| |







 |
تباينت أنواع
المباني الأثرية التي تم إعادة تأهيلها وتوظيفها ثقافياً على شكل
متاحف, وتوزعت ضمن
ثلاثة أنواع رئيسة, أولها المباني
السكنية, ويقصد بها القصور والدور السكنية,
وثانيها المباني الدفاعية, وهي القلاع
والحصون, وأخيراً مباني الخدمات, وتتوزع على
شكل خانات
وبيمارستانات وغيرها من المباني الأخرى. ولم تقتصر هذه التجربة الناجحة
على العالم العربي
والإسلامي فحسب, بل انتشرت في أوروبا أيضاً, فقد تم تحويل العديد
من الحصون والقصور
إلى متاحف, وعلى سبيل المثال وليس الحصر, حولّت عدد من القصور في
فرنسا إلى متاحف,
مثل قصر اللوفر, وقصر فيرساي. وفي إيطاليا تم تحويل حصن ميلانو
إلى متحف, وتم
تقسيم الحصن بستائر وحواجز من مواد خفيفة ليؤدي وظيفة متحف, وفي
اسبانيا تم تحويل
قصر الحمراء وحدائق جنات العريف إلى متاحف للزوار, وغيره من الدول
الأخرى. ومما لاشك فيه بأن الخوض في هذا الموضوع وبشكل مفصل يحتاج إلى
الكثير من
البحوث والدراسات العلمية المفصلة, ولكن ومن باب الإطلاع على إحدى هذه
التجارب في
سورية, دعونا نتعرف على بيت أجقباش بمدينة حلب, والذي قد قامت مديرية
الآثار
والمتاحف بترميمه وإعادة تأهيله على شكل متحف للتقاليد الشعبية.
بيت أجقباش
يقع هذا البيت
عند أول بوابة الياسمين في الصليبة, وقد تم اكتساح الجزء الشرقي من
البيت أثناء
أعمال توسعة الشارع المؤدي من ساحة
الحطب, إلى بوابة القصب وجادة الكيالي. ويعود
تاريخ تشييده إلى
العهد العثماني, فقد شيّده (قره علي) وهي كلمة تركية معناها (علي
الأسود أو البالغ
السمرة), في القرن الثاني عشر الهجري, الثامن عشر الميلادي, ثم
تملكّه شخص آخر
يدعى (أجقباش) وهو تركي الأصل, وأطلق عليه هذا الاسم; لكونه أول شخص
يرفع العِمّةْ عن رأسه, فمعنى كلمة (أجق باش ) أي الرأس المكشوف, وبقي
البيت
محافظاً على هذا الاسم في جميع الكتب التاريخية والمعمارية, وتوالى على هذا
البيت
الكثير من العائلات التركية ومن ثم الحلبية, والتي كان آخرها عائلة
(الراعي). ولست
أدري ما هو المعيار الذي تم الاعتماد عليه في اختيار هذا البيت, ليتحول إلى
متحف,
دون الكثير من
البيوت التقليدية الأخرى والمنتشرة بكثرة بمدينة حلب?
وبزيارة لهذا
البيت أو المتحف, ينقلنا مدخله المتواضع وبمنسوبه المنخفض, وعبر درجه إلى
عالم رحب
وثري بفناء واسع, تتوسطه بركة ماء, وتقع بالقرب منها البئر, مع انتشار بعض
أشجار
الحمضيات, ونباتات الزينة الأخرى, لتعكس ثراء وجمال البيئة الداخلية للبيت
العربي,
وهذه سمة مشتركة في
جميع البيوت العربية التقليدية في سورية. كما نجد الإيوان الذي
يعدّ عنصراً
معمارياً مهماً من عناصر البيت, وتقع أمامه مباشرة القاعة الرئيسة,
التي حظيت بعناية
فائقة من خلال سقفها الخشبي المتميز, وجدرانها المزينة بالكتابات
القرآنية,
وبالخزائن الجدارية, إضافة إلى الأثاث المطعم بالصدف. أما قسم النوم فيقع
في الدور العلوي, ويسمى وكما هو معروف بالحرملك.
