فقد أُسست
مدينة القاهرة التي نراها اليوم كرابع عاصمة للمسلمين في مصر، بعد مدينة
الفسطاط ومدينة العسكر ومدينة القطائع، ومنذ نشأة مدينة الفسطاط سنة
21هـ/641م بدأ الامتداد البشري خارجها جهة الشمال الشرقي، فأصبح هناك
امتداد عمراني الى جهة جبل يشكر -الحمراء- مما سهل بعد ذلك على العباسيين
اقامة مدينة العسكر سنة 132هـ/750م في هذا الامتداد الشمالي الشرقي، وحينما
قدم أحمد بن طولون الى مصر أسس مدينة القطائع سنة 256هـ/870م في نفس
الامتداد السابق، وحينما جاء الفاطميون بنوا عاصمتهم القاهرة في نفس
الامتداد سنة 358هـ/969م، ويجب الاشارة الى انه كان هناك فراغ فاصل بين هذه
المدينة والمدن الثلاثة السابقة، مليء بحارات جديدة منذ عهد الخليفة الحاكم
بأمر الله الفاطمي (386-411هـ/996-1020م) ، ومنذ تأسيس تلك المدن الواحدة
تلو الأخرى جرت العادة أن تكون كل منهم سكناً خاصاً لمؤسسها وحكومته وجيشه،
وسكن العامة حول تلك المدن، ومن هنا كان امتداد المدن حتى التصقت وتداخلت
في بعضها البعض، وجاء صلاح الدين الأيوبي وبنى السور الكبير الذي امتد حول
القاهرة وباقي العواصم السابقة سنة 566هـ/1171م مما كون مدينة جديدة أطلق
عليها مدينة "مصر القاهرة".
وقد تكونت تلك المناطق التي بين المدن من طوائف
الجيش ومن النازحين الى مصر عبر العصور المختلفة، واذا تتبعنا تكوين هذه
المدينة نجد أنها تبدأ من مدينة الفسطاط جنوباً وحتى نهاية مدينة القاهرة
عند باب الفتوح وباب النصر شمالاً، مكونة من مدينة الفسطاط ومدينة العسكر
ومدينة القطائع والظاهر الجنوبي لقاهرة الفاطميين الممتد من شارع الصليبة
وميدان القلعة حتى باب زويلة -الباب الجنوبي لقاهرة الفاطميين- ومنطقة غرب
الخليج الممتدة الى شاطيء النيل غرباً، أما منطقتي الحسينية والريدانية في
شمال القاهرة فلم تدخل في هذا السور.
يحدثنا المقريزي كذلك عن حد القاهرة الشمالي
خارج أسوار صلاح الدين وكيف عمر منذ العصرالفاطمي، فقال "وكانت جهة القاهرة
البحرية من ظاهرها فضاء ينتهي الى بركة الجب والى منية الأصبغ التي عرفت
بالخندق والى منية مطر التي تعرف بالمطرية والى عين شمس وما وراء ذلك ..
الا أنه كان تجاه القاهرة بستان ريدان، ويعرف اليوم بالريدانية، وعند مصلى
العيد خارج باب النصرحيث يصلى الآن على الأموات كان ينزل هناك من يسافر الى
الشام، فلما كان قبل سنة خمسمائة ومات أمير الجيوش بدر الجمالي في سنة سبع
وثمانين وأربعمائة بنى خارج باب النصر له تربة دفن فيها، وبنى أيضاً خارج
باب الفتوح منظرة .. وصار أيضاً فيما بين باب الفتوح والمطرية بساتين .. ثم
عمرت الطائفة الحسينية بعد سنة خمسمائة خارج باب الفتوح عدة منازل اتصلت
بالخندق، وصار خارج باب النصر مقبرة الى ما بعد سنة سبعمائة فعمر الناس به
حتى اتصلت العمائر من باب النصر الى الريدانية وبلغت الغاية من العمارة
..".
يستفاد من هذا النص أن امتداد القاهرة من الجهة
الشمالية كان الى منطقة المطرية وعين شمس في نهاية القرن 9هـ/15م.
ذكر المقريزي بعد ذلك أن حد القاهرة الشرقي كان
يمتد "من سور القاهرة الذي فيه الآن باب البرقية والباب الجديد والباب
المحروق، وتنتهي هذه الجهة الى الجبل المقطم"، ثم قال "وقد كانت هذه الجهة
الشرقية عندما وضعت القاهرة فضاء فيما بين السور وبين الجبل لا بنيان فيه
ألبتة، ومازال على هذا الى أن كانت الدولة التركية فقيل لهذا الفضاء
الميدان الأسود وميدان القبق .. فلما كانت سلطنة الملك الناصر محمد بن
قلاوون عمل هذا الميدان مقبرة لأموات المسلمين، وبنيت فيه الترب الموجودة
الآن ..".
