جميع الحقوق محفوظة لا يجوز طبع أو نسخ الموضوعات والصور إلا بإذن خطي من إدارة الموقع.                                                                                 

 
  موقع أرض الحضارات :: الموقع الأول من نوعه في الوطن العربي :: الموقع الذي يتحدث عن الحضارات من أرض الحضارات :: آثار الوطن العربي: تعرف على آثار دول الوطن العربي كافة وضمن المراحل الزمنية المختلفة :: تراجم وأعلام: تستطيع التعرف على مجموعة كبيرة من الأعلام المميزين العرب وغيرهم المشهورين والمغمورين مع سيرتهم وأعمالهم التي جعلت منهم أعلاماً بحق :: التراث العلمي العربي الإسلامي: نحاول من خلال موقع أرض الحضارات التعريف بتراثنا العلمي العربي الإسلامي الذي حفظه لنا الزمن ونسلط الضوء على مواضيع جديدة تبرز القيمة الحضارية لتراثنا الذي وجدناه بحق أعظم تراث :: كتابات ولغات وخطوط: تعرف على الكتابات التصويرية الأولى والمسمارية والأبجديات الأولى مع اللغات المختلفة والخطوط الكثيرة المواكبة لكل لغة ::  العمارة: وهي شاهد حضاري مهم تتعرف من خلاله على المستوى الحضاري الذي بلغته كل مدينة عبر التاريخ :: أندلسيات: تعرف على ذروة الحضارة العربية الإسلامية والمتمثلة في حضارة الأندلس من خلال جوانبها العلمية والفكرية والمعمارية وغيرها من النواحي كافة :: المخطوطات العربية: تعرف على المخطوطات العربية التي حفظت لنا تراثنا الفكري والعلمي والذي استطاع العالم من خلاله الوصول لهذا المستوى العالي من الحضارة العلمية :: دراسات وأبحاث: تعرف على أرض الحضارات أكثر وأكثر من خلال الدراسات والأبحاث المنشورة في الموقع من قبل باحثين وعلماء من مختلف الدول العربية :: حلب عاصمة الثقافة الإسلامية 2006: نواكب معكم هذه الاحتفالية المميزة من خلال الموقع ضمن الفعاليات اليومية لهذا الاحتفال خلال عام 2006 ونرحب بجميع مشاركاتكم التي تغني هذه الاحتفالية بكل ما هو جديد وفريد :: أخبار وفعاليات: تابعوا أخبار الحضارات والفعاليات الثقافية من خلال الموقع :: المتاحف: هي مخازن الحضارات السابقة تعرفوا على هذه المتاحف وما تحتويه من بقايا الشعوب السابقة :: فنون: لكل حضارة فن خاص ومميزات فريدة نسلط عليها الضوء لنتعرف على معتقدات وأفكار كل شعب وحضارة :: التراث الإنساني: هو مجال واسع للتعرف على تراث الإنسانية من مختلف البلاد والشعوب والحضارات لنقترب أكثر ولنجعل ذلك تواصلاً للأفكار :: شعوب وحضارات:  هو مجال واسع للتعرف على حضارات الإنسانية من مختلف البلاد والشعوب والحضارات لنقترب أكثر ولنجعل ذلك تواصلاً للحضارات :: مكتبات ومؤسسات: نتعرف على الكثير من مكتبات البلاد المختلفة وتستطيعون التعرف على مكتبة أرض الحضارات وتستفيدون منها ونتعرف أيضاً على مؤسسات تعنى بالآثار والتراث على مدى البلاد ::    
   
   
   
   
   
   
   
   
 

إدارة الموقع

  المشاركات  
 

آثار الوطن العربي

تراجم و أعلام

التراث العلمي

كتابات ولغات وخطوط

العمارة

أندلسيات

المخطوطات العربية

دراسات و أبحاث

    

      كانت بابل والمدن الرئيسية الأقدم منها في الجنوب تقع في مناطق رسوبية بعيدة عن أي مصدر مناسب لحجر البناء، وحتى في بلاد آشور اكتفي عموماً باستعمال الحجر في الواجهات الزخرفية وأحياناً في جوانب الأرصفة حيث كان مفضلاً في مكافحة التآكل بتأثير المياه، وشيد كل ما عدا ذلك من قصور الملوك، ومعابد الآلهة بالآجر الطيني الرخيص والموجود في كل مكان، ويمكن أن يشوى الآجر، وكان ذلك طبيعياً غالباً لبعض الأغراض وإن كان الوقود باهظ الثمن، ورغم أن نبوخذ نصر ملك بابل كان يأمل بضمان الخلود لمبانيه باستعمال كميه هائلة من الآجر المفخور المعد لتحصيناته وقصوره إلا أن نوعية آجره الممتازة لم تحقق غرضه لأن الآجر خدم أجيالاً متعاقبة إذ ستعمل بصفته أفضل مادة بناء في البلاد.

      إن للآجر البسيط مزايا معينة إضافة إلى رخص ثمنه إذ أنه متعدد الاستعمالات، ويمكن أن يشكل أو يعاد تكوينه ليلائم حاجة معينة كما أنه عازل قوي إذ تحافظ الجدران المشيدة بالآجر الطيني والسقف المبني بالطين والقصب على صدر حرارة الصيف والبرد القارص في الشتاء، وهذا مهم في مناخ بلاد الرافدين، وبسبب درجات الحرارة المتطرفة، والعواصف المطرية المدمرة سرعان ما يبدأ هيكل الدار المشيدة بالآجر الطيني بالتصدع وحتى إذا أعيد تبيض الدار بعناية كل عام غالباً ما يعاد تشييد المبنى الطيني عدة مرات، ولا يكلف إعداد مواد البناء الجديدة كثيراً بحيث أن الجدران القديمة تهدم وتصبح قاعدة بيت جديد أو تنتقل العائلة إلى مكان آخر في القرية وتترك البيت المهجور إلى رحمة عوامل الطبيعة، وفي كلتا الحالتين فإن كل بيت جديد يكون إضافة جديدة إلى تراكم طبقات سكن متعاقبة، وهكذا تصبح المستوطنة تلاً يحدد حجمه بامتداد السكن وقدمه.

