|
أهمية
الموقع
كشفت
البعثة المنقبة عن بقايا قرية بنيت في النصف الثاني من الألف العاشر ق.م، وهي
الحقبة التي شهدت البدايات التدريجية للممارسات الزراعية في المشرق، وتتضح
الأهمية الأساسية لتنقيبات الجرف الأحمر في فهم التحولات الاجتماعية والاقتصادية
التي تمخضت عما دعي بالثورة النيوليتية (ثورة العصر الحجري الحديث) وكانت هذه
البقعة من العالم أول من اعتمد على هذا النمط الاقتصادي الجديد القائم على
الإنتاج الغذائي، وسوف تتيح الوثائق الفنية التي كشفتها التنقيبات معرفة الإطار
الثقافي والرمزي لهذه الحقبة الهامة بشكل أفضل وذلك بعد مقارنتها مع الوثائق
الخاصة بقرى ما قبل التاريخ الأخرى كـ ( المريبط و الشيخ حسن و
جعدة المغارة ) وسيسهم اكتشاف مجموعة هذه الوثائق التي هي عبارة عن لوحات
حجرية بقياس تقريبي /405× 305 سم/ محززة ومحفورة بإشارات ورموز تجريدية وزخارف
هندسية وحيوانية وطيور وخطوط متعرجة بإلقاء ضوء جديد على الطابع المميز لموقع
الجرف الأحمر الذي غمر تحت مياه سد تشرين.
تطور
العمارة:
مرحلة المخطط الدائري والمخطط المستطيل: تُظهر
البيوت المكتشفة في موقع الجرف الأحمر بوضوح التحول من المخطط المعماري الدائري
_ قديم الأفق (
PPNA)
وهي بيوت معروفة جيداً في موقع المريبط الذي نقب في الستينيات من هذا القرن _
إلى عمارة المخطط المستطيل، وتقدم مخططات الجرف الأحمر في النتيجة ترابطاً بين
جدران منحنية وأخرى مستقيمة وتكون هذه البيوت تارة وسطية وتارة متباعدة بواسطة
زقاق أو فسحة خارجية.
تم الكشف في الموقع المذكور في القطاعين الشرقي والغربي عن قرية نموذجية مؤلفة
من حوالي خمسين منزلاً والأهم من ذلك أننا نلحظ التسلسل المنطقي لتطور البيوت من
الشكل الدائري إلى الأشكال المضلعة والإهليلجية والمستطيلة و المربعة ولم يشتمل
هذا التطور على أشكال البيوت وحسب بل وطريقة أنماط البناء وأشكال الأحجار
وحجومها ومساحتها، أما بالنسبة للمواقد فقد وجد في المناطق الخارجية لبيوت الجرف
الأحمر وكانت على ثلاثة أشكال :
_ مواقد محفورة
في الأرض تحوي حصى .
_ مواقد صغيرة
دائرية قليلة العمق .
_ مواقد سطحية .
السويات المعمارية: عثر في موقع الأحمر على عدة
سويات معمارية هامة :
السوية (A)
:
_ظهور البيت
الدائري المبني من الحجارة الطولانية والمقسم من الداخل إلى حجرات متعددة
الوظائف مع وجود مصاطب ، وهو يشكل أعلى البيوت ويقع في مستوى سطح التل .
_البيت المضلع
"شبه الدائري": يتميز هذا البيت بتقسيمات داخلية واستقامة الجدران لكن دون
التوصل إلى إنشاء الزاوية القائمة، وقد كان مغروساً في التل على عمق قليل .
_البيت قائم
الزاوية: عثر في القطاع الغربي على مجموعة من المنازل المتطورة وبجدران مستقيمة
ذات زوايا قائمة وهو نوع جديد من العمارة التي ظهرت في مرحلة العصر الحجري
الحديث ما قبل الفخار/P.P.N.A/
حيث ظهرت الفسحات السماوية التي تحيط بها الغرف مما يدل على سكن هذه المنطقة،
وهو أعمق هذه البيوت وقد كان مغروساً حتى نصفه .
ورغم هذه
التبدلات الباكرة في شكل المنزل يجب أن نعترف بأن أشكال المنازل الجديدة لم تكن
بعدُ شاملة الانتشار، ولم تشكل إلا نسبة قليلة من أبنية هذا العصر الذي بقي فيه
البيت الدائري هو الأكثر استخداماً في كل مكان تقريباً.
كما عثر على
نماذج من المنازل الدائرية في كل من المواقع النيوليتية ( نمريك، معلفات في
العراق، عرق الدب في الأردن، أريحا في فلسطين ) مما يدل على الوحدة الحضارية في
المنطقة.
أنماط البناء: يتكون أساس الجدران في هذه المرحلة
من صفين من الحجارة الكبيرة والكلسية ويبنى فوقها مداميك حجرية كلسية هشة تتميز
بأنها نحتت بشكل طولاني على شكل لفافي يشبه السيجار، وتشكلت الأرضيات الداخلية
من ركائز حجرية مغطاة بالتراب الناعم والحصى النهرية الصغيرة كما طليت الجدران
والأرضيات، أما الأسقف فتبين بأنها كانت مسقوفة بعوارض خشبية ودل على ذلك آثار
الحريق الذي هدم هذه السقوف وسقوطها فوق أرضيات المنازل .
|