|
هذه هي أنواع الأدلة
المتوفرة على حضارة المرحلة - أ – للعصر الحجري الحديث السابق لظهور الفخار،
وبناءً على تلك الأدلة فإنه يمكننا الخروج بالاستنتاجات الثلاثة التالية:
الأول:
يتعلق بتقنية العمارة والإنشاء، حيث أن المساكن ظلت مستديرة الشكل، وأساساتها
تغوص داخل حفرة مستديرة ، كما في المريبط وأريحا وتل أسود . لكن بالإضافة لظهور
النصف العلوي فوق سطح الأرض وبقاء النصف الأسفل في باطن الأرض ، يبدو أن إنسان
تلك القرى كان يعرف مواد بناء أخرى غير الخشب ، ففي تلك المرحلة الحضارية عرف
الإنسان كيف ينحت ا لحجارة ، وكيف يربطها مع بعضا بواسطة الطين ، كما كان يطلي
وجوه الحفرة الداخلية بذلك الطين ويستمر في طلي الحائط القائم على حافة الحفرة
تماماً كما كان يفعل الإنسان النطوفي، في حين أن الحيطان المبنية من الحجارة
معروفة منذ الألف التاسع ق.م ، ونجد أن الإنسان في السوية الثانية في المريبط قد
أقام الحيطان المصنوعة من الطين المدكوك فوق أساس من الحجارة المربوطة بالطين ،
ربما لوقايتها من تسرب المياه مثلما يجري في أيامنا هذه .
لقد أسلفنا أن الإنسان في الألف
الثامن ق.م قد بدأ فعلاً بمعالجة المواد، ففي منطقة الفرات قطع الأحجار الحوارية
على شكل متطاول ( يشبه الخبز الفرنسي ) أو يشبه السيجار، وفي أريحا وتل أسود صنع
اللبن في أشكال مماثلة _ يٌقصد هنا اللبن المصنوع باليد وليس بالقالب، أما طبعات
الأصابع التي لاحظناها على ظهر اللبنة في تل أسود فكانت لتسهيل التصاق طين الربط
بين لبنة وأخرى _ ولم يكتف باستخدام السيقان الخشبية شاقولياً، بل صنع منها
صفائح، ثم غمسها في الطين صفوفاً أفقية فوق بعضها بعضاً.
إن التنوع الكبير في التقنيات
الإنشائية في حضارة السوية الثالثة في المريبط وفي عمائر أريحا تشهد على مهارة
معمارية جديدة كلياً .
الثاني:
يتعلق بمساحة القرى نفسها فالقرية أصبحت تشغل مساحة ملحوظة خلال النصف الثاني من
المرحلة أنفة الذكر ( في أوائل الألف الثامن ق.م ) وهذا ما يتبدى بوضوح في أريحا
خلال المرحلة - أ - من العصر الحجري الحديث السابق لظهور الفخار ، لكن العكس هو
خلال بواكير العصر الحجري الحديث .
لقد رأينا الامتداد الذي وصلت إليه قرية
الشيخ حسن في نهاية السوية الثالثة ، وهناك بعض الأدلة على امتداد قرية الشيخ
المريبط امتداداً واسعاً خلال الفترة نفسها بيد أنه من الصعب معرفة الزمن الدقيق
الذي أخذت فيه قرية وادي الفلاح امتدادها وذلك لعدم معرفتنا الكافية بالأدوات
الصوانية والحجرية المرتبطة بهذه القرية .
لكن مهما يكن من أمر يبدو أن أعداداً متزايدة من
السكان أصبحت تتجمع في قرى الألف الثامن ق.م سواءً كان ذلك في سورية أو فلسطين,
ويضاف إلى ذلك أن البرج والسور المكتشفين في أريحا - مهما كانت وظيفتهما – ينمان
عن وجود نظام اجتماعي مختلف، فهو أكثر تنظيماً وجماعية في تنفيذ الأعمال
المعمارية من مجتمعات القرى بالأخرى.
الثالث:
يتعلق هذا الاستنتاج بمرحلة الانتقال من المسكن المستدير إلى المسكن المستطيل ،
ويتمتع هذا التحول في المخطط المعماري بأهمية سوسيولوجية سبق أن أكدنا عليها ،
وفي حين أن المسكن المستدير مقيد بمساحة سكنية محددة ( الحفرة المستديرة ) وغير
قابلة للتوسع نجد أن المسكن المستطيل قابل لكل أنواع التوسع من خلال إضافة لمزيد
من الحجيرات الجديدة إليه ، وبناء على ذلك أصبح هذا النوع الجديد من السكن يستوعب
العائلة التي يتكاثر أفرادها باضطراد - أي أنه يفسح المجال لأنماط جديدة من السكن
الجماعي أو المشترك - .
لقد مر العالم بأجمعه في هذه المرحلة
الانتقالية ولكن الأزمنة تختلف من مكان لأخر. ويبدو أن هذه المرحلة نضجت على
الفرات قبل غيرها من الأماكن، فقد بدأت هناك في مطلع الألف الثامن ق.م حيث تدرجت
بصورة متلاحقة إلى أن أتقن الإنسان بناء الحيطان المستقيمة التي تلتقي بعضها مع
بعض بزاوية قائمة ففي السوية الثالثة - أ – في المريبط لم يكن للحيطان المستقيمة
من وظيفة أخرى غير تقسيم المساحة الداخلية للمسكن المستدير إلى أكثر من حيز واحد
، لكننا اكتشفنا أن الإنسان بدأ يعرف نحت الحجارة وتسليح الحائط الطيني بالخشب ،
ومع بداية السوية الثالثة - ب – حدثت في المريبط وتل الشيخ حسن القطيعة مع
المساحة المستديرة وانتقل الإنسان إلى الحجيرة المربعة التنظيم كما رقعة الدومينو
ودون أن تكون محصورة داخل مساحة مستديرة. غير أن التصاق تلك الحجيرات مع بعضها
البعض ينفي صلاح استعمالها للسكن، لكنها تطرح احتمال استخدامها صوامع أو مستودعات
مؤونة ملحقة بالمسكن الفعلي كما في المريبط، ومن الممكن تفسير ذلك أن تلك المساكن
التي تتخللها الصوامع في السوية الثالثة - أ - تعود للوجود في السوية الثالثة -
ب – لكن بحجوم أصغر حيث نواجه أولى العمائر المستطيلة .
أما في تل الشيخ حسن فلدينا الشاهد الأول على
المسكن المستطيل الذي مهد الطريق لظهور المسكن المؤلف من عدة غرف وذلك في السوية
الرابعة في كل من المريبط وأبي هريرة .
|