حلب عاصمة الثقافة

أخبار و فعاليات

المتاحف

فنون

التراث الإنساني

شعوب وحضارات

مكتبات ومؤسسات

قاموس المعلومات

شخصية الأسبوع

المراسلون

خدمات مجانية

English

 

 

مدن الكتاب المقدس:

      عندما بدأ الأوروبيون أول مرة يخمنون المواقع المحتملة للمدن الكبيرة المذكورة في الكتاب المقدس مثل نينوى وبابل كان محتماً أن يتحول اهتمامهم أولاً إلى الأبراج الضخمة المشيدة بالآجر التي كانت ما تزال تشاهد في منطقة بغداد وكانت تثير الاهتمام أكثر جداً من التلال الواطئة التي تنتشر فيها المصنوعات الفخارية،والتي لم يكن أحدها يبدو مختلفاً عن الآخر، وقد علق على برجين خاصة أحدهما زقورة عقرقوف القريبة من بغداد، وتميزت بارتفاعها، وإن تمييز البرج الآخر واسمه بيرس بوجود كتل غير عادية من الآجر المزجج حول أسفل البرج، وكان شاهداً على استعمال حرارة هائلة القوة يصعب تفسيرها إلى اليوم، ولا عجب أن هذا البرج الضخم " يمل البرج المائل الذي ناشد إلحاق الانتقام الإلهي ودمرته نيران السماء وفق أحد المأثورات العالمية " أو بعبارة أخرى برج بابل.

      كانت توجد أسباب مقنعة لارتكاب هذا الخطأ إذ باستثناء الكتاب المقدس نفسه لم تكن المصادر المتيسرة للباحثين في أوائل القرن التاسع عشر سوى إشارات في كتابات المؤرخين الإغريق مثل هيرودوت وسترابو وديودورس سيكولس، ورغم أنهم يصفون بابل كل بطريقته فإن دقة أوصافهم المختلفة ولا سيما الأبعاد المنسوبة إلى العاصمة العظيمة أدت إلى عدد كبير من التفسيرات، وهكذا فإن محباً إنجليزياً للفنون واسمه ج.س بكنغهام زار خرائب بابل عام / 1816م / استطاع أن يورد حججاً قوية ليظهر أن البرج في بيرس نمرود       

( العائد لمعبد نابو في بورسيبار ) كان حقاً " برج بيلوس " الذي وصفه الكتاب الكلاسيكيون.

      إن المدينة القديمة امتدت ليس من ذلك البرج إلى التلال الكبيرة التي تعود لبابل أي إلى مسافة /10 أميال / بل كذلك  لمسافة مساوية أبعد منها إلى زقورة الأحيمر التي عدت أحد الأبراج الشرقية لسور التحصين الضخم، وهو سور ذكر هيرودوت أن طوله / 120فرلنغاً / ( الفرلنغ = 1/8 الميل ) من كل جانب وله مجال في قمته يتسع لعربة تجرها أربعة خيول، وفي الواقع أن الأحيمر الآن أنه جزء من مدينة كيش المنفصلة تماماً والأقدم من بابل.

      لقد حذا بكنغهام في ملاحظاته حذو مضيفه في بغداد كلوديوس ريتش الذي كان ممثل شركة الهند الشرقية المقيم في بغداد، وهو منصب كان يتولاه منذ / 9 أعوام / أي منذ تعيينه عام / 1807م / في سن الحادية والعشرين، وفي حين أنه اشتهر هناك بإتقانه لغات الشرق الأدنى وصلاته القوية بالسلطات المحلية فإنه عني عناية شديدة بآثار البلاد، وإضافة إلى اقتناء مجموعة جيدة من المخطوطات الشرقية والقطع الأثرية الأقدم منها استطاع تكريس جهد واسع لفحص خرائب بابل، وفاقت " مذكراته " في الدقة والشمول أي أوصاف سابقة للموقع، وتظهر ملاحظات ريتش عن الموقع الحذر الذي يتسم به ذو الخبرة، وهو ما لم يكن يتصف به القائم بزيارة عرضية أو الباحث النظري، وهكذا لم يخدع مثل بكنغهام بالتشابه الذي لا يمكن إنكاره بين زقورة بيرس نمرود ومعبد بيل كما وصفه المؤلفون الإغريق، وقد كتب بدقة أكاديمية " لو كان هذا في الجانب الآخر من النهر وأقرب إلى الخرائب لما شك أحد في كونه بقايا من البرج " كما لم يخطئ ريتش مثل بكنغهام في الاعتقاد بأن ضفاف القنوات الكثيرة القديمة والأقل قدماً، وغير المستعملة والتي تشاهد على الطريق من بابل إلى الأحيمر كانت " صفوفاً من البيوت والشوارع المهدمة ".

      زار ريتش أيضاً شمالي العراق عام / 1820م / ووصف خرائب نينوى ونمرود باهتمام متساوي، ورغم أنه توفي في سن مبكرة بالكوليرا في شيراز إلا أن نشر كتاباته جعل العالم يدرك أن هذه التلال المهجورة تخفي حتماً عواصم الإمبراطوريتين بابل وآشور، بيد أن الإدراك كان بطيئاً، وأرسل بول إميل بوتا إلى الموصل قنصلاً فرنسياً عام / 1843م / في مهمة محددة هي فحص الإمبراطورية الآشورية، وقد شرع بوتا بعمله في تل قوينجق مقابل الموصل، وإن لم يجد سوى القليل مما كان يتوقعه، ولكن لحسن حظه أن السكان المحليين لفتوا انتباهه إلى أن تل مماثل في خورسباد على بعد زهاء / 14 ميلاً / شمال شرق الموصل حيث كانت تستخرج الحجارة من حين إلى آخر، وهناك ومن أول ضربة فأس كشفت الأرض عن غرفة فوق غرفة صفت فيها ألواح منحوتة نحتاً متقناً تعود للملك الآشوري سرجون واستطاع بوتا أن يقدم تقريراً متسماً بالحماس إلى من كانوا يدعمونه في الأكاديمية الفرنسية، وقد كان ردهم نموذجياً فقد أرسلوا فنان لرسم المنحوتات المكتشفة حديثاً، واتخذت الترتيبات اللازمة فأصدرت السلطات العثمانية فرماناً يسمح بمواصلة العمل وخصصت الأموال التي مكنت بوتا من مواصلة كشف النقاب عن منطقة القصر الواسعة عام/1845م/.

