|
فعجبتُ
لهذا
.
أَيكونُ
بيننا
عالِمٌٌّ
موسوعي
يُلِمُّ
بعلومِ
الشَّرعِ
و
الأدبِ
و
كذلك
الهندسةِ
و
لا
نقا
بِلُهُ
و
لا
يُذكرُ
في
كُليَّاتِ
الهندسةِ
.
و
نَدِمتُ
أشدَّ
النَّدمِ
عندما
علِمتُ
أنَّهُ
تُوفِيَ
بعدَ
تخرجَاِنا
عامَ
.
1990
أي
أنَّهَ
كان
يحيا
بيننا
و
نحنُ
طلابٌ
في
كليةِ
الهندسةِ
و
لم
نستفدْ
من
علمِهِ
.
وقلتُ
لنفسي
إنْ
فا
تَتْنِي
فرصةُ
لُقياهُ
فمازالَ
طلا
بُهُ
و
أقرانُهُ
َو
أولادُهُ
بيننا
أستطيع
أن
أقابلَهم
و
أسمعَ
منهم
عن
علومِ
الشَّيخِ
و
مهار
تِه
.
و
آ
ليتُ
على
نفسي
منذُ
خمسةِ
أعوامٍ
تقر
يباً
أن
أنشرَ
ما
جمعتُه
عن
الشَّيخِ
في
محاضرةٍ
.
و
لم
يتيسرِ
الأمرُ
حتى
أَذِنَ
اللهُ
بذلك
اليومِ.
فبدأتُ
أسألُ
عن
الشَّيخِ
و
أتقصَّى
الحقائقَ
و
القِصصَ
المتواتِرةَ
التي
تروي
عن
براعتِهِ
في
صناعةِ
ِالمعادنِ
و
صيانة
السَّاعاتِ
الدَّقيقةِ
و
الَتَّجهيزاتِ
الطّبيةِ
و
الأسلحةِ
و
الأدواتِ
الموسيقيةِ
إلى
آخرِ
ما
هُنالكَ
من
إبداعاتٍ
هندسيَّةٍ
قَلَّ
أن
يستطيعَ
أحدٌ
الإلمامَ
بأحدِها
فضلاً
عن
كلِّها
دون
در
اسةٍ
ّفي
الكلياتِ
الجامعيةِ
و
على
يدِ
الأساتذةِ
المختصينَ
.
و
لكنْ
لا
عجبَ
أمامَ
قُدرةِ
اللهِ
تعالى
الذي
علَّم
الإ
نسانَ
مالم
يعلمْ
.
و
قد
أشارَ
عليَّ
بعضُ
الأساتذةِ
ِالأفاضلِ
و
من
بينهمُ
الشَّيُخُ
يوسفُ
هنداوي
و
الشَّيخُ
عليُّ
الوليُّ
بالاطِّلاعِ
على
كتابِ
الإحكامِ
للإمامِ
القرافي
رحمه
الله
و
الذي
حقَّقَهُ
الشَّيخُ
ِعبدُ
الفتاح
أبو
غُدَّة
رحمه
الله
.
و
مُناسَبةُ
ذِكرِ
الإمامِ
القرافي
أنَّهُ
كان
أيضاً
بارعاً
صانعاً
حيثُ
يقولُ
عنه
الشَّيخُ
أبو
غدّةٍ
في
تَرجَمَتِهِ: "و
كانَ
إلى
جانبِ
إمامَتِهِ
و
تَبَحُرِهِ
في
عُلومِ
الشَّرِيعةِ
و
فُنُونِها
من
الفَلَكِيين
النَّبغةِ
البارعينَ
النَّوادرِ
في
عملِ
التَّماثيل
ِالمتحركةِ
في
الآلات
الفلكيةِ."
ثم
قال
الشَّيخُ
أبو
غُدَّة
:
ولي
صد
يقٌ
عزيزٌ
رحلَ
إلى
دارِ
الكرامةِ،
تميَّزَ
بأعجبَ
مِنْ
هذا
في
دقةِ
صُنِعِ
الآلات
الدَّقيقةِ
و
إبداعِهَا
و
استعمالِها، و
بِحِذْقِ
الرِّما
يةِ
وإصا
بةِ
الأهد
افِ
النَّاعمةِ
الصَّغيرةِ
جداً
.
هو
الشَّيخُ
العالِمُ
الفاضلُ
الصناعُ
العجيبُ
الأستاذُ
الشَّيخُ
عبدُ
الرَّحمنِ
زينُ
العابدينَ
الأنطاكِّي
ثمَّ
الحلبيِّ
.....