أسلوب العرض
المتحفي
على الرغم من
أهمية الفكرة ونجاحها, لكونها تساهم في التعريف بالشكل المعيشي
للأسرة, من حيث
توزيع الغرف وطريقة الاستفادة منها,
والأثاث الذي كان يستعمل في السابق, لكن الوضع
الحالي للمتحف
بحاجة إلى مزيد من التطوير والدراسة, وخاصة من ناحية أسلوب العرض
المتحفي الذي تم
الاعتماد عليه في هذا المتحف, هذا إذا
كان هناك
أسلوب!, أو أن يكون هناك شخص مسؤول يقوم باستقبال الزوار أو السياح, ويشرح
لهم
وبأكثر من لغة عن تاريخ هذا البيت العريق, وعن عناصره المعمارية, التي لم
تأت عبثاً
أو بالمصادفة, بل كان لكل مفردة معمارية أو تفصيلة سبب ودلالة ومعنى,
كاستخدام
الرصاص المصهور بين الحجارة, ليعطي لجدران البيت الصلابة والمتانة, إضافة
إلى أهمية
الفناء في العمارة الإسلامية لكونه الرئة التي يتنفس منها البيت, وإلى
علاقته
بالغرف المحيطة به, ووظيفة الإيوان, وإلى الأسباب التي دعت إلى فصل
السلاملك عن
الحرملك, وغيره الكثير الكثير من المعلومات التي يحتاج الزائر إلى أن
يسمعها, كي
تتحقق عملية التفاعل الحقيقية بين الزائر والمكان, وأن يشرح له عن جميع
المعروضات,
إضافة إلى توزيع
كتيب أو مطوية تعرّف بعمارة البيوت العربية التقليدية في سورية,
وبتاريخ تشييد هذا
البيت, وبمحتوياته.
وتتميز معروضات
المتحف بنثرها وبشكل عشوائي في أرجاء البيت, لتتوزع دون أي منهجية أو
أسلوب أو
دراسة متحفية, وهذا الأسلوب الفريد قد ذكرني بلعبة قديمة اسمها (البرجيس),
فوجدت
بأن المعروضات مرمية رمياً وبشكل
عشوائي في أنحاء غرف البيت, كما يرمى الودع في
لعبة (البرجيس) على
القماش المخملي الأسود المطرز, كأن نجد نولاً كبيراً في غرفة
صغيرة, أو مجسماً
لصانع الطرابيش, وآلة لصياغة الذهب, أو صندوق الدنيا, إضافة إلى
الأسلحة القديمة
والدروع التي ألبست لمجسمات أشخاص كأنها قادمة من كواكب أخرى.
وغيره من المعروضات
الكثيرة, دون وضع لوحات تعريفية بهذه المعروضات, وبأكثر لغة, أو
أن يكون هناك
مؤثرات صوتية, أو حتى إضاءة مناسبة, كما هو الحال عليه في كثير من
المتاحف البسيطة
والمتواضعة في معظم الدول العربية الأخرى. أو اختيار المعروضات
المناسبة من حيث
الحجم والموضوع الذي يتناسب مع المبنى نفسه, في محاولة لتحقيق
التناغم الحقيقي
بين المبنى الأثري, ومعروضاته.
كلمة أخيرة
بمناسبة إصدار
السيد الرئيس بشار الأسد المرسوم رقم 166 للعام ,2007 والقاضي بتحويل
دار غزالة إلى
متحف يسمى (متحف ذاكرة حلب), لتعرض
وتحفظ فيه آثار الحضارات التي تعاقبت على محافظة
حلب, وخاصة ما
يتعلق بتراثها وتقاليدها وصناعاتها الشعبية, دعونا نستفيد من هذه
المكرمة العظيمة
التي منحها السيد الرئيس لمدينة حلب, وخاصة في إعداد المعروضات
ونوعيتها, وطريقة
عرضها, وأن نتعرف إلى الخبرات العالمية في هذا الموضوع لنستفيد
منها في متاحفنا,
وليتحول المتحف إلى مكان يجذب الزائر والسائح معاً, ولتصبح دار
غزالة متحفاً
حقيقياً لذاكرة حلب الثرية. على أن نسترجع هذه الذاكرة بتسلسل تاريخي
وعلمي, دون اللجوء
إلى طريقة العرض البرجيسية, فجميل أن نتمسك بتراثنا وبتاريخنا
وبطفولتنا وبألعاب
تقليدية قد انقرضت, ولكن ليس من الضروري أن نوظف هذه الألعاب
ونسقطها على واقع
متاحفنا, وعلى أسلوب العرض المتحفي فيها سواء بلعبة البرجيس أو
بلعب أخرى في غاية
الأهمية, كلعبة (شيلة حطة)!
|











 |
|