 

 

لايارد:

      أثار نجاح بوتا اهتمام انجليزي شاب كان قد زار بوتا في قوينجق عام / 1843م / وشاطره حماسه، كان أوستن هنري لايارد الذي كان عام / 1845م / في سن الثامنة والعشرين يعمل في السفارة البريطانية في القسطنطينية، وكان يتردد على الشرق الأوسط منذ عام / 1840م / عندما افترق في فارس عن رفيق السفر الذي خطط معه أصلاً لرحلة إلى سيلان براً، ثم اشترك في سلسلة مغامرات عادية في عالم القرون الوسطى لرجال القبائل البختيارية على الحدود الفارسية العثمانية، وكان يتردد بين حين وآخر على بو شهر على الخليج العرب أو بغداد، وقي تلك السنوات اطلع لايارد إضافة إلى إتقان التحدث بالغات المحلية على الحياة السياسية في المنطقة، وكان ذلك كله مفيداً لسفير بريطانيا في لدى الباب العالي في القسطنطينية " سيرستراتفورد كاننغ ".

      أرسل لايارد إلى القسطنطينية يحمل توصية من العقيد تيلر المقيم الممثل لشركة الهند الشرقية في بغداد، وبقي في خدمة السفير على نحو غير رسمي حتى عام / 1945م / عندما وصلت أنباء اكتشافات بوتا، ولا بد أن شعوره بالإحباط كان شديداً فقد تكون لديه طموح بالكشف عن التلال الآشورية العظيمة، وكتب إليه بوتا الذي سمح لصديقه لايارد بالإطلاع على رسائله ورسومه، وهي تمر عبر العاصمة العثمانية يحثه على القدوم إلى بلاد مابين النهرين " ولنلهو لهواً أثارياً في خورسباد ".

      أخيراً وافق سيرستراتفورد كاننغ نفسه في خريف عام / 1845م / على دفع مبلغ لإجراء بحث أولي في تل نمرود وإرسال لايارد وكيلاً خاصاً له. لم يكن هذا بحاجة إلى تشجيع، وبعد أن أمضى / 12 يوماً / في رحلته من القسطنطينية إلى الموصل جهز في   

  / 8 تشرين الثاني / طوافة في دجلة ليتوجه إلى نمرود متظاهراً بمرافقة مقيم بريطاني اسمه هنري روس في إحدى رحلات الصيد المعروفة، وقد كانت تلك إحدى الذرائع المختلفة التي فرضت على المنقبين كافة في بلاد الرافدين في القرن الماضي... لم يتوقف المسؤولون العثمانيون عن مراقبة عمليات لايارد وزملائه ومن خلفوه. كما زاد صعوبة الأمر التنافس بين الدول الأوروبية، وقد كتب لايارد نفسه " لم تكن الروح المتنورة والحرة التي أظهرها السيد بوتا هي الروح السائدة لسوء الحظ "، وسرعان ما أصبح واضحاً أن السرية التي أحاطت مهمة لايارد الآثارية الأولى كانت مبررة، وكشف اليوم الأول من التنقيب في قمة تل نمرود عن ألواح جدارية كبيرة تحمل كتابات مسمارية في جزأين مختلفين من التل.

      وبعد مرور أسبوع واحد توجه لايارد إلى الموصل حيث وجد أن الباشا مطلع على أنشطته، ولكن رغم جهود السيد رويه الذي خلف بوتا لم يمنع لايارد من العمل، واستطاع إرسال رجال آخرين للاشتراك في التنقيب، وأخيراً حقق آماله في / 28 تشرين الثاني / حيث عثر في القصر الجنوبي الغربي على ألواح نحتت عليها مشاهد معارك، ونعرف اليوم أن تلك الألواح كانت قد نحتت في عهد آشور ناصر بال الثاني، ونقلت في وقت لاحق من القصر الشمالي الغربي ليعاد استعمالها في قصر جديد شيده أسرحدون، وهكذا عثر لايارد أخيراً على دليل بأن نمرود غنية بالآثار أسوة بما عثر عليه بوتا في خورسباد.

      في الليلة نفسها وصلت أوامر من الباشا بإيقاف عمليات لايارد إلا أن هذا استطاع أن يبرر العملية الأولى التي عهد إليه بتنفيذها، وفي حين واصل بهدوء الكشف عن الألواح فقد صبر في انتظار أخبار اكتشافات جديدة ووصول فرمان من القسطنطينية، وقد وصل هذا الفرمان فعلاً في / أيار 1846م / غير أن المال كان مشكلة أخرى، ويبدو أن كاننغ لم يرغب بالتخلي عن سيطرته الشخصية على العملية بتدبير قيام الحكومة البريطانية بتقديم الأموال اللازمة، ولذا نجد لايارد يكتب إليه يلتمس منه إرسال المال الذي يحتاجه، ولم يحصل من الحكومة على أكثر من ألفي باوند، ورغم أن لايارد بذل قصارى جهده لتحقيق أقصى النتائج من أقل نفقات ممكنة إلا أنه أعرب عن اشمئزازه الشديد من المعاملة التي عومل بها بسبب قلة المبلغ، وأسلوب وثيقة وزارة الخارجية التي كلف بالمهمة بموجبها.

      استمر التنقيب في نمرود بخاصة حيث كان القصران الأصليان يربطان بالقصر المركزي من عهد تجلات بلاصر، وآخرين في الربع الجنوبي الشرقي من التل. استمر العمل طوال عام / 1846م / وإلى صيف / 1847م / عندما أنفق لايارد بقية المبلغ على إجراء تحريات قصيرة في قلعة شرقاط ( آشور ) وقوينجق، وتضمنت شروط المنحة الحكومية البريطانية نقل المنحوتات إلى بريطانيا، وأرسلت في أثناء العمل ثلاث شحنات من أفضل المنحوتات من نمرود عبر نهر دجلة بالطوافة لشحنها إلى انكلترا من البصرة، وفي   

/ أيار 1847م / صمم لايارد على بذل محاولة لشحن أحد الثيران المجنحة الضخمة، وكان بوتا قد أرسل بعض الثيران المجنحة إلى باريس، وإن كان قد نشرها لتسهيل نقلها، ورغم أن وزن تمثال ثور نمرود الذي اختاره لايارد  زاد على / 10 أطنان / إلا أنه أفلح في سحب أحد

