|
فقد نقل الرومان عن بلاد شرقي البحر المتوسط نظام الحمامات وعرفوا الطرق
المتعددة لاستعمالات الحمامات, وهي متعة غير معروفة اليوم رغم أن هذه
الحمامات مازالت تستعمل في العالم الإسلامي, وحفاظاً على هذا التقليد تلحق
بها حجرات جميلة ذات زخرفة في غاية الروعة.
لقد وصل حب القدماء للحمامات إلى حد أنهم كانوا يقضون كل أوقات فراغهم في
الذهاب إلى هذه الحمامات رغم ما قد يواجهونهم من أخطار من جراء تعرضهم
للحرارة الشديدة.
ولقد أصبحت هذه الحمامات شائعة جداً وانتشرت في كل مكان لدرجة أنه كان يوجد
حمام في منزل كل عائلة ثرية فضلاً عن ازدياد عدد الحمامات العامة في نفس
الوقت خاصة أيام القائد الروماني ( أرغيبا ) الذي بنى في روما 170 حماماً.
ولم يمض وقت طويل بعد ذلك حتى تطورت هذه الحمامات لتصبح أجمل مباني المدن
الرومانية, وقد زينت هذه المباني كما زين الجزء الرئيسي بها والذي كان
يحتوي على حجرات للحمامات ( الساخنة جداً
Calidarium, والدافئة
Tepidarium, والباردة
Frigidarium)
كما ألحق بها قاعات للمطالعة والجمنازيوم فضلاً عن الحدائق التي زينت
جميعها بأعمال فنية مثل الرخام المتعدد الألوان و الأرضيات المزخرفة
بالفسيفساء والجص الملون, وكوات للتماثيل.
لقد بنيت حمامات الإمبراطور دقلديانوس في روما في الفترة مابين 281- 306 م
على تل ( فيمنيل
Viminale
) على غرار حمامات كراكلا التي كانت تشبهها من حيث التصميم, إلا أنها كانت
تتميز بضخامة الحجم لدرجة أنها كانت تتسع 3000 شخص, علاوة على ذلك فإنه
خلال العصر الإمبراطوري كانت توجد حمامات أصغر حجماً من تلك التي سبق ذكرها
حيث كانت تتميز هذه الحمامات - لصغر حجمها - بأنها أكثر ملاءمة, لسهولة
تسخينها على خلاف الحمامات الأخرى الكبيرة الحجم التي كان من الصعب أن تكون
في نفس درجة الحرارة ولذلك أصبحت هذه الحمامات الكبيرة ملتقى للناس
وللاسترخاء.
أما بالنسبة للحجرات الملحقة بالحمامات والتي أطلقت عليها أسماء (
كاليداريوم, وتيبداريوم, وفريجداريوم ) فقد زودت ببرك ذات دراجات حرارة
مختلفة ساخنة جداً, ودافئة وباردة على التوالي, وكما ذكرنا من قبل فقد كان
يوجد بالقرب من هذه الحمامات حجرات لتبديل الملابس والتدليك وحجرات أخرى
لحمامات البخار والحمامات الخاصة.
هذا فضلاً عن قاعات الانتظار, والألعاب والجمنازيوم, بالإضافة إلى الشرفات
والمكتبات والحدائق, وكان يوجد لكل نوع حجرتان من هذه الحجرات : إحداهما
مخصصة لقسم الرجال والأخرى لقسم النساء.
ولقد تعرضت حمامات دقلديانوس للنهب على أيدي الأرك عام 210م, فضلاً عن تعطل
أنبوب مياه ( أكوا مارسيا
Aqua Marcia
) أثناء حصار ( فيتيج
Vitige
) ونظراً لانتقال المدينة في اتجاه التيبر,
وسوء استعمال تل( فيمينيل ) كمحجر للرخام والكلس فقد هجر المكان تماماً.
