|
وفى بداية القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) بدأت كتابة أسماء السور
داخل الأشرطة بحروف مذهبة، وبدأت الزخارف تصبح أكثر تعقيدا، ثم اتجهت
العناية إلى الصفحات الأولى خاصة المساحة الخالية التي كانت تحيط سورة
الفاتحة، وفى الصفحة المقابلة أول سورة البقرة، حيث استخدمت الزخارف
النباتية، والأشكال الهندسية المعقدة، وقد وصل الفنان المسلم إلى ذروة
إبداعه في هذا الفن في العصر المملوكي، ومنه وصلت إلينا مجموعة من المصاحف
الشهيرة النادرة.
أما أقدم المصاحف التي تضمها القاعة، فهو ذلك المنسوب إلى سيدنا عثمان بن
عفان رضي الله عنه، وقد انتقل إليها من مسجد عمرو بن العاص، وهو أحد
المصحفين اللذين أحضرا إلى مصر، وكان بين يدي سيدنا عثمان يوم استشهاده،
كما توجد صورة طبق الأصل من مصحف آخر منسوب أيضا إلى سيدنا عثمان، وكان
أصله في سمرقند ثم نقل إلى بطرسبرج عاصمة روسيا القيصرية، وبعد الثورة
البلشفية سنة 1917 ثم نقل إلى تركستان، وهو يوجد الآن في طشقند، وقد نشرته
جمعية الآثار القديمة على يد الخطاط المصور الروسي (بلوساركس) وتم طبع
خمسين نسخة منه، والنسخة الموجودة حاليا في القاهرة تم إهداؤها إلى الرئيس
الراحل جمال عبد الناصر في منتصف الستينات، ويوجد مصحف آخر بالقاعة مكتوب
بخط كوفي على الرق، دون فى آخره أنه مكتوب بخط أبى سعيد الحسن البصرى سنة
77هـ، وثمة مصحف بخط الإمام جعفر الصادق، مكتوب في القرن الثاني الهجري على
ورق، ومصحف ثالث مكتوب في أوائل القرن الثالث الهجري على رق الغزال، بالقلم
الكوفي على طريقة أبى الأسود الدؤلي (أي بتنقيط الحروف). وهناك مجموعة أخرى
من المصاحف المكتوبة بخط كوفي مجهولة التواريخ على وجه الدقة، وإن كانت تمت
إلى القرنين الأول والثاني للهجرة. أما أجمل المصاحف وأروعها في فن التذهيب
والزخرفة فهي تلك التي تنتمي إلى العصر المملوكي، ومنها مصفح السلطان محمد
بن قلاوون، وهو مصحف متوسط الحجم، تخلو صفحاته من المستطيلات الزخرفية،
ماعدا فراغ السور في الصفحة الاستهلالية التي تسبق سورة الفاتحة، والمصحف
كله مكتوب بماء الذهب، بالخط الثلث ومضبوط الشكل بالكامل، وكتب في سنة
764هـ، وبالرغم من ذلك تبدو صفحاته بسيطة ورقيقة، تجبر الناظر على طول
التأمل والتمعن، وقد كتب هذا المصحف خصيصا لكي يوضع في مسجد القلعة الذي
بناه السلطان محمد بن قلاوون، وأوقفه عليه، وظل به حتى نقل إلى دار الكتب
المصرية، وهناك أيضا مصحف السلطان (برقوق) الذي انتهى الخطاط الشهير عبد
الرحمن الصائغ من كتابته في يوم السادس من ذي الحجة سنة 801هـ، بعد عمل
متصل استغرق سبعين يوما فقط، وبقلم واحد لم يغيره، والمصحف المكتوب بالخط
الثلث الواضح، ومنقوش بالذهب والألوان الزاهية وهى اللون الذهبي الخالص،
والأزرق اللازوردي والأحمر الياقوتي، وتتخلل الألوان مساحات من البياض
لتضفى عليها عمقا وجمالا، أما الزخارف ذاتها فتتكون من وحدات هندسية،
وأوراق نباتية، تغطى الصفحتين الاستهلاليتين، والصفحة التي كتب بها سورة
الفاتحة، والصفحة التي بها بداية سورة البقرة، أما فواتح السور فقد كتبت في
إطارات مزخرفة، مستطيلة محفوفة بالألوان المتداخلة والمتناغمة، وقد وقف
السلطان هذا المصحف هو الآخر إلى المسجد الذي بناه باسمه في النحاسين والذي
يعد تحفة معمارية فريدة في تراث العمارة الإسلامية.
وعلى بعد خطوات قليلة من مصحف السلطان برقوق، يوجد مصحف آخر لابنه، وهو
مصحف بديع تتسم زخارفه الدائرية المتعانقة المتشابكة بالوقار، والرقة،
ويحيط بصفحتيه الأولى والثانية إطار مذهب، ثم تتابع الصفحات بدون إطارات
مذهبة أو مزخرفة، حيث يمضى الخط سلسا عبر صفحات وردية اللون كأنها رحيق
الزمن النائي، وفى كل صفحة وحدتان زخرفيتان فقط، العلوية دائرية مستوحاة من
شكل قرص الشمس بأشعته، وداخلها دائرة أصغر حجما ملونة، والو حدة الزخرفية
الموجودة إلى أسفل تتخذ شكل ورقة شجر منسقة الحواف، يوجد داخلها إطار به
دوائر متداخلة، أما فواتح السور وعناوينها فهي موجودة داخل مستطيل تتخلله
أشكال دائرية، ويتسم الطابع العام لزخارف هذا المصحف بالهدوء والرقة حتى
تتناسب مع الأثر المعماري الذي وضع فيه المصحف، وهو خانقاه فرج بن برقوق
على أطراف صحراء القاهرة، والتي بدأ الناصر فرج بناءها سنة 801 هـ 1398
ميلادية واستغرق بناؤها أربعة عشر عاما، ويعتبر من أضخم مباني العصر
المملوكي وأجملها، و قد أعادت هيئة الآثار المصرية ترميمه.