 الثيران المجنحة من قصر آشور ناصر بال إلى نهر دجلة، ووضعه مع تمثال أسد على طوافة صنعها لهذا الغرض صناع جيء بهم من بغداد، وعاد لايارد إلى لندن بعد ذلك بفترة قصيرة عن طريق إيطاليا وباريس، وقوبلت نتائج تنقيباته بإطراء شديد، وأكمل في فترة قصيرة كتابه " نينوى وآثارها " الذي حقق له انتصاراً شعبياً استحقه إذ أنه إضافة إلى إظهاره اتقاناً علمياً للخلفية التاريخية فقد وصف مشاكل التنقيب ورحلاته بأسلوب واضح ممتع يؤكد نوعية انجازه في تنفيذ رغبات الحكومة البريطانية في تلك الزاوية من الشرق الأدنى، وبعد صدور الكتاب، وعرض المنحوتات والآثار الأخرى في لندن أصبح واضحاً أن الرأي العام يطالب بإجراء تنقيبات أخرى. وهكذا وفي عام / 1849م / رغم أن قلق لايارد قد جعله يعود إلى القسطنطينية عضواً في لجنة الحدود التركية الفارسية فقد أعيد إلى بلاد آشور مع مبلغ / 3000 باوند / مكنه أخيراً من بحماس مرة أخرى.

      كان لايارد قد أفلح في تحديد مواقع ألواح منحوتة في تل قوينجق وهو تل القصر الرئيس في نينوى نفسه وعاد إلى المكان نفسه، وكذلك إلى مواقع التنقيب القديمة في نمرود، وشرع في الكشف عن الغرف الواحدة بعد الأخرى في القصر الجديد الذي شيده سنحاريب.

      كانت الألواح المنحوتة تختلف عن تلك الألواح التي عثر عليها في نمرود وخورسباد إذ كانت تصور مشاهد الانتصارات الملكية بتفاصيل دقيقة، واجتذب اهتمامه لوح معين على نحو خاص إذ يظهر فيه الملك نفسه جالساً في منطقة جبلية على عرش منحوت والأسرى أمامه، وكان فوق رأس الملك نقوش كتابي استطاع لايارد أن يقرأ معظمه قراءة صحيحة: 

" سنحاريب، ملك بلاد آشور، جلس على عرشه ومرت أمامه أسلاب مدينة لاكيسو " لذا هنا كانت الصورة الفعلية للاستيلاء على مدينة لتشيش، كما نعرف من الكتاب المقدس التي حاصرها سنحاريب عندما أرسل قادته العسكريين لمطالبة الملك حزقيا بدفع الجزية، والتي كان قد استولى عليها قبل عودتهم، وهي دليل بارز يؤكد تفسير الكتابات، ويحدد الملك الذي أمر بنقشها بأنه سنحاريب.

      كان ثمة فرق آخر بين قوينجق وموقعي نمرود وخورسباد. فقد توقف الاستيطان في قوينجق بسقوط الإمبراطورية الآشورية، وكانت النقوش البارزة مدفونة تحت تراكم سميك لاحق، وكانت نتيجة ذلك أن " تراكم التراب على الخرائب أصبح هائلاً تجاوز غالباً ثلاثين قدماً بحيث أن العمال.. بدأوا بحفر أنفاق بجوار الأسوار، وأنزلوا أعمد إسناد أحياناً لتمكين الضوء والهواء من الدخول.. كانت الممرات تحت سطح الأرض ضيقة ودعمت عند الضرورة إما بترك أعمدة من التراب كما في المناجم، أو باستعمال دعامات خشبية، وقد كانت تحف بهذه الدهاليز الطويلة المعتمة بقايا من الفن القديم، ومنها جرار مكسورة تبرز من الجوانب المتهدمة.. " لم يكن ذلك إجراءً آثارياً مقبولاً، ولكن يبدو أن لايارد اضطر إليه بسبب قلة المال لديه، وكانت إحدى نتائج طريقة الحفر هذا ما رواه ساد لايارد الأيمن هرمز رسام عام / 1854م /: " ذات ليلة بينما كنت نائماً في خيمتي على تل قوينجق هبت عاصفة برد ومطر، وشعرت فجأة بأنني أسقط في حفرة مع السرير والخيمة وكل ما كان لدي...ويبدو أن خيمتي كانت قد نصبت فوق أحد الأنفاق الواسعة التي حفرت في زمن تنقيبات السير هنري لايارد والتي لم تعد تشاهد.".

 

 

فك رموز الكتابة المسمارية:

      في أثناء عمليات الحفر هذه في قصر سنحاريب عثر لايارد على ما كان أقل إثارة من المنحوتات إلا أن أهميته كانت أبعد مدى، وكان ذلك مكتبة آشور بانيبال الملكية، وهي مجموعة ألواح طينية كثيرة جداً بحيث أن غرفاً معينة كانت مليئة بها " إلى ارتفاع قدم أو أكثر عن الأرضية..بعضها كاملة إلا أن معظمها مهشم إلى قطع كثيرة ".

      كان لايارد يدرك إدراكاً تاماً أهمية هذا الاكتشاف، وكتب مصيباً " لا يمكن أن نبالغ في قيمتها فهي تزودنا بمواد لفك أسرار الكتابة المسمارية على نحو كامل من أجل استعادة لغة بلاد آشور وتاريخها والبحث في تقاليد شعبها وعلومه، وربما حتى أدبه ".

      كانت الكتابات المسمارية التي وصلت إلى متاحف أوروبا حتى ذلك الحين نصوصاً تاريخية قصيرة أو طويلة على الحجر أو الآجر أو الأسطوانة الطينية أحياناً، وبعد اكتشاف مكتبة قوينجق فإن التنوع الشديد لمحتوياتها جعل لايارد يميز بسهولة قوائم كلمات ومراسيم ملكية ووثائقية قانونية وهلم جرا، وكانت بمثابة مكافئة كبيرة لأي قائم بفك رموز الكتابة المسمارية، ولحسن الحظ صادف أن ذلك الشخص كان موجوداً في تلك اللحظة.