و
قد
أَلحقتُ
بآخرِ
هذا
الكتابِ
مَقالاً
إضَافياً
عن
مهارتِه
وإ
بداعِه
بقلمِ
أستاذِناِ
العلامةِ
الكبيرِ
فضيلةِ
الشيخِ
مصطفى الزرقا(
رحمه
الله) أمتع
الله
به،
فانظرْهُ
لِزاماً
ففيه
العجائبُ
الصَّادقةُ
الخارقةُ
.
و
كان
أن
طلبتُ
من
أخي
أن
يشريَ
كتابَ
الإحكامِ
فاشتراه
من
بيروت
.
و
أَختصرُ
هنا
ما
قاله الشَّيخُ
مصطفى
الزرقا
في
المقالَةَِ
التي
كتبها
في /
10
جمادى
الأولى
/
1413
هـ
خلالَ
إقامَتِه
في
الرِّياض:
ـ
كان
الشَّيخُ
عبدُ
الرَّحمنِ
حديدَ
البصرِ
يميِّزُِ
بعينهِ
المجرَّدُةِ
ما
يحتاج
غيرُه
لِتمييزه
مكبرة.
ـ كان
يحبُّ
اّلرياضةَ
البدنيةَ
والمشيَ
الطّو
يلَ.
ـ كان
صيَّاداً
ماهراً
.
يرمي
الطُّيورَ
و
هي
طائرةٌ
و
الحيوا
ناتِ
وهي
راكضةٌ
فلا
يخطئُها.
ـ كان
سديدَ
الرِّمايةِ
لحدَّةِ
بصرِهِ
و
ثباتِ
يَدِهِ
و
دقّةِ
ملاحظتِهِ
و
حسابِهِ
لحركَةِ
الأهدافِ
المتحركةِ.
ـ أحضرَ
معهُ
مرَّةً
إلى
المدرسةِ
الشَّعبا
نيةِ
بُندقيةً
صَنعَها
بنفسِه
و
صبَّ
كُراتها
الرَّصاصيةَ
أيضاً
.
و
جاءَ
بإبرةٍ
صغيرةٍ
فغرسَها
بينَ
بَلاطَتَينِ حتى
غابَ
نصفُهَا
و
ابتعدَ
نحوَ
ثلاثةِ
أمتارٍ
ثم
رَمى
الإبرةَ
فطارَ
نصفُها
الظَّاهرُ. ثمَّ
رَكَزَ
قِطعةً
من
الفخَّارِ
صغيرةً
في
مكانٍ
بعلوِ
قامةِ
الإنساَنِ
و
ابتعد
عنها
مترينِ
أو
ثلاثة
و
أدارَ
ظهرَهُ
و
نظرَ
في
مرآةٍ
في
يدِهِ
فَرَمَاهَا
فتطايرت
.
ـ و
كان
إلى
جا
نبِ
مزيَّتِه
النَّادرةِ
في
الرِّمايةِ
صِنْعاً
لم
أعرِفْ
و
لم
أسمعْ
عن
نظيرٍ
لهُ
في
صُنعِ
الأشياءِ
الدَّقيقةِ
التي
تحتاجُ
إلى
دقّةٍ
با
لغةٍ،
لا
تُضبطُ
إلا
بآلاتٍ
غا
يةٍ
في
الدِّقةِ
و
الحَساسيّةِ
.
ـ كان
يصنعُها
بيدِهِ
و
يضبِطُ
مقاييسَها
الدَّقيقةَ
بِبَصرِهِ
الحد
يدِ،
و
يستخدمُ
فيها
الميشارَ
الدَّقيقَ،
و
المِبرَدَ
و
المثاقبَ
بحجومِها
المختلفةِ
التي
تصلُ
إلى
حَجمِ
رأسِ
الإ
برةِ
صغراً
.
و
يصنعُ
هو تلكَ
المثاقبَ
من
الفولاذِ
بيدِه
.
و
قد
شاهدتُ
كلَّ
ذ
لكَ
منه
بنفسي
في
مختلفِ
زياراتي لَه،
إذ
كنتُ
أمكثُ
عندَهُ
في
الزِّيارةِ
الواحدةِ
ساعات.
ـ و
قد
أراني
يوماً
ميلاً
فولاذياً
طولُه
نحوَ
عَشْرةِ
سنتيمترات،
و
غِلَظُه
لا
يز
يدُ
عن
ثلا
ثةِ
ميليمترات،
و
مقطعُه
مضلَّعٌ
سُباعي
صنعَه
بيدِهِ في
البدايةِ
مبروماً
ثم
بَرَدَهُ
بالمِبرَدِ
فجعلَهُ
مُضَلَّعاً
سَبٍعةَ
أضلاع
مُتساويةٍ
لا
تجدُ
إذا
نظرتَ
بالمكبرةِ
فَرقاً
بينَ
ضلعٍ
وآخرَ
و
لا
قَدْرَ
شعرةٍ
ولا
اعوجاجاً
كأنَّه
خارجٌ
من
مصنعٍ
آليٍ
.
