|
تولى سليمان بن عبدالملك خلافة الدولة الأموية
وهي بالغة
الازدهار واسعة الثراء
غنية بالموارد فسيحة الأرجاء متماسكة البناء
مليئة
بالرجال وأصحاب المواهب
الفذة، وكانت الدولة الأموية في عهد سلفه الوليد
بن عبد
الملك قد شهدت اتساعاً
في الرقعة هيأته لها حركة الفتوح الإسلامية في
الشرق
والغرب. وتمتعت الدولة
الأموية بثروة هائلة مكنتها من إقامة نهضة
عمرانية
واسعة، وخاصة في عمارة
المساجد والقصور الرائعة، ومن أهم المساجد
الأموية وكما
هو معروف، المسجد
الأموي بدمشق، الذي أمر بتشييده الوليد بن
عبدالملك سنة 87هـ/706م،
ويعدّ تحفة
معمارية، في غاية الجمال والثراء، أما المسجد
الثاني
الذي أمر سليمان بن
عبدالملك بتشييده في مدينة حلب، فهو الجامع
الأموي، ليضاهي
به الجامع الأموي
بدمشق، وكان ذلك سنة 96هـ، ولا يزال المسجد
الأموي بمدينة حلب
شاهداً قوياً على
ما بلغه فن العمارة من رقي وجمال.
كان سليمان بن
عبدالملك من أكبر أعوان أخيه الوليد، ومن أركان
دولته، وكان
يتميز بحبه للجهاد،
وجنوحه إلى العدل، وبفصاحة في اللسان، وقدرة على
اختيار
الرجال الأكفاء. فاستهل
خلافته بما ينبئ عن سياسته الجديدة؛ مستعيناً في
إدارة
الدولة وتصريف شؤونها
بعظماء الرجال، وأحاط نفسه بأهل الرأي والفطنة
والدين
والعلم من أمثال ابن عمه
عمر بن عبد العزيز ورجاء بن حَيْوة. وعلى الرغم
من أن
مدة خلافته كانت قصيرة
جداً. غير أنها كانت في غاية الأهمية، وتشكل
امتداداً
واضحاً لسياسة أخيه
الوليد، فقد أطلق الأسرى وأخلا السجون وأحسن إلى
الناس،
وجهّز جيشاً كبيراً
وسيرّه في السفن لحصار القسطنطينية، بلغ زهاء
مائة ألف
جندي، وزوده بنحو ألف
وثمانمائة سفينة حربية، وأسند قيادته إلى أخيه
مسلمة بن
عبد الملك، متخذاً من
منطقة (دابق) مركزاً لقيادته ولمتابعة أنباء
الحصار. بيد
أنه توفي قبل أن يتحقق
حلمه، ولهذا يعده بعض العلماء شهيداً؛ لأنه كما
يقول ابن
كثير في البداية
والنهاية "تعهد ألا يرجع إلى دمشق حتى تفتح أو
يموت؛ فمات هناك
ليحصل له بهذه
النية أجر الرباط في سبيل الله".
صدفة قادتني إلى ضريح سليمان بن عبدالملك،
بينما كنت أقوم بزيارة منطقة (دابق)،
بهدف التعرّف إلى مكان المعركة التي جرت
بين السلطان العثماني سليم الأول، وبين
آخر سلاطين المماليك قانصوه الغوري،
بتاريخ 25 رجب 922 هـ/24 آب 1516 م، وتعدّ
هذه المعركة أحد أهم المعارك التي
غيرت مجرى التاريخ، بعد أن سقط فيها قانصوه
الغوري قتيلاً، ليكون هذا التاريخ
بداية عصر عثماني، امتد إلى أربعة قرون، في
العالم العربي. وقد أكرم العثمانيون
الغوري بعد مماته فأقاموا عليه صلاة
الجنازة ودفنوه في نفس منطقة دابق، ووجدت
صخرة كبيرة، بالقرب من السهل الذي كان
مسرحاً للمعركة، وأعلمني سكان المنطقة
بأن هذه الصخرة للإشارة إلى الموقع الذي
دفن فيه قانصوه الغوري.