      لم تكن الكتابات الآشورية أول ما وجهت الانتباه إلى الكتابات المسمارية، فقد استعمل ملوك الفرس القدماء نوعاً من الكتابة المسمارية، وكان الرحالة الدانمركي كارستن نيبوهرد قد نشر عام / 1778م / نسخاً ممتازة من الكتابات التي شاهدها في برسيبوليس ومواقع أخرى في فارس، وكان الملوك الفرس قد استعملوا أبجديتين وثلاث لغات، إذ كتبت نسختان بابلية وعيلامية من كتاباتهم بالخط المسماري الأصلي المشتق من الرموز الصورية السومرية الأولى في حين دونت النصوص الفارسية القديمة بخط مسماري أبجدي ابتكر خصيصاً، ولاشك أن الأبجديات الآرامية الواسعة الانتشار آنذاك هي التي أوحت به.

      كانت الفارسية القديمة التي كانت رموزها أقل تأثيراً تمثل بوضوح أفضل الفرص لفك الرموز، وبحلول عام / 1802م / كان عالم ألماني اسمه غروتفيند قد أحرز تقدماً كبيراً في هذا الاتجاه بيد أن اكتشافاته أحيطت بمنافسات أكاديمية تافهة في مدينة غوتنغن الألمانية، وقام الضابط الإنجليزي هـ . س . رولنسن، الذي استفاد من فترة عمله في مدينة كرمنشاه مستشاراً عسكرياً لحاكم كردستان ليزور صخرة بهيستن المجاورة التي تحمل على سطحها الشديد التحدر أطول كتابة معروفة بثلاث لغات، ونجح بين عامي / 1835 و 1837م / في إكمال نسخة من النصين الفارسي والعيلامي، ولكن رغم استعماله الحبائل ووسائل أخرى مساعدة لم يستطع الوصول إلى النص البابلي.

      عمل رولنسن وفق الخطوط نفسها التي اتبعها غروتفيند، وإن لم يكن يعرف ذلك، وفك أولاً أسماء الملوك في الكتابة الفارسية القديمة، وبتطبيق المعلومات التي حصل عليها عن الحروف استطاع عام / 1837م / أن يقدم إلى الجمعية الآسيوية الملكية ترجمة افتتاحية الكتابة.

      كانت الخطوة المهمة فيما يخص بلاد ما بين النهرين هي فك رموز النسخة البابلية، وكان ذلك بحد ذلك مهمة كبيرة أيضاً، أولاً كانت هناك الصعوبة العملية المتمثلة في الحرص على المحافظة على الكتابة المنقوشة من الأيدي المعادية الذي جعل رجال داريوس يفلحون في جعل الجزء البابلي من النص لا يمكن لأحد الوصول إليه حتى رولنسن، وأمكن التغلب على الصعوبة عام / 1847م / عندما كان رولنسن في بغداد مقيماً فيها ممثلاً لشركة الهند الشرقية خلفاً للعقيد تيلوريتش، زار الصخرة مرة أخرى حيث تطوع صبي كردي جريء للقيام بالمحاولة، واستطاع اجتياز الشق بأعجوبة وصنع مقعداً متأرجحاً باستعمال سلم قصير، ومن ثم نقل على الورق بتوجيه رولنسن الترجمة البابلية لما كتبه داريوس.

      لا يمكن أن نتتبع عملية فك رموز الكتابة المسمارية خطوة فخطوة لأن رولنسن نفسه لم تكن لديه فكرة واضحة كما يبدو عن سير تلك العملية، كما أن علماء آخرين لاسيما هنكس كانوا يعملون في فك الرموز في الوقت نفسه، وبمساعدة النص الفارسي القديم عرف معنى النسخة البابلية على نحو تقريبي بيد أن اللغة البابلية على خلاف اللغة الفارسية واللغة البهلوية المشتقة منها كانت لغة مجهولة على نحو تام، وكان نظام الكتابة المسمارية أكثر تعقيداً بكثير من الكتابة الفارسية القديمة الأبجدية البسيطة.

      كانت لعلامات كثيرة عدة معان ٍ مختلفة اختلافاً تاماً، ورغم أن معظمها كان مقطعياً إلا أن بعض الرموز كان يعني كلمات كاملة أو يشير إلى نوع الكلمة التي تليها غير أن رولنسن مضى قدماً في مهمته مستعيناً بمعرفة اللغات السامية التي كانت البابلية قريبة منها، وسرعان ما استطاع أن يعرض على الجمعية الآسيوية الملكية ترجمات الكتابات التي كان مواطنه لايارد يستخرجها في نينوى، وهكذا استطاع لايارد عام / 1853م / أن يقدم كتابه الثاني                    " اكتشافات في خرائب نينوى وبابل " بتعليق قال فيه: " لقد تحقق تقدم كبير في فك رموز الكتابة المسمارية ونحن مدينون في ذلك كثيراً إلى العالمين الإنجليزيين العقيد رولنسن والدكتور هنكس " رغم أنه لا ينسى أن يضيف أنه " يدرك أن عدة علماء فرنسيين بارزين قد أسهموا في نجاح فك رموز الكتابات الآشورية ".

      كما هو الحال في فك أي رموز جديدة فقد استمرت الشكوك ووافقت الجمعية الآسيوية الملكية عام / 1857م / على إجراء اختبار اشترك فيه أربعة علماء، وهم رولنسن، هنكس العالم فوكس تالبوت، والفرنسي اوبير الذين أرسلوا في ظروف مختومة ترجمات الحوليات التاريخية لفترة حكم تجلات بلاصر الأول التي كانت قد اكتشفت في آشور ( قلعة شرقاط ) عام / 1853م /، وكانت النتيجة حاسمة، ورغم وجود اختلافات كثيرة في التفاصيل بين النسخ إلا أنه كان واضحاً أن الكتابات الآشورية قد أفصحت عن أسرارها، وكرس رولنسن وزملاؤه في بريطانيا وخارجها أنفسهم على نحو حماسي لحل المشكلة القائمة ونشر نصوص جديدة.

      كانت مكتبة آشور بانيبال المصدر الأكثر خصباً، وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر ظهر أن تنوع مواضيعها ووثائقها كان أكثر مما تصوره لايارد بحيث أنه بتقدم المعرفة ظهرت صور جديدة لحضارة بلاد مابين النهرين كلها بلهجاتها المتعددة، وعمرها الذي بلغ ثلاثة آلاف سنة من الإبداع الأدبي.