و
قد
نبَّهني
إلى
الفَرقِ
العظيمِ
في
السُّهولةِ
والصّعوبةِ
بين
جَعْلِ
أضلاعِهِ
زوجيّةً
و
بين
جعلِها
فَرد
يّةً
.
ـ
و
انكسرَ
في
معملِ
شركةِ
لغَزلِ
و
النّسيجِ
بحلبَ
تِرسٌ
مسنَّنٌ
في
أحدِ
الأجهزةِ
و
كان
مسنَّناً
فيه
أسنانٌ
متعرجَةٌ
و
حركاتٌ
دقيقةٌ
و
توقفَ
المعملُ
فذُكِرَ
لَهمُ
الشّيخُ
فأ
تَوهُ بالمسنن
المكسورِ
فصَنَعَ
بديلاً
عنهُ
كأنَّه
هو
حين
كان
جديدًا
.
ـ و
من
أهم
مزاياه
أنَّه
كان
ساعتيّاًّ،
إذا
استعصى
على
السّاعاتيةِ
في
حلبَ
إصلاحُ
ساعةٍ
توقفت
لَجاؤوا
إليه
فأصلٍَحها.
و
كان
يقولُ
لي :
قلّما
تُسلِّمُ
ساعةً
إلى
ساعاتيٍّ
يصلحَها
إلا
و
يُحدِثُ
بها
ضرراً.
و
كان
خبيراً
في
الأسلحةِ
.
أحضرَ
له
شخصٌ
يوماً
بندقيةً
انكسرت
فيها
قِطعةٌ
و
فُقِدَتِ
القِطعةُ
المكسورةُ
و
لا
يوجد
مثيلٌ
لهذه
البُندقيّةِ
حتّى
يُعرَفَ
شكلُ
القِطعةِ
المكسورةِ
.
فقالَ
له :
اتركْهَا
عندي
إلى
الغد
.
فتأمَّلَ
فيها
و
درسَ
حركةَ
أجزائِها
ثم
قدَّرَ
شكلَ
وحجمَ
الجُزءِ
الناقِصِ
و
صَنعَهُ
بيدِه
و
أدواتِه
الخاصّةِ
فاشتغلتِ
البندقيّةُ
و
أعطاها
لصاحبها
في
اليوم
التّالي.
و
كان
خبيراً
في
سِقاية
الفُولاذ
بدرجاتِه
المختلفةِ
.
و
قال
لي
إن
سقا
يةَ
السيوفِ
و
هي
طويلة
دونَ
أن
يعتريَ
قِوامَها
خَللٌ
أو
اِلْتِواءٌ
صعبٌ
جداً
و
قد
كان
يفعلُ
ذلك
بمهارة.
و
قد
أراني
يوماً
موسىً
من
نوعِ
الذي
في
نصابِهِ
قِطَعٌ
عديدةٌ(
ما
نسميه
اليوم
سكيناً
سويسرياً
) صنعَهُ
بنفسِهِ
من
فولاذِ
هواءٍ(
بولاد
هوا
بالعامية).
و
كتبَ
الأستاذُ
عبدُ
الرزاقِ
خليلُ
دملخي
عن
أستاذِهِ
الشيخِ
عبدِ الرحمنِ
الكثيرَ
أوردُها
هنا
بتصرف
:
كان
رحمَهُ
الله
يُجيدُ
صنعةَ
الميكانيك و
لا
سيما
ما
دقَّ
منها
.
وِ
كان
يصنعُ
الآلات
الفلكيةَ
و
يستعملُها
كما
صَنعَ
مقياساً
لقياسِ
سماكةِ
الصاجِ
و
بلغَ
من
دقتِهِ
أنهُ
استطاعَ
أن
يثقبَ
إبرةً
و
يفرغَ
قلبَها
بإ
برةٍ
أدقَّ
منها
.
هو
خبيرٌ
بالمعادنِ
يعلمُ
أسرارها
و
كيف
تكونُ
طر
يةً
أو
قاسيةً
.
و
كان
كثير
ما
يقولُ
:
إنَّ
اللهَ
ذكرَ
الحد
يدَ
في
القرآنِ
و
أثنى
عليه
فما
اشتغلَ
به
أحدٌ
إلا
و
نا
لَهُ
خيرٌ
منه
و
أكرمَهُ
الله
.
