|
هذه
"
الرسالة الكاملية " هي موضوع
حديثي اليوم، فقد اتخذت منها مدخلاً لدراسة فكر ابن
النفيس ونافذة تطل منها على
آرائه الفلسفية، وما أطرافها. واعتمدت في ذلك على
التحقيق الدقيق الذي قام به..ماكس
مايرهوف ويوسف شاخت عن مخطوطين أحي دهما بدار
الكتب المصرية والآخر بالمكتبة
السليمانية باسطنبول ، وقد نشرته جامعة أكسفورد
عام1968 تحت عنوان:
(Theologus Autodiactus)
ولما كان فكر كل
مفكر هو إلى حد ما، انعكاس
لموقعه من الزمان والمكان، رأيت أن أمهد لمقالي بعرض سر
يع للخلفية الاجتماعية
والسياسية والعلمية لابن النفيس.
تعرفون جميعاً أن
علاء الدين ابن النفيس، واسمه
في التراجم " علي بن أبي الحزم القرشى الدمشقي " ولد
ومات في القرن السابع الهجري
(الثالث، عشر الميلادي)، وعمر حتى بلغ الثما نين أو
نحوها. وكانت نشأته قي دمشق
حيث تتلمذ على طبيبها العظيم " مهذب الدين الدخوار " ثم
رحل إلى القاهرة وأمضى فيها
بقية عمره فابتنى بها داراً، واشتغل بالطب ونبغ فيه حتى
أصبح رئيساً لأطباء مصر
وطبيباً لحاكمها الظاهر بيبرس البندقداري. وكان يدرس الطب
في البيمارستان المنصوري الذي
أنشأه المنصور قلاوون، قائد بيبرس الذي خلفه في حكم
مصر، ويقوم في الوقت نفسه
بتدريس الشريعة والفقه في المدرسة المسرورية التي يقول
المقريزي ني خططه إن مؤسسها هو
شمس الخواض مسرور، أحد موالي صلاح الدين. لا عجب إذن
إن كان تاج الدين السبكي قد
ذكر ابن النفيس في كتابه " طبقات الشافعية الكبرى
"
كواحد من كبار فقهاء المذهب
الشافعي.
كانت مصر والشام في،
ذلك العهد دولة واحدة تعاقب
على حكمها الخلفاء الفاطميون ثم الأيوبيون فالمماليك ،
ونذكر من هؤلاء " قطز " الذي
هزم المغول في عين جالوت، ثم بيبرس وقلاوون وكلاهما
يرتد أصله إلى أتراك جنوب
روسيا والقوقاز فيما يعرف بقبائل القفجق
Kipchak
وقد تم
على عهدهما تبادل السفراء
وقوافل التجارة مع " بركة " خان القبيلة الذهبية
Gildem Horde.
ونعود بعد ذلك إلى
رسالة ابن النفيس الكاملية
لنقدم موجزاً لتاريخها وشكلها العام قبل أن نتعرض
تفصيلاً لما أورده فيها من
أفكار.
كتب ابن النفيس هذه
الرسالة الكاملية، وتعرف أيضاً
برسالة " فاضل بن ناطق" لا ليعارض بها رسالة " حيى
بن يقظان" لابن سينا كما يقول
الصفدي في كتابه " الوافي بالوفيات " بل هي أقرب في
بنائها ومضمونها إلى رسالة
أخرى بنفس الاسم كتبها الطبيب والفيلسوف الأندلسي ابن
طفيل قبل ذلك بنحو قرن، ولا شك
أن ابن النفيس أطلع عليها وتأثر بها. ومقارنة
الرسائل الثلاث تلقى كثيراً من
الضوء على الفكر العربي في عصره الذهبي، وهو فكر كان
شغله الشاغل، كما تعلمون،
التوفيق بين الدين والفلسفة، وبيان ما بين الشريعة
والحكمة من اتصال، كما يقول
ابن رشد في "فصل المقال" لهذا نجد ابن النفيس في
رسالته يحاول أن يثبت أن العقل
البشري في تأمله المنطقي البحت، وبدون أي وسيط آخر،
قادر على استنتاج ضرورة وجود
الله، وتتابع الأنبياء بالرسالات انتهاء بخاتمهم، ثم
هو قادر على التنبؤ، بسيرة هذا
النبي الأخير بما في ذلك مولده وهجرته وجهاده وموته،
وبمحتوى رسالته من فقه وشريعة
ومعاملات، بل أكثر من هذا، يزعم ابن النفيس أن أعمال
الفكر المحض يقودنا إلى توقع
المنازعات بين خلفاء هذا النبي الأخير، وتعدد المذاهب
والطرق ني دينه، ثم إلى تعرض
أهل هذا الدين لعدوان الكفار وصدهم له. وأخيراً يرمي
ابن النفيس ببصره إلى المستقبل
البعيد( أو لعله قريب) فيصف لنا، من منطلق عقلي صرف،
كيف ينتهي العالم وتقوم
القيامة، ثم كيف يكون البعث والمعاد!