 

 

 

 

النصف الثاني من القرن التاسع عشر ق.م:

      ترك لايارد عالم الآثار إلى السياسة بعد أن أمضى فترة ثانية في بلاد آشور، ثم شهد التنقيب في بلاد ما بين النهرين حالة مؤسفة حيث أوقف التنقيب الواسع في أي موقع معين لإجراء سلسلة حفر تجريبية في مواقع كثيرة، وأظهرت الأدلة من الكتاب المقدس والمصادر الكلاسيكية إضافة إلى زيادة فهم النصوص المسمارية، أن بلاد بابل كانت حتماً بقدر أهمية بلاد آشور، ولذا لابد أن تقود إلى نتائج مثيرة أيضاً، بيد أن أساليب التنقيب لم يعثر المنقبون إلى على طبقة السكن المتأخر أو مباني بسيطة مشيدة بالآجر الطيني التي لم يستطيعوا استخراج معلومات تضاهي ما حصل عليه المنقبون من العواصم الآشورية، وأشرف رولنسن الذي أصبح وكيل المتحف البريطاني في بلاد ما بين النهرين بعد رحيل لايارد على عمليات متنوعة: تنقيب لوفتوس في الوركاء، وعمل تيلر نائب القنصل البريطاني في البصرة، في أور وأريدو والتنقيب بإشرافه في بورسيبا، كما استمر العمل في قوينجق حيث عثر على المنحوتات الرائعة التي صيد الأسود من عهد آشور بانيبال في القصر الجديد بإشراف مساعد لايارد هرمز، كما أدرك الفرنسيون الاحتمالات الكامنة في جنوبي العراق، وأرسلوا بعثة من ثلاثة آثاريين بارزين إلى بابل عام / 1852م / إلا أن استمرار الاضطراب السياسي، وطابع الموقع نفسه غير المبشر بنتائج مهمة لم يساعدا على نجاح مهمة البعثة مما أثبت تعليق لايارد على أساس زيارته لبابل عام / 1851م / بأنه " لن يكون هناك ما يؤمل الحصول عليه من موقع بابل إلا بعد تصويت البرلمان البريطاني على تخصيص مبلغ     

/ 25000 باوند /، وحتى لو أقر البرلمان تخصيص هذا المبلغ فلا أرغب بمهمة تولي إنفاق هذا المبلغ ".

      عندما رحل رولنسن عن بغداد عام / 1855م / توقف النشاط الآثاري المنظم في بلاد الرافدين فعلياً، وصادف أيضاً أن القنصل الفرنسي في الموصل واسمه ﭭكتور بلاس الذي كان قد تولى عمل بوتا في خورسباد بحماسة ومهارة كبيرتين، توقف عن التنقيب الآثاري في بلاد الرافدين في تلك السنة بعد أن فقد الجزء الأكبر من الآثار التي  استخرجها عندما تحطمت الطوافة التي كانت تحملها قرب القرنة، وركز رولنسن طاقاته في نشر الكتابات الموجودة في المتحف البريطاني بمساعدة أشخاص سره في الوقت المناسب أن يعهد إليهم بالجزء الأكبر من عمله، وكان أحدهم جورج سميث مساعد النقاش الذي عين للعمل في المتحف بسب اهتمامه الشديد بالوثائق المسمارية ومهاراته الواضحة في فك رموز النصوص الآشورية، وكان في الحقيقة السبب المباشر لاستئناف المتحف البريطاني التنقيبات في بلاد آشور إذ في أثناء تسجيله العدد الكبير من الألواح المكتشفة في قوينجق اكتشف سميث " نصف لوح مثير للاهتمام يبدو أنه كان يحتوي أصلاً ستة أعمدة.. وعندما قرأت العمود الثالث وجدت أنه يشير إلى أن السفينة استقرت على جبال نيزير ثم وجدت وصف إطلاق الحمامة وعدم عثورها على مكان تقف فيه وعودتها، وتبينت فوراً أنني اكتشفت جزءً في الأقل من مكان الوصف الكلداني للطوفان ".

      أعلنت هذه النتيجة أمام جمعية علم الآثار المتعلق بالكتاب المقدس عام / 1872م /، وأثارت اهتماماً شديداً بحيث عرضت صحيفة Daily Graph  إرسال بعثة إلى قوينجق للبحث عن الجزء المفقود من اللوح، وتقرر أن يقود البعثة جورج سميث نفسه، وفي    

/ أيار 1873م / كان يبحث في الحفر والأكوام القديمة من زكمن لايارد ورسامه، ويكاد المرء يفترض أن السماء تدخلت في نجاحه في مثل تلك الظروف، إذ في اليوم الخامس من العمل وجد سميث في الكسرات المكتشفة حديثاً قطعة بدت مكملة للفجوة الرئيسية في القصة، ونعرف الآن أنها تمثل اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش العظيمة.

      جعلت هذه العملية مسؤولي المتحف البريطاني يدركون أن جزءاًَ كبيراً من مكتبة قوينجق كان لا يزال في الموقع، وأرسل سميث مرتين ليعمل هناك على حساب المتحف، ورغم أنه حقق نجاحاً كبيراً إلا أنه كان غير مطلع على الحياة الشرقية، وواجه نكسات كثيرة كان في وسع لايارد تحملها، وأخيراً سقط صريع مرض أصيب به وهو في طريقه من الموصل إلى حلب في ذروة صيف بلاد ما بين النهرين في حين كان لايارد يفضل اللجوء إلى الجبال في وقت كهذا، ورغم أن المتحف البريطاني قد فقد أبرع عالم مسماريات في عصره إلا أنه شعر أنه يجب مواصلة استخراج الألواح ولجأ إلى هرمز الرسام الذي كان مطلعاً على الظروف المحلية، وصادف اختياره للمهمة وصول لايارد إلى القسطنطينية سفيراً لدى السلطان العثماني، وبفضل نفوذه حصل رسام عام / 1878م / على فرمان لا مثيل له في السخاء منحه الإذن بالتنقيب في أي مكان في الولايات العثمانية حلب، بغداد، والموصل.

      ونتيجة لذلك ورغم أن تعليمات المتحف للرسام كانت " محاولة اكتشاف أكبر عدد ممكن من الألواح من مكتبتي آشور بانيبال وسنحاريب " إلا أنه " كان متحمساً لاكتشاف بعض المواقع القديمة الأخرى وليس اقتصار طاقته على المهام الأصلية ".

