|
وتشير المعطيات الوثائقية إلى حصول مجاعة في ماري، في عهد زمري ليم، مما
دفعه لطلب المساعدة من ملك يمحاض عبر مندوبه في القصر الحلبي، وقد طالب
زمري ليم، بإرسال القمح الحلبي إلى ماري، من قبل ملك حلب ياريم ليم
كما أن ثمة معلومات عن انتقال شحنات من الدقيق عبر إيمار إلى ماري.
وكون أن ماري، كانت
تتميز بغزارة القطعان من الماشية، فقد اعتمدت على ذلك، في صنع الألبسة
وبكميات كبيرة، وقيامها بالمبادلات التجارية بذلك وكان التجار يأتون إليها
ليحصلوا على الإنتاج الصناعي كالملابس والبرونز والأسلحة.
" حيث كانت قطعان الماشية تنتقل من
إيمار وعبر مملكة ماري إلى يمحاض، أو يتم نقلها فقط إلى ماري كمبادلات
تجارية "
فإذن يمكننا مقاربة العامل التجاري
وطيفه في مملكة ماري وفق ثلاث دوائر:
الأولى: هي التجارة بين مملكة ماري
وممالك المشرق العربي الأخرى المعاصرة لها.
الثانية: هي التجارة في مملكة ماري،
بمعنى تجارتها الداخلية.
الثالثة: وهي تجارة المملكة مع مدن ما
وراء المشرق العربي، شرقاً أو غرباً، كما جنوباً أو شمالاً.
كذلك، يرتبط مع كل هذا وفي موازاة
المبادلات التجارية، عامل آخر يختص بعائدات المرور للقوافل التجارية،
البرية والنهرية، والتي حققت منها ماري أرباحاً خيالية، وهذا مع ما نطلق
عليه اصطلاح " الجمارك " على البضائع والسلع العابرة.
الجدير ذكره أن القصر الملكي في ماري،
كان مركزاً لكل الفاعليات التجارية للمملكة.
تجارة ماري مع ممالك المشرق العربي المعاصرة لها:
لا تنفصل الحياة التجارية وأنشطتها
بشكل عام عن الواقع السياسي الذي كان قائماً آنذاك ومع مطلع الألف الثاني
قبل الميلاد، لذا فإن العلاقات التجارية بين ممالك المشرق كانت في وجهها
الآخر، تعبيراً عن العلاقات السياسية فيما بينها، وعلى هذا نتوقع علاقات
تجارية قوية لمملكة ماري مع ممالك يمحاض، وقطنة وبابل، وحاصور وأوغاريت /
التي لم تكتمل فاعليتها التاريخية بعد / وكذلك مع إيمار التي كانت تدور في
فلك فاعلية يمحاض، ومع مملكة كركميش أيضاً وجبيل.
كما تنبغي الإشارة إلى أن نمط العلاقات
الاقتصادية ـ التجارية، في الألف الثاني بين الممالك في المشرق العربي،
يمنح دليلاً كافياً على طبيعة دورة الحياة الاقتصادية في شقها التجاري بين
مختلف الممالك آنذاك.
بحيث أن دورة الحياة الاقتصادية
الواحدة، كان يمكن أن تُشكّل دفعاً باتجاه نوع من التوحيد السياسي بين
الممالك، غير أن غلبة المصالح المدينية أو " الممالكية " على الوعي
الاتحادي الأشمل، هو الذي كان يحكم نسق دورة الحياة الاقتصادية. فكما
أسلفنا كان ثمة حالة تحالفية بين ممالك بابل ويمحاض وماري، أساسها التقاء
المصالح بينهم، والوقوف في وجه تحالف أشنونا وعيلام. ونلحظ أنه في غياب هذا
التحالف الأخير، فإن طبيعة العلاقات بين هذه الممالك تعود إلى اعتيادها
الطبيعي وايقاعها المستمر وفق المصالح المدينية.