هناك
وجدت مبنى متواضعاً ومهملاً، ذا قبة مدببة ليست
متميزة عن القبب الطينية
المشيدة في نفس المنطقة، ومحاطاً بسور حجري،
ودفعني فضولي إلى التأكد من هذا
المبنى البسيط، فذكر لي أحد سكان المنطقة بأن
سليمان بن عبدالملك يرقد داخل هذا
المبنى، فذهلت بأن يكون سليمان مدفوناً في هذا
المبنى المتواضع، ودخلت إلى
البناء لأتأكد من ذلك، فاتحاً بابه الخشبي
المتهالك، لأجد غرفة مستطيلة الشكل،
مؤلفة من قسمين، يفصل بينهما قوس حجري مدبب،
القسم الخارجي عبارة عن مساحة
مخصصة للصلاة، أما القسم الداخلي فوجدت فيه
مجموعة قبور ملتصقة بزاوية الغرفة،
تعلوها القبة، علماً بأن جدران المكان مشبعة
بالرطوبة، إضافة إلى أنني لم أجد
أي لوحة تشير بأن هذا هو ضريح سليمان بن
عبدالملك، سواء داخل الغرفة أو
خارجها.
وفي طريق عودتي إلى مدينة حلب، بدأت أفكر بهذا
الإنسان العظيم الذي
توفي وهو
يحلم بفتح مدينة القسطنطينية، فبعد أن ولي عمر
بن عبد العزيز الخلافة
أصدر
أوامره بسحب القوات الإسلامية المحاصرة
للقسطنطينية والعودة إلى الشام.
ليبقى حلم سليمان معلقاً لقدوم السلطان العثماني
محمد الفاتح الذي فتح
القسطنطينية عام 1453م، أي بعد وفاة سليمان بن
عبدالملك بـ (736) عام. ويدور في
الذهن كثير من الأسئلة التي تتعلق بطريقة
تعاملنا مع الأوابد التاريخية
المنتشرة في مدننا السورية، والتي تحتفظ بجزء من
تاريخ أجدادنا العظام، إضافة
إلى رفات وأضرحة البعض منهم.
وآخر سؤال أود أن أطرحه، ألا يستحق هذا
الخليفة الأموي بعض التكريم، بأن نرمم
ونصون المكان الذي يرقد فيه، ليأخذ الشكل
الذي يليق بعظمته وبأعماله الخيرة،
وأن نضع لوحة تعريفية عند المدخل، نذكر فيها
تاريخ حياته، ومآثره وأعماله، وأن
يعرّف بمكانه، ليكون بمثابة تكريم بسيط له،
بعد وفاته، كما كرّم أهالي مدينة
حلب بتشييد الجامع الأموي الذي بات رمزاً
مهماً من رموز عمارة مدينة حلب
الثرية، وتحفة إسلامية خالدة. من خلال جهود
الجهات المسؤولة مثل مديرية الآثار
والمتاحف، ومديرية الثقافة، إضافة إلى
مديرية السياحة، وأن تساهم وزارة السياحة
بإعداد كتيب سياحي، عن أضرحة الخلفاء
والسلاطين والأولياء، الذين دفنوا في أرض
سورية المعطاء وما أكثرهم، كما فعلت
الوزارة مشكورة سابقاً بطباعة كتاب أنيق
يعرّف بالأضرحة وببعض من الأولياء
والصالحين، وباللغتين العربية والفارسية؟
بالطبع كل شيء ممكن، خاصة وأننا
ولله الحمد صرنا نكرّم الأحياء قبل فوات
الأوان، بعدما كنا نكرمهم في السابق
بعد رحيلهم عنا بسنوات، ودعونا نتخلى عن
عادة باتت متوارثة بيننا، ألا وهي
التغني والتفاخر بإنجازات واختراعات وفتوحات
أجدادنا العظماء، وأن نصب جميع
أفكارنا ومشروعاتنا وخططنا في بوتقة واحدة تنصهر
من خلالها الفائدة المرجوة
لهذا البلد المعطاء، والذي ندين كثيراً فيه
لأشخاص
قدموا وناضلوا وجاهدوا ورووا
ترابه الخصب بدمائهم الطاهرة، فلنروي تلك الأرض
بغيث الجد والعمل والإخلاص في
النية، لكي لا يأتي يوم ونرويها بدموع الوقوف
على
أطلال إنجازات وإبداعات
الأجداد، خاصة وأننا ولله الحمد ننعم بعاطفة
مفرطة،
وتسيل دموعنا
بسرعة!!
|