      قرر رسام ترك مشرفين مع فريق عمال في قوينجق ونمرود، وبعد عملية صغيرة ناجحة استخرج فيها لوحات نحاسية رائعة منقوشة كانت مثبتة في بوابات قصور شلمناصر و آشور ناصر بال في بلاوات نقب في عدة مواقع أثرية في مختلف أنحاء جنوبي العراق وهي آشور، سيبار، تل الدير، بابل، بورسيبا، كوثا، وتلو. وشرع في رحلة ثانية بالتنقيب في العاصمة الأورارتية على شاطئ بحيرة فان.

      كان العمال في كل موقع يكلفون بالعمل بإشراف مراقب عمل محلي بلا أي اكتراث بالملاحظة أو التسجيل العلميين اللذين اتسمت بهما تقارير لايارد. كما يتفق المرء في الرأي مع هيليريشت في أن الطرق التي اتبعها الرسام كانت " تناقض تناقضاً تاماً المبادئ السلمية كافة للبحث العلمي الصرف "، ورغم أن هدف المعهد البريطاني الأصلي كان تأمين الحصول على بقية مكتبة قوينجق إلا أنه يبدو أن صموئيل بيرتش أمين المتحف قد أيد أسلوب الرسام هرمز في البحث عن الألواح لأنه كان يعتقد أن تلك آخر فرصة لإجراء التنقيبات قبل أن يشل النفوذ الأجنبي العمل الأثري في بلاد ما بين النهرين كله.

      بعد انتهاء أنشطة الرسام طبق مدير المتحف البريطاني الجديد في القسطنطينية قوانين جديدة لم يسمح بموجبها لأي شخص بأن ينقب في أكثر من موقع واحد في الوقت نفسه، وأصبح للسلطات التركية الحق في العثور على الآثار المكتشفة بيد أنه بعد رحيل الرسام وجدت محفوظات كثيرة طريقها إلى متاحف أوروبا وأمريكا، وأصبح واضحاً أن تجار الآثار كانوا قد اتفقوا مع " المراقبين " الذين عينهم الرسام لحراسة المواقع التي نقب فيها، وسواء كان المتحف البريطاني قد أيد أساليب الرسام أو عارضها فإنه لم يكن مسروراً بشراء ألواح من الأسواق بعد استخراجها من مواقع ادعى المتحف حصوله على حق التنقيب فيها، ولمعالجة الموقف أرسل أحد موظفي المتحف البريطاني وهو ايزيست واليس بج عام

/ 1888م / حاملاً تعليمات من رولنسن الذي بقي يولي اهتماماً شديداً بالكتابات " هنالك تسرب ألواح من مواقعنا فإما أن تجد مصدر التسرب وتوقفه أو تضمن حصول المتحف على الآثار المتسربة..المهم هو تأمين الحصول على الألواح إذ لا يمكن أن تقدر الألواح بأي ثمن إذ يمكن تعويض المال أما الألواح فلا يمكن تعويضها، وبعد أن تحصل عليها متاحف الأقطار الأخرى فإنها تفقد إلى الأبد بقدر تعلق الأمر بالمتحف البريطاني ".

      أفح  بج بمهمته، وأعاد إلى إنكلترا كميات كبيرة من الألواح لاسيما من سيبار وتل الدير في مرتين متتاليتين، وبعد أن قام بمناورات مريبة ليتجنب السلطات الجمركية التركية.

      وهكذا انتهت هذه المرحلة، وأصبحت دوافع الأوروبيين العاملين في بلاد الرافدين في الأقل إن لم تكن طرقهم علمية في جوهرها، وليست الحصول على الآثار.

 

 

 

بدايات التنقيب في المواقع السومرية:

      رغم أن لوفتوس و تيلر كانا قد نقبا في المدن السومرية أوروك، أور، وأريدو في العقد السادس في القرن التاسع عشر إلا أن الفترة كانت قصيرة، ولم تكن النتائج بارزة علمياً بحيث تحول اهتمام الناس عن القصور الآشورية الكبرى. كما لم تشجع الظروف في المنطقة منقبين آخرين على العمل.

      كانت الصحراء أو المستنقعات تفصل معظم المواقع السومرية المهمة عن طريق القوافل الرئيسية، وكان سكان تلك المناطق يميلون إلى التمرد، ونادراً ما كانوا يعترفون بالسلطات العثمانية، ولم تجتذب المواقع الجنوبية المخربة اهتمام العلماء للبحث في أصولها، وتحدي مخاطر المنطقة إلا بعد أن أظهرت دراسة الوثائق المسمارية أن حضارة جنوبي البلاد أقدم، وأشارت إلى وجود لغة قديمة غريبة غير سامية ( تعرف الآن باللغة السومرية ).

      كما كان الحال في التنقيب في المواقع الآشورية فقد كان الفرنسيون سباقين في حقل التنقيب في المواقع السومرية، وسعى نائب القنصل الفرنسي في البصرة ايرنست دوسارزيك إلى عمل مفيد يشغله في وقت فراغه، واختار العمل في البحث الأثري، وسرعان ما توجه إلى تلال تلو الكبيرة حيث كانت قد اكتشفت ألواح وتماثيل.

      وبعد أن أحرز ثقة الشيخ ناصر زعيم عرب المنتفق الذي كان في ذلك الحين  عام /1877م / يحكم المنطقة مستقلاً عن استانبول استقلالاً فعلياً شرع في التنقيب، وكان واضحاً من البداية أنه يعمل في موقع لم يسبقه إليه أحد، وفي الأعوام / 1877 إلى 1881م / استخرج مجموعة جيدة من الآثار القديمة من العصر السومري، وبخاصة ما لا يقل عن تسعة تماثل ممتازة من الصخر الناري لحكام لاجاش ( لجش )، ولا سيما ( جوديا )، وشحنها إلى باريس، وكانت الحماسة التي أثارها شديدة بحيث انتخب دوسارزيك نفسه عضواً في معهد فرنسا، وأقتنى المجموعة متحف اللوﭭر إذ افتتح قسم شرقي جديد بإدارة ليون هوزي، وسرعان ما شرع مع المنقب في تأليف كتاب بعنوان " اكتشافات في كلداه " نشرت فيه نتائج التنقيب على نحو منسق، وهو حدث نادر في وقت كانت المتاحف تبدو مكتفية بوضع مقتنياتها في زوايا مرتبة للأجيال اللاحقة.