وعلى هذا لا نستغرب ذاك الصراع الخفي
بين مملكة ماري ويمحاض على احتواء إيمار، لا بل وسعّي توتول إلى الانضمام
لفاعلية يمحاض. في دليل على غياب الوعي الاتحادي الأشمل.
ثم سوف نذكر، أن دمار فاعلية مملكة
ماري وإنهاء وجودها، كانت نتيجة لتضارب المصالح الاقتصادية ـ التجارية، بين
مملكة بابل وبينها، ما حتمَّ ضرورة تدميرها لتعيش الفاعلية البابلية.
رغم أن كل هذا حصل في وقت كان الوشاح
العموري يطغى على جميع الممالك، لا بل إن القرابة الدموية محققة، إن كان
بين سلالة يمحاض مع سلالة ماري أو سلالة شمشي أدد الأشوري العموري والذي
تعتبر ترقا مسقط رأسه.
ومع هذا فإن دورة الحياة الاقتصادية ـ
التجارية المستندة إلى العامل الاجتماعي والروحي، والديمغرافي أيضاً، تتيح
لنا فهم إيقاع الحركة والمبادلات التجارية بين ممالك المشرق العربي، وكأنها
تتناغم وفق ناظم واحد، عنيتُ الناظم المديني والمصلحي لكل مملكة.
وعبر كل هذا فإن ماري شكّلت وفق موقعها
الاستراتيجي والمحوري دوراً هاماً في العالم التجاري آنذاك، مستفيدة من
موقعها ومن نهر الفرات كمعبر مائي لهذا فقد امتازت بدور مزدوج، فهي محطة
لعبور القوافل، أو لتفريغ البضائع ثم إعادة شحنها إلى مدن أخرى. / علي أبو
عساف
1991.
/
وهنا تنبغي الإشارة إلى أنه في القرنين
التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد، ازدهرت تجارة القصدير في المشرق
العربي، حيث كان يستخرج من مواقع شمال غرب ايران، ولعبت ماري في القرن
الثامن عشر دوراً أساسياً في تصديره إلى مدن المشرق مثل حلب وكركميش وقطنة
وحاصور، حيث كان يخّزن في مستودعات قصر ماري. أما القصدير العابر في أرض
المملكة فكان يخضع لضريبة عبور، حيث يذكر أحد النصوص ضريبة عبور "
5
مينات ونصف من القصدير ضريبة "
ARM
VII 233:19
ويبدو أن ماري لعبت دوراً مهماً في تجارة القصدير آنذاك، بين الجناح
الرافدي والجناح الشامي الممتد من كركميش شمالاً وحتى شمال فلسطين جنوباً،
كما وعبر أوغاريت إلى عالم البحر الايجي ولا سيما كريت وقبرص.
المبادلات التجارية بين مملكة ماري ومملكة يمحاض:
منذ أن ساهمت يمحاض في إعادة زمري ليم
إلى عرش ماري، دخلتْ المملكتان في علاقة تحالفية متينة أساسها المصالح
المشتركة. كما ساهم الزواج السياسي بين العائلتين الحاكمتين في تمتين هذه
العلاقات.
وبالإشارة إلى مملكة يمحاض في تلك
الفترة حيث كانت تسيطر على طرق التجارة الدولية بين الجناح الشرقي للمشرق
العربي، والأناضول وشمال سورية ومصر، وهذا الممر تسميه المراجع التاريخية
بالممر السوري العظيم.
وهذه السيطرة لم تأتِ من فراغ، ولعل
ممكنات البيئة الطبيعية لهذه المملكة، بالإضافة إلى عدم دخولها في صرعات
وحروب تنهكها / كما كان الوضع مع إبلا /، ساهمت في استقرار ازدهارها وقوتها
على مدى العصور.
والمعلوم أن يمحاض / حلب كانت منطقة
زراعية تنتج الزيوت والنبيذ وغيرها .. وتصدر القمح والزيت والخمور والألبسة
المتقنة النوع والصنع. كما ساهمت في تجارة الأخشاب والأحجار الكريمة.
