نال الدكتور محمد
هشام النعسان درجة الدكتوراه في التراث العلمي العربي في جامعة حلب، وهو الآن رئيس
قسم تاريخ العلوم التطبيقية والآثار في معهد التراث العلمي العربي
ووكيله للشؤون العلمية سابقاً، والأمين العام المساعد في اتحاد
الجمعيات العربية لتاريخ العلوم، ورئيس مكتب الثقافة والإعلام
في جامعة حلب وأستاذ الدراسات العليا في معهد التراث العلمي
العربي، وهو عضو في العديد من الجمعيات واللجان كجمعية الآثاريين العرب، والجمعية العالمية للتراث الإسلامي، وقد أشرف
على عدة رسائل ماجستير ودكتوراه وشارك في تحكيم الكثير منها،
وهو مؤسس أول دورة لتحقيق المخطوطات في سورية. وله مشاركات في
أكثر من /48/ مؤتمر عربي ودولي، ومشاركات في بعض البرامج التلفازية، وطبع له /18/ كتاب ما بين تحقيق وتأليف.
_ هناك نداءات
كثيرة تنادي بالعودة إلى تراث آبائنا واستخراجها وتحقيقها،
وعلى العكس فهناك دعوات تسفّه تلك النداءات وتقول: إن مواكبتنا
للعصر بالانفتاح على العلوم الغربية الحديثة والإفادة منها
أفضل من نبش قبور الماضين واستخراج علوم مضت وانقضت في زمنها
ولم تعد تفيدنا بشيء، فبماذا يمكن أن نجيب هؤلاء؟
_ ببساطة شديدة
أقول: الأمة التي لا تهتم بماضيها وتراثها لا يمكن أن تبني لها
حاضرًا سليمًا أو مستقبلاً مشرقًا، أي أمة إذا لم تنطلق مما
وضعه لها الآباء من إيجابيات في كافة المجالات لا يمكن لها أن
تنطلق، حتى على المستوى الأسري: الأب يزرع الخير في أولاده
ويعلمهم العلوم فإذا كبروا ولم يعتمدوا على تربية والدهم
وأخلاقه والعلوم التي علّمهم إياها فمن الصعب عليهم جدا أن
ينطلقوا إلى المستقبل، نحن -العرب المسلمون- فتحنا العالم بالعلم
والحضارة، لو لم ننطلق من تراثنا التليد الجيد لما قدمنا لجميع
الأمم الحضارة والعلم والسلام، ومن الصعب جدا أن ننطلق من
جديد، يجب أن يكون الاعتماد على التراث دائماً من داخل أنفسنا،
فلا يمكن أن ننطلق من غيرنا، إن من ينادون فقط بالعولمة
والمعاصرة ويجعلون اهتمامنا بالتراث نبشاً لقبور الماضين هم
على خطأ كبير، لأنهم لا يفقهون ماهية هذا التراث وخصوصياته.
_ في مجال تحقيق
الكتب العلمية القديمة نجد الكثير من المصطلحات العلمية
العربية أو المعربة غير متداولة حاليا وغير مفهومة في عصرنا
كما أراد واضعها، فكيف يمكن التعامل معها؟
_ مخطوطات العلوم
الطبية والتطبيقية والأساسية في خزائن مكتبات العالم أعدادها
ليست كبيرة جدًّا بالمقارنة مع غيرها من العلوم، والمخطوط
العلمي له خصوصية في تحقيقه، فكثير من المخطوطات التي تطبع
بتحقيق علمي جيد تترجم هذه المصطلحات إلى اللغات الأجنبية،
وغالبًا ما يُجعل لها فهرس خاصّ مع فهارس الكتاب، وهي مفهومة
في عصرنا إذا تناولها ذوو الاختصاص، معنى ذلك: ألا مشكلة هناك،
فمثلاً عندما يحقق مخطوط في الرياضيات باحث في اللغة العربية
سيكون التحقيق ناقصًا، أما إذا كان هناك عمل جماعي، وشارك في
تحقيق مخطوط في الرياضيات _مثلاً_ باحث مختص باللغة العربية
وثان بالرياضيات وآخر بالهندسة فسيخرج التحقيق ناجحًا، وقد
جُرّبت هذه العملية أحيانًا في تحقيق المخطوطات العلمية ونجحت،
فكان العمل متكاملاً ممتازًا.