      رقي دو سارزيك إلى منصب قنصل فرنسا في بغداد، وعاد إلى تلو عام / 1888م / حاملاً فرماناً رسمياً، واستطاع مواصلة التنقيب حتى توفي عام / 1901م /، وخلفه دو كرو ثم جينو يلاك و بارو في الثلاثينيات.

      كوفئ دو سارزيك باكتشاف آثار مهمة تعود إلى سلالة لاجاش التي سبقت حكم سرجون، وما تزال إلى اليوم المصدر الرئيس لمعلوماتنا عن حضارة سومر القديمة، وفي المواسم اللاحقة، ورغم أن الإطار الرئيس أصبح ثابتاً أضيفت تفاصيل مهمة إلى الصورة لاسيما بفضل تعاون عالم السومريات الفرنسي البارز فرانسوا ثورو – دانجن الذي جعل الوثائق التاريخية والاقتصادية الصعبة من تلو تلقي الضوء ساطعاً على تلك الحقبة القديمة في تاريخ بلاد ما بين النهرين.

 

 

 

 

المساهمة الأمريكية الأولى:

      كان طبيعياً أن تتولى الكليات والجامعات الأمريكية الاكتشافات الجديدة باهتمام شديد إذ أنها تعنى بدراسات الكتاب المقدس، وكانت أول علامة على الرغبة في الاشتراك في إعادة اكتشاف عالم بلاد ما بين النهرين،حيث أرسل المعهد الأثري الأمريكي بعثة عام / 1884م / مولت بأموال خاصة، وتأثرت تأثراً واضحاً بنجاحات دو سارزيك الحديثة في تلو، وقد ركزت البعثة اهتمامها في المواقع الجنوبية الرئيسية، وكانت لهذه البعثة نتيجة غير مباشرة تمثلت في خطة طموحة للتنقيب في مدينة نفر وضعتها جامعة بنسلفينيا عام / 1888م /، ولسوء الحظ أفسدت هذه العملية من البداية الاختلافات الشخصية المريرة، لاسيما بين   

هـ . هيلبريشت أستاذ علم الآشوريات الألماني المولد، والمديرين الحقليين ج . بيترز أستاذ اللغة العبرية و ج . هـ . هينز.

      رغم وضع خطط دقيقة، كانت بداية البعثة سيئة وازدادا سوءً إذ لم تكن الأموال كافية، وازدادت صعوبة إيجاد أشخاص مناسبين، وكان الوضع الحالي في منطقة نفر غير جيد إضافة إلى مشاكل التعامل مع أفراد العشائر.. وانتهت الحملة الأولى نهاية مضطربة بعد إطلاق النار على لص سطا ليلاً، وأحرق مخيم البعثة ونهب، ولكن تحققت اكتشافات مهمة في ذلك الموسم والمواسم اللاحقة، وبخاصة العثور على الجزء الرئيس من الأدب السومري المعروف حالياً، ولكن خلافاً لتلو فإن موقع نفر تغطيه طبقة سميكة تمثل العصور اللاحقة الأقل أهمية، وكان هيلبريشت مصيباً عندما شكا من قلة المساعدين المدربين للعمل مع هينز الذي أمضى ثلاثة أعوام وحده " قرب مستنقعات عفج التي تكثر فيها الحشرات، وحيث درجة الحرارة في الظل ترتفع إلى / 120 درجة فهرنهايت /، والعواصف الرملية الخانقة الآتية من الصحراء كانت كثيراً ما تحرق جلد الإنسان، وكأن حرارة فرن تصدر عنها ".

      تضفي التنقيبات في نفر وتلو روحاً جديدة من البحث العلمي تتناقض تناقضاً واضحاً أنشطة المعهد البريطاني، أما من النواحي الأخرى فلا بد من الاعتراف أن تلك العمليات تعود إلى القرن التاسع عشر، وفشلت طموحات البعثة الأمريكية في مضاهاة انجازاتها في حين لم تكن تنقيبات دو سارزيك متقنة من النواحي الفنية، وإن كانت تثير الإعجاب بسبب وحدة الهدف الذي وضعه مع أنصاره في باريس في التنقيب في موقع واحد.

      لم يكن عماله غير المدربين قادرين على تمييز الجدران المشيدة بالآجر الطيني بحيث فقدت المخططات التي لا تقدر بثمن لعدة بنايات سومرية مهمة، وإن يمكن تتبع وجودها من ودائع الأسس وأدلة أكيدة أخرى، ويضاف إلى لك فشل دو سارزيك في تعيين حراس في الموقع في فترات غيابه المتعددة مما أدى إلى نتائج فاجعة إذ ظهرت في فترة عمله هناك ألواح مسمارية من تلو في أسواق الآثار أكثر مما عثر عليه في التنقيبات، وإن بلغ عدد الألواح في المجموعة الثانية أكثر من ثلاثين ألفاً.

 

 

 

 

   
     

 اكتشاف بلاد الرافدين القديمة

 

    عندما بدأ العالم الغربي أول مرة يتساءل عن أراضي بلاد آشور وبلاد بابل القديمة التي كان يعرف أنها بين النهرين العظيمين المذكورين في الكتاب المقدس " دجلة والفرات "، كان الانطباع الأول هو أنها مقفرة رغم أن الأرض نفسها كانت خصبة وقادرة آنذاك على قيام زراعة مركزة وعلى كثافة السكان كما كانت الحال في العصور القديمة، وقد عبر عدة كتاب عن هذا الانطباع منهم " لايارد " و " تومبسون ".

      في حين أن الخرائب التي كانت في الأزمنة القديمة مدناً سومرية مزدهرة مثل أور والوركاء تحيط بها الأراضي الملحية والرمال بسبب تغيير مجاري الأنهار، وتتصف بطابع كثيب لا ينسجم حتى والتلال الآشورية الضخمة التي تنمو عليها الحشائش، إذ أن المواقع الأثرية في شمالي البلاد وجنوبها متشابهة حيث أنها على حد سواء نتيجة تراكم الآجر غير المفخور الملازم لبلاد الرافدين.