وكان من مصلحتها التجارية والاقتصادية
القصوى، أن تكون علاقتها بماري تلك الواقعة على الفرات الأوسط، وهمزة
الاتصال بين جناحي المشرق العربي، جيدة، بل وتحالفية أيضاً.
لذا فإن المعطيات الأثرية والتاريخية،
تشير إلى أن ماري كانت الوسيط الأهم ليمحاض في علاقاتها مع مدن الجناح
الشرقي للمشرق، كما أن لماري مصلحة تجارية مع يمحاض في علاقتها مع مدن
الساحل السوري/ أوغاريت /. وقد كان النبيذ يأتي إلى ماري من يمحاض، كما
السمسم الحلبي، وبالإضافة إلى السمسم القادم من مدن فلسطين عن طريق يمحاض
ثم عبر الفرات إلى ماري.
كما أن النحاس كان ينتقل من الأناضول
عبر يمحاض إلى ماري.
الجدير ذكره هنا، هو وجود ممثل لملك
ماري زمري ليم في حلب يدعى نورسن، حيث كان مسؤولاً عن تأمين مادة الزيت
لملك ماري.
وفي الاتجاه المعاكس، كانت ماري محطة
تصدير القصدير القادم إليها من عيلام وايران باتجاه يمحاض وكركميش وأوغاريت.
واستوردت من يمحاض أيضاً العسل والصوف
والأواني والزيوت والقمح والحليّ والأواني المعدنية والحبوب بشكل عام.
وكان النبيذ الحلبي يعتبر من الهدايا
التي يفتخر بها ملك ماري، وكان سعره أغلى عشر مرات من سعر القمح وأقل مرتين
من سعر الزيت.
كما وتذكر وثائق ماري أن سكانها كانت
لهم قوافل لنقل القصدير / من كبادوكيا الآشورية / حيث كانت قيمة القصدير
1
/
10 من الفضة، وكان يباع في يمحاض
وغيرها، ويشترون بما ربحوه، النبيذ.
وفي نص ماري
ARM
VII 86، نقرأ عن إرسال خمسين مينة /
25
كغ / من القصدير إلى ملك حلب ياريم ليم، وكذلك إرسال عشر مينات /
5 كغ / إلى رجلين هما / أبي ـ
أدو، يابجور ـ أدو / مناصفة.
كما ثمة وثيقة أخرى تتحدث عن إرسال
وزنة /
BILTU
/ وثلاث وخمسين مينة وثلثي المينة /
56 كغ / إلى مدينتي يمحاض وقطنة.
كما ثمة قصدير مرسل إلى يمحاض /
10
كغ / و /
9 / كغ.
الجدير ذكره أنه في ماري أناس متخصصون
في تجارة القصدير، ويبدو أن ثمة احترافاً لديهم في هذا الأمر،
وقد أوردت نصوص ماري أسماء لبعض هؤلاء
ومنهم: نانا ـ مانسي، أخوشينا، ماهنوب ـ إل.
وتذكر إحدى الوثائق من ماري
A.16،
وهي عبارة عن رسالة أرسلها شخص يدعى " مبتو " يمكن أن يكون مسؤولاً في
منطقة قرب أشنونا يخبر فيها ملك ماري عن إرسال قافلة من القصدير"/
29 حماراً،
44 متاجراً بالبرونز / يحملون
القصدير وصلوا هنا من أشنونا، سيّرتهم إلى سيدي".
ومن مراسلات القصر حول المواد
المستوردة نقرأ مثلاً: ـ رسالة من أحد موظفي ماري إلى سيده يسمع أدد / حين
كانت ماري تحت فاعلية آشور /:
" بالنسبة لزيت تونيب، الذي ذكره سيدي،
لا يوجد أي زيت تونيبي في حوزتي. وهكذا لا أستطيع إرسال أي شيء. ولكن حالما
سمعت ذلك كتبت إلى حلب بسرعة، فإذا أرسلوا إليّ بشيء، فسوف أرسله إلى
سيدي". /
ARM
. V 63
/.