و
يوماً
أصيبَ
جهازُ
تصو
يرِ
أشعةٍ
ٍلطبيبِ
مشهور
فأصلحه
الشيخُ
.
و
سمعتُ
منه
أنهُ
قرأ
في
سيرةِ
صلاحِ
الدينِ
الأ
يوبيِّ
أنَّهُ
كان
يقطعُ
خيطَ
الحريرِ
المعلَّقِ
في
السقفِ
بالسيفِ
و
يرمي
بالمنديلِ
الحر
يريِّ
في
الهواءِ
ثم
يَهوي
عليهِ
بالسيفِ
فيقطَعهُ
.
قال
الشيخُ
:
ُفلبثت
مدةً
أتدربُ
على
ذلكَ
حتى
قطعتُ
الخيطَ
و
المنديل.
و
أخيراً
يقول
الشيخُ
عبدُ
الفتاحِ
أبو
غدة
و
اصفاً
الشيخَ
عبدَ
الرحمنِ
رحمهما
الله
:
كان
ـ كالشافعيِّ
و
البخاري
و
أمينِ
الحسيني
في
الرِّماية
.
ـ و
كالفارابيِّ
في
معرفةِ
اللغاتِ
.
ـ و
كالقرافي
و
الخياطِ
في
الصناعةِ
اليدو
يةِ.
ـ و
كالمَشَّاءِ
على
الحبلِ
ِالمنصوبِ
في
الهواء
في
المهارةِ
الجِسميةِ
.
ـ و
كالفراهيديِّ
ِو
سيبويه
في
الفطا
نةِ
العقلية
.
ـ ُو
كأبي
يوسفَ(َيعقوب)و
البخاريِّ
و
ِالدارقطني
و
الحاكمِ
و
غيرهم
في
العبقرية
الحفظيةِ
.
ـ و
كزرقاءِ
اليمامةِ
في
القوةِ
البصريةِ.
ـ َو
كإبراهيم
النظامِ
في
القوةِ
السمعيةِ.
ـ و
ككعبٍ
بنِ
مالكٍ
في
سرعةِ
العَدوِ
واللهُ
يختصُّ
بفضلِهِ
من
عبادِه
من
يشاء
.
لقد
وهبَ
اللهُ
الشيخَ
عِلماً
و
موهبةً
هندسيةً
قلَّ
نظيرُها
في
عصرنا
الحالي
.
و
لقد
ذُهلتُ
َو
لم
تصدقْ
عيناي
-
عندما
اطَّلعتُ
على
بعضِ
المصنوعاتِ
اليدو
يةِ
للشيخِ
لدقتها
و
إتقانِ
صُنعِها
-
أنَّ
ما
أراهُ
صناعةً
يدو
يةً
بأدو
اتٍ
بسيطة
.
و
سأعرِضُ
على
حضراتِكم
صور
بعضِ
القطعِ
التي
صَنعَها
الشيخُ
بيدِه
و
التي
أذنَ
لنا
ا
بنُه
الأستاذُ
سيفُ
الدينِ
زينُ
العابدين
حفظه
الله بنشرِها
مشكوراً.
و
قد
حدَّثني
الأستاذُ
سيفُ
الدِّينِ
أنَّ
و
الدَهُ
الشَّيخَ
عبدَ
الرَّحمنِ
كانَ
يصنعُ الزَّنبا
يةَ (الثَّقابةُ
التي
يستعملُها
َ
الحذاؤون) و
يبيعُها
بخمسِ
ليراتٍ
في حينِ
كان
سِعِرُ
الألمانية
منها
ليرةً
واحدةً
.
و
عندما
سُئلَ
عن
ذ
كَ
قالَ
إنَّ
الزنبايةَ
َ
لألمانية
مُسقاةٌ
كاملاً
و
تنكسِرُ
بسرعةٍ
بينما
التي
أصنُعها
تسقيتها
مُتدرجةٌ
من
أَعلاها
إلى
أدانَها
.
و
في
الخِتامِ
حدَّثني
الشَّيخُ
عليُّ
الوليُّ
أنَّ
الشَّيخَ
قَال
:لقدْ
فعلتُ
كلَّ
ما
فعلَهُ
الشَّافعيُّ
إلا
شيئاً
واحد
لم
أقدِرْ
عليهِ
و
هوَ
أنَّ
الشَّافعيَّ
كان
يُمسكُ
أذ
نَهُ
اليُمنى بيدِهِ
اليُسرَى
و
يمسكُ
بيدهِ
اليمنى
أذنَ الفرس
اليُمنى
ويجري
بجوارِ
الفَرسِ
ِثمَّ
يقفزُ
عليه.

|