_ هل صحيح أن
المستشرقين هم الذين أطلعونا على تراثنا، ورسموا لنا مناهج
التحقيق، وقعّدوا لنا قواعدها، ثم أخذنا نحن ذلك تقليداً
ومتابعةً؟
_ لا نبخس عمل
جميع المستشرقين فبعضهم قدم خدمات جليلة لتراثنا العربي عامةً
والعلمي خاصة، وبعضهم مَن لا نأخذ بهم أبدًا، لكن باعتبار وجود
نسبة جيدة من المخطوطات العربية في خزائن الغرب، وهم الذين
اطلعوا عليها قبلَنا فهم الذين كانوا أول من تناولها، وأغلبها
كانت نسخاً نادرة فأقدم الغربيون على تحقيقها وترجمتها إلى
لغاتهم، وقدموا لنا بذلك خدمات مهمة يمكن إضافتها إلى تراثنا،
فكان لهم في كثير من المجالات الأسبقية في تقديم مخطوطات علمية
من الصعوبة أن نحصل عليها لو لم تُطبع من قِبَلهم.
_ وهل يمكن أن
نقول الكلام ذاته من حيث المناهج التي اتبعوها؟
_ بعض المستشرقين
وضع مناهج علمية لتحقيق التراث لا بأس بها، والكثير من محققينا
الذين حققوا في مطلع القرن العشرين ومنتصفه اعتمدوا على
المناهج الغربية، لكنني أرفض هذه الفكرة لأننا نحن أول مَن وضع
أصول علم تحقيق المخطوطات، وتراثنا يؤكد ذلك وكثير من كتبنا
ومراجعنا التراثية تؤكد ذلك، أنا لا أميل إلى اتباع المنهج
الغربي في التحقيق بل أميل إلى اتباع منهجنا العلمي الأصيل
المنطلق من تراثنا العربي ومن خبرة آبائنا وأجدادنا الكبيرة
والطويلة في مجال التحقيق، وأميل إلى أن نمشي على خطاهم وأن
نضيف من عندنا ما فاتهم باعتبار ظهور الكثير من العلوم الحديثة
والتقنيات الحديثة التي تعيننا على تحقيق أفضل، أضرب مثالاً
على ذلك الحاسوب الذي لم يكن متوفرًا من خمسين عامًا، ويمكن أن
نستفيد منه الآن بقراءة المخطوط بشكل جيد بتوضيح الكلمات عن
طريق المكبرات.
وكذلك بالنسبة
للفهرسة إذ كان من المحتمل أن يقع فيها أخطاء كثيرة، ويمكن
الآن الاستعانة بالحاسوب في تدقيقها، وكذلك بالنسبة للإخراج
والطباعة، وأيضًا في تناول الكتب التراثية نستطيع أن نوظف
المكتبة الالكترونية لخدمة التراث وهذا موضوع تكلمنا عنه في
ندوات سابقة، وقلنا: ماذا ننتظر؟ ولماذا نتأخر في توظيف
المكتبة الالكترونية والمعلوماتية والشبكة العالمية لخدمتنا؟
فهذه العلوم
الحديثة يمكن أن نوظفها لتحقيق التراث منطلقين من خبرة كثير من
أجدادنا الذين أرسوا مناهج التحقيق.
_ بمناداتكم هذه
ومناداة الكثيرين في استيعاب العولمة والتقنيات الحديثة
والتأقلم معها، هل ترون أنه قد تم توظيف الشبكة العالمية لخدمة
التراث كما ينبغي؟
_ لا، حتى الآن
هناك صعوبات كثيرة جدًّا، وهناك محاولات فردية، وحتى الآن لم
تظهر محاولات جماعية على مستوى الأمة، لدينا نحن موقع "أرض
الحضارات"، وهو موقع ضخم جدًّا، وحاولنا أن نجعله جماعيًا
فوضعنا فيه أعضاء هيئة استشارية وأعضاء لجنة علمية من داخل
سورية وخارجها وننطلق الآن بحيث نخدم أرض الحضارات، أرض وطننا
العربي. وأتمنى أن يكون هناك عدة مواقع، وأن يكون هناك توالف
وائتلاف بين هذه المواقع الفردية والجماعية لخدمة تراثنا
العربي.
_ نعلم أنه مع
انتشار الطباعة في العالم الإسلامي أقبل كثير من أصحاب المطابع
والناشرين على طباعة كتب التراث الإسلامي بمختلف علومها
وفنونها فنشر الكثير من الكتب بدون أدنى تحقيق علمي وبوجود خلل
كبير فيها كالنقص وسقوط الكثير من كلام المؤلف ووجود عدد كبير
من الأخطاء المطبعية، ومعظمها يخلو من استعمال علامات الترقيم
مما يؤدي إلى صعوبة في فهم مراد المؤلف، فهل من الأفضل إعادة
طبع هذه الكتب بعد تحقيقها تحقيقاً علميًّا صحيحًا أم نعتبرها
حاليًّا كالمحققة ونصبّ اهتمامنا على استخراج ما لم ير النور
بعد؟
_ أصحاب المطابع
في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين قدموا لنا
مخطوطات دون أن تحقيق، وحتى لو كان فيها أخطاء كثيرة وتصحيف
وتحريف ولم تعتمد أصول التحقيق الصحيح إلا أنها يمكن أن تصبح
هذه الطبعة هي النسخة الأم، إذ ربما تكون النسخة الأصلية قد
فُقدت، وكثير من المخطوطات فُقدت نتيجة عوامل مختلفة، أو ربما
يُعثر على نسخ مخطوطة أخرى لمطبوع ما فتكون النسخة المطبوعة
إحدى النسخ التي يُعتمد عليها وتجري عليها المقابلة والمقارنة
والمعارضة.