ويحتفظ الزيت بأهميته في الحضارة
السورية، فهو المستخدم في الطقوس الاعتقادية كما في الإضاءة والطعام،
والمآتم وأعمال وشؤون الدهن والتداوي به، كما كانت الزيوت تدخل في صناعة
العطور التي برعت فيها مدينة ماري. وقد حوت مستودعات القصر الملكي على
الزيوت وبكميات كبيرة، وقد تم احصاء حوالي
11
نوعاً من الزيوت، مستخدماً في ماري
ARM
VII P. 176 – 184 يمكننا تحديدها كما يلي:
زيت الزيتون، الزيت الممتاز، حيث كان
يتألف من زيوت عديدة من الآس والقدور واللبان والدهن المعطر المصفى. زيت
الزعفران، زيت السرو، زيت تامريروم
TAMRIRUM،
زيت الأرز (زيت البلح )، زيت اللبان / علم الدين أبو عاصي.2002
/.
وكان لزمري ليم اهتمام خاص بعالم
الزيوت والعطور.
أما عن طريق التجارة بين حلب وماري /
الذاهب والراجع /، فإن المعطيات تشير إلى وجود كلا وسيلتي النقل، البريّ
والنهري. فقد كانت قوافل الحمير تنقل البضائع من حلب إلى إيمار، ثم من مرفأ
إيمار عبر السفن إلى ماري.
وفي معرض إشارته إلى الطريق التجاري
الدولي للمواد الأولية، يشير الدكتور فيصل عبد الله إلى اتجاه آراء بعض
الباحثين على أن هذا الطريق في فترة زمري ليم وحمورابي، كان يبدأ من الصين
وأفغانستان وينتهي في حلب والآلاخ، حيث يتابع إلى بحر إيجه والأناضول.
ويشير إلى أن أهم تلك الموارد على الإطلاق هو القصدير.
وتنبغي الإشارة أيضاً إلى أن يمحاض
وكونها كانت تُشكل وسيطاً بين ماري وأوغاريت، فإن البضائع التي كانت تصدر
أو تستورد عبر أوغاريت مع قبرص وكريت، كانت تمرّ إلى حلب ثم إلى ماري أو من
ماري إلى حلب فأوغاريت فالعالم الإيجي.
أيضاً تشير المعطيات إلى وجود أشخاص
يعملون لخدمة قصر ماري في مدن متعددة، فأحد الأشخاص مثلاً وكان يمحاضياً /
حلبياً، كان يعمل لصالح ماري كخبير في الخشب كما يقوم بتثبيت ألواح الأرز
المستوردة من كركميش.
ARM. VIII. 242.
ومن طرائف الوثائق في العلاقة بيم ماري
ويمحاض، ثمة رسالة من رجل يدعى لاؤوم حيث يبدو أنه مرسل على رأس قافلة إلى
البلاط الحلبي زمن حكم حمورابي الحلبي، ونتيجة تعّرض بعض أعضاء الوفد إلى
الازعاج والمضايقات يكتب هذا إلى زمري ليم:
" أقول لمولاي، هكذا خادمك لاؤوم،
ذهبنا من أجل وجبة مع حمورابي ودخلنا إلى القصر وقد أعطونا، أنا، زمري ـ
أدو ـ وياريم أدو، ثياباً لنلبسها، ورجال يمحاض الذين ذهبوا معنا أخذوا
ملابس ليرتدوها. وهكذا كل واحد كان يرتدي ملابس من يمحاض. ولكن خدم مولاي،
رسل
SASIKKIM
لم يأخذوا ثياباً، هكذا أتكلم عن سلوكهم إلى سن ـ بيل ـ أبليم قائلاً: "
لماذا تفصلوننا وكأننا لصوص؟ خدم من نحن؟ خدم من هم رسل
SASIKKIM،
كلنا خدم مولاي ".
ARM
II 76.
|