أي أن هذه الجهة حالياً هى صحراء قايتباي التي
تمتد من خلف قلعة صلاح الدين الى جبل المقطم شرقاً فالجبل الأحمر شمالاً
فميدان السيدة عائشة جنوباً.
حدد لنا المقريزي أيضاً الحد الغربي للقاهرة
الفاطمية الذي كان يمتد من سور القاهرة الغربي الى الخليج وحتى شاطيء النيل
غرباً، ومن مصر القديمة جنوباً الى شبرا شمالاً، ووصف الجزء الممتد من سور
القاهرة الغربي الى الخليج بأنه "وبنيت على هذا الخليج مناظر، وهى منظرة
اللؤلؤة ومنظرة دار الذهب ومنظرة غزالة"، ثم يتجه جنوباً في هذه الجهة
حيث بركة الفيل وبركة قارون "ويشرف على بركة قارون الدور التي كانت
متصلة بالعسكر ظاهر مدينة فسطاط مصر". ويحدد بعد ذلك الجهة الغربية من
الخليج المتصلة بنهر النيل، فنجده يقول "وأما بر الخليج الغربي فان أوله
الآن من موردة الخلفاء فيما بين خط الجامع الجديد خارج مصر وبين منشأة
المهراني، وأخره أرض التاج والخمس وجوه وما بعدها من بحري القاهرة"،
ويصل المقريزي في وصفه لهذه الجهة جنوباً حيث ما يعرف حالياً بمنطقة مصر
القديمة، حيث منظرة السكرة وما حولها من بستان المريس، وكان هذا البستان
يمتد الى الشمال حتى يصل الى منطقة ميدان رمسيس الحالية، وقد وصف المقريزي
هذه المواقع فقال "ويتصل ببسان منظرة السكرة جنان الزهري، وهى من خط
قناطر السباع الموجودة الآن بحذاء خط السبع سقايات الى أراضي اللوق ويتصل
بالزهري عدة بساتين الى المقس وقد صار موضع الزهري وما كان بجواره على بر
الخليج من البساتين يعرف بالحكورة من أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون الى
وقتنا هذا ..
وكان الزهري وما بجواره من البساتين التي على بر الخليج الغربي والمقس كل
ذلك مطل على النيل".
ويصف بعد ذلك امتداد النيل غرباً حتى القرن
8هـ/14م في هذا الجزء من القاهرة فقال "يمر النيل في غربي البساتين على
الموضع الذي يعرف اليوم باللوق الى المقس فيصير المقس هو ساحل القاهرة،
وتنتهي المراكب الى موضع جامع المقس .. ولم يزل الأمر على ذلك الى ما بعد
سنة سبعمائة، الا أنه كان قد انحسر ماء النيل بعد الخمسمائة من سني الهجرة
عن أرض بالقرب من الزهري عرفت بمنشأة الفاضل وبستان الخشاب، وهذه المنشأة
اليوم يعرف بعضها بالمريس مما يلي منشأة المهراني، وانحسر أيضاً عن أرض
تجاه البعل الذي في بحري القاهرة عرفت هذه الأرض بجزيرة الفيل، وما برح ماء
النيل ينحسر عن شيء بعد شيء الى ما بعد سنة سبعمائة فبقيت عدة رمال فيما
بين منشأة المهراني وبين جزيرة الفيل، وفيما بين المقس وساحل النيل عمر
الناس فيها الأملاك والمناظر والبساتين من بعد سنة اثنتى عشرة وسبعمائة،
وحفر الملك الناصر محمد بن قلاوون فيها الخليج المعروف اليوم بالخليج
الناصري، فصار بر الخليج الغربي بعد ذلك أضعاف ما كان أولاً من أجل انطراد
ماء النيل عن بر مصر الشرقي، وعرف هذا البر اليوم بعدة مواضع، وهى في
الجملة خط منشأة المهراني وخط المريس وخط منشأة الكتبة وخط قناطر السباع
وخط ميدان السلطان وخط البركة الناصرية وخط الحكورة وخط الجامع الطيبرسي
وربع بكتمر وزريبة السلطان وخط باب اللوق وقنطرة الخرق وخط بستان العدة وخط
زريبة قوصون وخط حكر ابن الأثير وفم الخور وخط الخليج الناصري وخط بولاق
وخط جزيرة الفيل وخط الدكة وخط المقس وخط بركة قرموط وخط أرض الطبالة وخط
الجرف وأرض البعل وكوم الريش وميدان القمح وخط باب القنطرة وخط باب الشعرية
وخط باب البحر وغير ذلك".
