633 م , و تم فتح الشام بعد معركة اليرموك في سنة
15هـ / 636م علي يد القائد الإسلامي خالد بن الوليد بعد هزيمة البزنطيين.
وأصبحت دمشق من أهم العواصم الإسلامية في العصر الأموي( 41
– 132 هـ / 661 – 750 م ) ، وأنشئت بها العديد من العمائر الدينية ومن
أهمها الجامع الأموي الذي أمر بإنشائه الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك
( 86 – 96 هـ / 705 – 715 م ) ، بالإضافة إلى القصور والدور التي أولى
الأمويون جل اهتمامهم ببنائها وعمارتها .
هذا ونقل العباسيون (132- 656 هـ /750- 1258م ) الخلافة
الإسلامية من دمشق إلى بغداد ، حيث أصبحت الأخيرة عاصمة الدولة الإسلامية ،
ولم تفقد دمشق رونقها الحضاري ولم تتوقف الحركة العمرانية بها ، بالرغم من
انصراف خلفاء بني العباس إلى الاهتمام بعواصمهم في العراق ، بل ظلت دمشق
الشام تمثل مدرسة معمارية مبكرة تحتفظ بالأصول الأثرية للحضارات المتعاقبة
عليها ، وظهر نمطها الهندسي الإسلامي في كثير من عمائرها وخاصة بعد إن دخلت
دمشق تحت حكم نور الدين محمود بن زنكي ( 549 –569هـ / 1154 – 1173 م ) ،
وانتشرت التحصينات الدفاعية والعسكرية بدمشق ، وبنى بها العديد من القلاع
والحصون والأبراج والبوابات والمساجد ، حيث رغب الزنكيون والأيوبيون ( 549
– 658هـ / 1154 – 1258 م )في إثراء الحركة العمرانية بها ، فبنيت المدارس
والخانات والحمامات والبيمارستانات والقلاع والأسواق .
وقد افتتن الجغرافيون والمؤرخون المسلمون والرحالة
الأجانب بالحالة العمرانية للمنشآت الكثيرة بالشام ، وكان منهم البدري
المصري ( نزهة الأيام في محاسن الشام ) الذي أورد ذكر لقلعة دمشق ومسجدها
وحمامها ودار سك النقود وغيرها ، كما شهدت الصالحية والمناطق المتاخمة لها
من الشرق وباقي الأراضي السورية انطلاق صلاح الدين الأيوبي في دفاعه عن
الشام والأراضي المقدسة ضد الصلبيين ، وقد كتب الله النصر لجنوده في موقعة
حطين العظيمة سنة583 هـ / 1187 م ودحرت جيوش الظلم والاستبداد .
وشهدت دمشق ازدهارا كبيرا في كافة النواحي الاقتصادية
والاجتماعية والعمرانية في العصر المملوكي بشقية البحري والجركسي ( 784 –
923 هـ / 1382 – 1517 م ) ، وصارت دمشق وبقية بلاد الشام ومصر ولاية
عثمانية بعد هزيمة المماليك في موقعة مرج دابق في سنة 922هـ / 1517م .
هذا وتضم الأراضي السورية حاليا اكثر من ثلاثين موقعا
حضاريا يضم مئات من مواقع الآثار القديمة المتنوعة و منها المعابد والقلاع
والحصون والمدارس والأديرة والكنائس القديمة ، والسدود وغيرها وذلك في
تناغم معماري وفني كبيرين ، ونقوم بعرض بعض اللوحات الفوتوغرافية لنماذج من
الذاكرة الحضارية لسورية ، نتبع فيها التسلسل التاريخي والحضاري لسورية ،
ونبدأ بعمارة المعابد ويلي ذلك الأديرة والكنائس والمساجد والقلاع والحصون
، وغيرها من المواقع الأثرية في سورية ذات التألق الحضاري .
|