ويعتبر مصحف السلطان برسباي ثامن ملوك الجراكسة من أندر المصاحف التي تضمها
قاعة القرآن الكريم بدار الكتب المصرية وأكثرها تميزا وتفردا، فهو الوحيد
بين كل مصاحف القاعة الذي يتكون من مجلدين تبلغ طول الصفحة فيهما سبعين
سنتيمترا، ولا يزال المصحف بمجلديه في حالة جيدة رغم مرور تسعمائة وخمسين
عاما على كتابته وإعداده، وفى الصفحة الاستهلالية منه زخارف غريبة جميلة
باللازورد الأزرق، والذهب الخالص، لا تعطى إحساسا بالبذخ بقدر ماتبرز رقة
وإحساسا مرهفا خاشعا، لتتقاطع وتتعانق مع وحدة وتنوع، وبدءا من سورة
الفاتحة وحتى آخر صفحة من المصحف نجد كل صفحة تحتوى على ثلاثة إطارات
متداخلة تشكل الإطار المحيط بالسور المكتوبة بخط نسخ جميل، تتخلله شعيرات
ذهبية، أما الفواصل بين الآيات فهي عبارة عن وحدة زخرفية مستوحاة من أوراق
الشجر والإطارات الثلاثة متجاوزة ومتباينة ومنسجمة، فالإطار الخارجي من
اللازورد الأزرق المشعر بالذهب، ويحتوي على أشكال هندسية وزخرفية متعانقة،
وحواف هذا الإطار عبارة عن خطوط رقيقة مستوحاة أيضا من أشعة الشمس، ثم يلي
الإطار فاصل أبيض نحيل، والإطار الثاني من الذهب يتخلله شكل هندسي أزرق
اللون عبارة عن مزيج من المستطيل والدائرة، ويتخلل اللون اللازوردي الأزرق
اسم الصورة مكتوبا باللون الذهبي، وهناك مساحات بلون أحمر شفقي موزعة خلال
الإطار الذي يليه فاصل أبيض نحيل، ثم إطار من اللازوردي الأزرق أقل مساحة
من الإطار الثاني، وبه أشكال هندسية تقارب الأشكال التي يحتوي عليها الإطار
الخارجي، ويبدأ المجلد الأول بفاتحة القرآن الكريم وينتهي بسورة الكهف، أما
المجلد الثاني فيبدأ بسورة مريم.
وللسلطان قايتباي هو الآخر مصحفان رائعان، تحتفظ بهما دار الكتب المصرية،
أحدهما محلى بالذهب واللازورد، ومكتوب بخط نسخ جميل، وفواتح السور محلاة
بزخارف نباتية وأخرى مستوحاة من نجوم السماء، والمصحف الآخر يبلغ حجمه ضعف
حجم المصحف الأول وكتبه أحد كبار رجال الدولة وهو الأمير جالشم السيفي بك
الدوادار الكبير، ويعكس المصحفان رسوخ عصر السلطان قايتباي واستقراره الذي
كان راعيا للفنانين والقراء والرياضيين. ومن أشهر المصاحف التي كتبت في
العصر المملوكي، مصحف السلطان شعبان، والصفحة الأولى منه محلاة بالذهب
واللازورد والمنقوش بالنقوش العربية البديعة وقد كتب سنة 764هـ، ومصحف
السلطان المؤيد، الذي كتب في عام 815هـ، والمعروض منه مجلد واحد يمثل نصفه
فقط، وآخره سورة الكهف، ومصحف السيدة خوندر بركة أم السلطان شعبان، ومصحف
الأمير حدنممتش (776) هجرية، والذي التزم كاتبه العبقرى أن يبدأ كل صفحة
بكلمة قرآنية تبدأ بحرف (أ)، ومصحف السلطان خشقدم (866هـ)، ويحتفظ بزهاء
ألوانه حتى الآن وكأنه قد كتب بالأمس، وورقه من الكتان المعالج بمواد أخرى،
وردى اللون، ويتجاوز طول صفحاته المتر وعشرين سنتيمترا، ومع ذلك فهو يتسم
ببساطة نقوشه ورقتها، وجميع صوره مكتوبة بخط نسخ كبير، ويبلغ عدد كلمات كل
سطر تسع أو عشر كلمات، ولا توجد أي إطارات زخرفية تحيط بالسور داخل
الصفحات، إنما يحيطها الفراغ الوردي الجميل، كما تحتفظ قاعة القرآن الكريم
بدار الكتب بعدد كبير من مصاحف أخرى تنتمي إلى أزمنة مختلفة، ومن مختلف
أنحاء العالم الإسلامي، تمثل في مجموعها ذروة الفن الإسلامي وتفرده، ومدى
ما بلغه الفنان المسلم من تمكن وإتقان.
|