كانت هذه امتدادات مدينة القاهرة حتى منتصف
القرن 9هـ/15م، وقد حدد لنا المقريزي حدودها كما رأها في ذلك الوقت كما يلي
"وأما حد القاهرة فان طولها من قناطر السباع الى الريدانية، وعرضها من
شاطىء النيل ببولاق الى الجبل الأحمر"، أي أن حدود مدينة القاهرة
وظواهرها -الطبيعية والبشرية- كانت من ميدان السيدة زينب (قناطر السباع) في
الجنوب، وتمتد جهة الشمال حتى العباسية (الريدانية)، ومن الغرب حيث كان نهر
النيل، وتمتد شرقاً حتى الجبل الأحمر، أي أن الحد الفاصل بين مصر والقاهرة
كان الخط الممتد من القلعة الى جامع أحمد بن طولون ممتداً الى ميدان السيدة
زينب الحالي، وقد ظل هذا التحديد معمولاً به حتى النصف الثاني من القرن
التاسع عشر الميلادي.
وقد ظهر في النصف الثاني من القرن 9هـ/15م وما
بعده -سواء في عهد المماليك الجراكسة أو في العصر العثماني من بعده- حركة
تعمير في ظواهر القاهرة وخاصة في شمالي منطقة الريدانية ومنطقة غربي الخليج
على النيل، وعلى سبيل المثال لا الحصر، نجد الأمير أزبك من ططخ الظاهري
يعمر منطقة بركة الأزبكية حوالي سنة 880-882هـ/75-1477م، حيث أنشأ قصراً
له وعدة منشآت أخرى حولها وأعاد حفرها وأجرى اليها الماء من الخليج
الناصري وبنى حولها رصيفاً، كما بنى الأمير يشبك من مهدي الدوادار قبتين
وعمر حولهما عدة مباني، احداهما بالمطرية (أثر رقم 4، أمام قصر القبة) في
سنة 882هـ/1477م، والأخرى -القبة الفداوية- بالريدانية (العباسية) (أثر رقم
5) انتهى بنائها سنة 884-886هـ/79-1481م، كما بنى المحمدي الدمرداش قبة له
في قرية الخندق قبل سنة 901هـ/1496م (العباسية، وقد سجلت ضمن الآثار سنة
1983م) في عهد السلطان قايتباي أيضاً، وبني حول هذه القباب عدة منشأت، حيث
كان يخرج السلطان قايتباي ومن بعده من السلاطين للتنزه عند قبة يشبك
بالمطرية، كما بنى الشهابي أحمد بن العيني قصراً له في القرن 9هـ/15م في
المنطقة المعروفة به الى الوقت الحالي "القصر العيني".
أما في العصر العثماني فقد وجدنا في المصادر
التاريخية عدة قصور بنيت في منطقة شمال القاهرة بالعباسية، وعلى سبيل
المثال وجدنا أن ابراهيم كتخدا القازدغلي المتوفي سنة 1168هـ/1755م بنى
القصر الذي عند سبيل قيماز بالعادلية، وكان مراد بك يقيم بقصر قايماز جهة
العادلية، مما يدل على أنه كان هناك مباني سابقة لهذا العصر في هذه الجهة،
كما أنشأ محمد بك الألفي قصراً فيما بين باب النصر والدمرداش بالقرب من
زاوية الدمرداش.
وقد امتلئت كل هذه المناطق عبر العصور بسكان
القاهرة التي ضاقت بهم، وكذلك بالوافدين عليها عبر العصور حتى انه عند قدوم
الحملة الفرنسية الى مصر سنة 1213هـ/1798م كانت منطقة شمال القاهرة الممتدة
من بركة الأزبكية جنوباً الى الحسنية الريدانية شمالاً - على سبيل المثال-
مليئة بالمباني السكنية لمختلف الطبقات، بل وبالمقابر التي بنيت لسكانها،
فهدموا الكثيرمن تلك المباني لفتح الطرقات التي تساعدهم على سرعة الحركة
الى داخل المدينة وخارجها، واستغلوا مساكن منطقة الأزبكية -والأرستقراطية
منها على وجه الخصوص- لسكن قادتها، بل وحاولوا هدم مقابر الرويعي والأزبكية
لاستغلال أراضها في فتح الشوارع لربط الميدان الذي أرادوا احلاله مكان بركة
الأزبكية بباقي أجزاء مدينة القاهرة، وليس بسبب الخوف من انتشار الطاعون
كما ادعوا. |