إلا أنه في القرن السادس عشر أصبحت هذه المنطقة مأهولة بالسكان مرة أخرى,
وأضيف إليها منازل الكاردينالات الفخمة وفي عهد ( بيوس الرابع
Pius IV) منح المكان للنظام الديني
الكارثودي ( Carthusian
)
وفي الأعوام من 1563-1566 بنى مايكل أنجلو لهؤلاء الرهبان كنيسة القديسة (
ماريا ديجلي انجيلي ) ملتزماً بالتصميم الأصلي للحمامات.
أما الضرر الذي لحق بهذه الحمامات فيما بعد فقد كان في عهد ( سيكستوس
الخامس Sixtus V ) وذلك عندما تم استعمال
الأحجار والطابوق لبناء الشوارع المحيطة وكذلك عندما غير المهندس المعماري
( فانفتيلي Vanvitelli
) التصميم المعماري لكنيسة القديسة ( ماريا ديجلي إنجيلي ) لبناء كنيسة
جديدة, ثم التلفيات التي حدثت في أوائل هذه القرن نظراً لأعمال الهدم التي
تمت لافتتاح (بيازا ايسدرا
Piazza Esedra
) والشوارع المتفرعة من هذا الميدان الكبير.
في عام 1870 انتقل الدير الكارثودي إلى بلدية روما واستعمل كثكنة عسكرية,
وفي عام 1911 أقيم لمتحف الوطني الروماني في منطقة الرواق ذي الأعمدة, ولقد
اكتسبت هذه المنطقة مظهراً مشابها لمظهرها الأصلي عندما هدمت فيما بعد بعض
المباني التي كانت تقع في منطقة الحمامات مثل بيت المكفوفين ومساكن
الفقراء.
لقد أنشئ متحف آثار العالم الروماني من المواد الآثارية التي استخرجت أثناء
أعمال الحفر في المدينة وفي منطقة روما ( في مساحة تبلغ 20كيلومتراً )
لبناء المباني العامة ومرافق الخدمات مثل المنازل والمكاتب والشوارع.
من ناحية أخرى فإن بعض المقتنيات الأثرية هي إما حصيلة تبرعات الأفراد
بمجموعاتهم الخاصة أو الشراء من البعض أحياناً.
وتضم هذه المجموعة مقتنيات لأعمال فنية خاصة بالديانة الوثنية الرومانية
والتوابيت الحجرية (
Sarcophagi
) والتي تتدرج من النماذج البسيطة إلى النماذج ذات الزخرفة الجميلة جداً,
وكذلك الأنصاب التذكارية التي تمثل الديانات والعبادات الشرقية, أما أثمن
مجموعة من التماثيل التي تتميز بالجمال والروعة فهي المجموعة التي جمعها
الكاردينال ( لوديفيكو لودوفيزي
Ludovico Ludovisi ) لزخرفة الفيلا الجميلة الخاصة به في
روما بمجموعة التماثيل الرخامية التي تصور ( التضحية الانتحارية للجول
وزوجته Suicidal
Sacrifice of the Gaul and his wife ) و( الإله مارس مستريحاً على صخرة
Mars Resting on a Rock
) و ( إلكترا وأورستس
Electra and Orestes
) والتمثال الشهير ل ( عرش لودوفيزي
Ludovisi Throne
), أما اللوحات الجصية التي تتميز بالجمال فهي من منزل ( فارنيسينا
Farnesina
) وفيلا ( ليفيا Livia
) زوجة اوغسطس, أول أباطرة الرومان, وتمثل المجموعة الأولى مناظر هندسية
متنوعة, ولوحات الحوريات ومناظر تصور الحياة اليومية, أما اللوحات الأخرى
فيظهر فيها حديقة بها أنواع مختلفة من الأزهار والأشجار والطيور ذات
الألوان الزاهية.
وكمثال على ما يحتويه المتحف الوطني الروماني من مقتنيات نادرة ومجموعة
أثرية نفيسة نذكر المجموعة الشهيرة التي تضم ( فينوس سيرينVenus
of Cyrene ), و( وفتاة آنزيو
The Girl of Anzio
), و ( الملك الهلينيThe
Hellenistic King
), و( نيوبيد الجريح The
Wounded Niobid
), و (الملاكم المستريح
The Resting Boxer
).
|