|
حلب الشهباء
ليس غريبا" ولا عجباً أن تكون حلب عاصمة الثقافة الإسلامية, فلعلها المدينة
الوحيدة في العالم الإسلامي التي
لا يزال تاريخ الإسلام فيها بادياً للعيان يروع الناظر إلى جوانب حضارته
العظيمة .
فهو تاريخ منقوش بالحجر الأشهب الذي يأتلق بضوء الإبداع و صلابة الخلود
معاً .
وهو تاريخ يمكن قراءته حياً في المكان و الزمان ،و في العقل و القلب ,
مضمخاً بالطيب مكللاً بالغار , إلى قلعتها سار أبو الأنبياء إبراهيم الخليل
.
لذلك لم يكن من المصادفة أن تزهو حركة الفكر في حلب عبر العصور , فقد كانت
ملتقى الأعراق و الثقافات, عبر قوافل الحرير تحمل مع الحرير حرية الفكر و
حوار الثقافات ,فإليها شدت الرحال طلبا" للعلم والمعرفة وفي مساجدها كانت
تقام المناظرات والمساجلات في شتى فنون العلم والأدب فهي نبع العلم ومنطلق
إشعاع الحضارة 0
ولا عجب أن تمر بها جحافل الأدباء والشعراء والفقهاء والمفكرين مثل :
بطليموس وامرىء القيس ؛ والعتابي ؛والبحتري؛ والمتنبي ؛ وأبي فراس ؛
والشاعر الصنوبري –شاعر الطبيعة-
ومن الفقهاء شيخ الإسلام أبو داود وأحمد بن حنبل ومن المتصوفة السهر وردي
0
ومن المؤرخين ابن العديم وهو أشهر من أرخ لحلب , كأنما قدر لها أن تقترن
بالإبداع , كأنها منذ زمن الخليل عليه السلام لا تفتأ تحتلب ثمرات العقول و
خطرات الفؤاد .
وقالوا عن الكتاب: إحياء تراث حلب المادي و اللا مادي بمختلف أوجهه سواء ً
ما يتعلق بالعلوم الإنسانية أو التطبيقية هو أحد الأهداف الأساسية و إنني
بعد إطلاعي على الكتاب أوصي بطباعته لما يحمله من صفة تراثية محلية وعربية
وإسلامية وما يعبر عنه أيضاً من أهمية تاريخية.
أنني أتوخى أن يكون أحد المراجع في المكتبة العربية و أن يوفر مادة تاريخية
و علمية قيِمة بين يدي المهتمين بالموضوع.
الدكتور
محمد هشام النعسان
هو كتاب له أهمية ا لا و هي انه ليس تاريخاً جامداً أو ساكناً للمدينة و
إنما وصفاٌ حيٌ و رصيد دقيق لجوانبها المختلفة
هذا الوصف نابض بالحياة زاخر بالحركة مليء بالأحداث
و قارئ الكتاب يشعر بهذا الأمر , حيث أنني أحاول أن آخذ بيد القارئ و امضي
معه في شوارع حلب و أزقتها و أبوابها الشعبية ,نطوف خاناتها ونتجول
بأسواقها التي تتميز بالاختصاص , و مساجدها التي كانت تقام فيها المناظرات
والمساجلات في شتى فنون الادب والعلم عبر العصور0
ومن ثم ندخل بيوتها و نسمع زغاريد نسائها و أصوات رجالها من خلال العرس
الحلبي و أمثالها الشعبية التي هي ثقافة ذلك الشعب الأمي و نرى أثاث بيوتها
و أزياء أهلها و مظاهر جمالها .
إذا فالقارئ يعيش و يحيا و يحس قبل أن يغذي عقله بالمعلومات و الحقائق .
لاغرو أن نرى الغزاة يتسابقون لامتلاكها لكنهم مضوا وبقيت حلب عروسا" لا
يهرم شبابها بنيت حلب على ربوات في وطأة من الارض بموقع تتوفر فيه جميع
أسباب الحياة والمياه والخضرة والتربة الحسنة 0يخترقها نهر قويق الصغير وفي
ربوعها ينبت الفستق الحلبي الذي تغنوا فيه :
الفستق الحيران أطبق جفنـــــه غيظا"ولاح بوجنة صفراء
يرنو الى الصيف الجميل فا نه يزدان فيه بقرمزي رداء
ياحسنه متدليا" ،يالحنــــــــــه متشققا" في الليلة القمراء
قال فيها ابن جبير:
بلدة قدرها خطير , ذكرها في كل زمان يطير , خطابها من الملوك كثير , محلها
من النفوس أثير , خصها الله
تعالى بالبركة و فضلها على جميع البلدان , أنه يزرع في أراضيها القطن و
السمسم والبطيخ و الدخن و الكروم و الذرة و المشمش و التين و التفاح عدياً
لا يسقى إلا بماء المطر و مع ذلك يأتي غضاً .
إنها مخزناً للتوابل و الأدوية و الحرير و لغيرها من البضائع الثمينة التي
كانت تصلها من الهند .
حلب التي صنع فيها المحراب الذي زين المسجد الأقصى في بيت المقدس بعد
تحريره على يد صلاح الدين
الأيوبي .
إنها جنة الخلد تجمع ما تشتهي فزرها فطوبى لمن زارها .
قالوا : من الباحثة !
من أين جاءت !
و أين ولدت !
قلت بنت ادم و حواء .
جئت من هناك .
و أقمت هنا .
أستريح في أحضان المدينة الشماء .
أقف على أطلال الخليل و أمام بلاط سيف الدولة الحمداني لحظة اتامل الشهباء
. . . بحجارتها البيضاء التي
تحمل عبق التاريخ تلك الحجارة التي تذكر سلاطينها العظماء الذين تركوا
بصماتهم على أبنية المدينة .
و أمام آثارها و عمرانها التي تقدم شواهد شامخة على سائر العصور الإسلامية
أقف لاستمد قوتي و استعيـد
ثقتي بنفسي , أقف و قفة شموخ و إباء و اعتزاز بماضي بلدي التليد و حاضرها
المجيد و بأبنائها البـــررة
الباقين فيها .
أقف لأضع بصمة على جدار الزمن .
و سأموت في المكان الذي اطمع لان يكون لي فيه حجارة تحتضن جسدي و شمعة
تحترق مع روحي .
لأجلك يا ذات الدلال اليعربي . . . يا عاصمة الشمال و متعة المتأمل يا قلعة
يعرب .
الباحثة
ناديا سراقبي
|