ونقول لهؤلاء
جزاهم الله كل خير، إذ أن الذين يستطيعون قراءة المخطوط قليلون
معدودون على الأصابع، وكذلك المخطوط يكون في أيدي القليلين
وغير موجود في متناول الجميع، ولكن عندما يطبع هذا الكتاب
ينتشر بين الناس، فمن يملك الخبرة والحس في علم التحقيق وحب
التحقيق يأتي بهذه النسخة المطبوعة ويبحث عن نسخ أخرى ويجري
المقابلة والتحقيق من جديد، فما المانع في ذلك؟ وبذلك نعيد
التحقيق من جديد. وكبار المحققين في الوطن العربي اعتمدوا هذه
الطريقة، فاعتمدوا على نسخ مخطوطة ونسخ مطبوعة قديمًا.
إذاً يمكن
الاعتماد على النسخ المطبوعة وتحقيقها، ولكن بحذر شديد فلا
يكون فيها تحريف كثير أو تصحيف، ويجب فيمن يطبع ويحقق أن يكون
من ذوي الخبرة، وأن تكون نيته صادقة في تقديم العلم للقراء.
_ من الضروري
أمام الكم الهائل من المخطوطات اختيار الأولى فالأولى فما هي
المخطوطات الأولى في رأيكم؟
_ تراثنا العربي
المخطوط ما زال بكرًا، وأنا أدعو الباحثين جميعًا وخاصة الشباب
منهم بكافة اختصاصاتهم أن ينطلقوا، وأردت بتأسيس دورة تحقيق
المخطوطات التي انطلقت عام
2004م
أن أضع علم تحقيق المخطوطات بين أيدي الشبان بكافة شرائحهم
واختصاصاتهم، وأوجههم نحو تحقيق المخطوطات، يعني لا نأخذ بعض
العلوم ونحققها ونجعل لها أولويات، بل نُعنى بجميع الاختصاصات
كلٌّ في مجال عمله سواء في العلوم الإنسانية أو الطبية أو
الاجتماعية أو الاقتصادية أو التطبيقية أو الأساسية. فلا نعطي
أولوية لبعض الاختصاصات ونهمل أو نؤخر اختصاصات أخرى، قد يكون
هناك مخطوطات مهمة بحاجة إلى من ينبش الغبار عنها، ويستخرجها
لنستزيد بها علمًا ونأخذ منها الكثير من المعلومات. ويجب في كل
كلية وكل اختصاص أن يكون هناك فرع لتحقيق مخطوطات ذلك الاختصاص.
_ إنكم ترفضون
فكرة الأولوية، لكننا أمام هذا الكم الهائل من المخطوطات والذي
يبلغ ستة ملايين مخطوط كما تقولون...
_ أقول اليوم ربما
هناك سبعة ملايين مخطوط بعد أن اطّلعت على الكثير من المكتبات
والخزائن الجديدة في آسيا الوسطى.
_ إذاً أمام
سبعة ملايين مخطوط وأمام العدد القليل ممّن يعمل في مجال
التحقيق لا بدّ لنا من الأولوية، فإذا كان أمامي العديد من
المخطوطات في مجال اختصاصي أنا _مثلاً_ فأيها أختار؟
_ هذه نقطة أخرى.
فالأولوية هنا ليست لبعض العلوم، وإنما الأولوية داخل كل علم،
عندها نختار المخطوطات الأفيد التي تقدّم مفهومًا جديدًا
لفكرنا، فنأخذ المخطوطات المفيدة المهمة ولا نضيع الوقت في
تحقيق مخطوطات لا تملك فوائد ثمينة أو جديدة، وعندما ننتهي من
كل شيء يمكن عندها أن نُظهر تلك المخطوطات. مثلاً كثير من
المخطوطات فيها رسومات مهمة جدًّا أو زخارف جميلة يمكن أن تقدم
جديدا لتاريخ الفن لإكمال حلقات قد تكون ناقصة في ذلك العلم،
وكذلك إذا كانت مخطوطة في الرياضيات أو الشعر أو الطب تضيف
جديدًا لفكرنا كأن تقدم فكرة جديدة مميزة، أو تكون لعالم غير
معروف ظهر فجأة وعرفنا أن له باعًا طويلاً في علم ما فنسلّط
الأضواء عليه ونقدمه للعالَم. فالأولوية تكون للقيمة العلمية
المهمة.