هذه إذن جولة شاملة
وعارمة،
(tour de force)
يقول الأجانب، يجمع فيها
صاحبها بين الفلسفة الطبيعية
وفلسفة التاريخ والاجتماع ،
وفلسفة الدين- فيها بيولوجيا وجيولوجيا وكوزمولوجيا
وفيها ما نسميه اليوم بعلم
التنبؤ المستقبلي
(Futuroligy).
وقد ركب ابن النفيس
هذا العقل في بطل رسالته
المدعو " كامل "، وهو إنسان ينشأ بالتولد الذاتي في جزيرة
مهجورة بمعزل عن كافة البشر،
أما " فاضل بن ناطق " فهو مجرد راوية لقصة " كامل
"
وآرائه.
هناك أوجه شبه وأوجه
اختلاف كثيرة بين رسالتي ابن
النفيس وأبن طفيل، بين أفكار " كامل " كما يرويها
"
فاضل بن ناطق" وأفكار " حي بن
يقظان ". كلاهما يحاول أن يثبت أن إنساناً ما، نشأ
بالتولد الذاتي في جزيرة
مهجورة، يستطيع بذهنه وحده أن يعرف حقائق الكون الطبيعية
والفلسفية والدينية هي إذن
محاولة للتوفيق بين الدين والفلسفة كما قلنا، وإن كان
كلا المؤلفين قد اضطر من أجل
ذلك إلى افتراض أمرين قد لا يقبلهما الدين القيم، وهما
احتمال نشوء الحياة بالتولد
الذاتي، وإمكان وصول الإنسان إلى الحقائق الدينية
بالتأمل المستقل دون وسيط.
أما أوجه الاختلاف
بين الرسالتين فكثيرة، فبطل
ابن طفيل ينشأ طفلاً صغيراً تتعهده ظبية بالرعاية حتى
يكبر، أما كامل فيبدأ غلاماً
في سن المراهقة. الأول يكتشف بنفسه استعمال النار وطهي
الطعام وارتداء الملابس، أما
الثاني فيتعلم هذه الأشياء من زوار يفدون على جزيرته
ويستأنسونه، ويحرص ابن النفيس
في هذا المقام على تأكيد أن التحضر وليد الاجتماع
البشري. ووفود زوار إلى
الجزيرة المهجورة يستعمله كلا المؤلفين في رسالته، ولكن
لأغراض مختلفة. فابن طفيل يجعل
منهم شهوداً على صدق ما وصل إليه بطله من علم بفكره
المستقل أما ابن النفيس
فيجعلهم وسيلة لخروج " كامل" إلى العالم الخارجي حيث تتسع
أمامه دائرة الرؤية ويرى مصداق
ما هداه إليه تأمله المنفرد. ويمكن القول بصفة عامة
أن ابن طفيل ينزع في رسالته
إلى التأمل الصوفي، في حين يميل ابن النفيس إلى الفلسفة
العقلانية. إلا أن أهم ما يميز
رسالة ابن النفيس ويزيد من طرافتها هو استشراقها
للمستقبل وخوضها في مسائل
المصير البشري. فهي ليست رسالة يخا السيرة النبوية فحسب،
بل هي بحق رسالة في سيرة
الإنسان، الإنسان العاقل المتأمل
Homo Sepiens
ماضيه
وحاضره ومستقبله.
يكفينا هذا في مجال
المقارنة، ونحاول فيما يلي أن
نعرض الرسالة الكاملية بشيء من
التفصيل:
يقول
ابن
النفيس:
"
قصدي في هذه
الرسالة اقتصاص ما ذكره فاضل
بن ناطق عن الرجل المسمى بكامل فيما يتعلق بالسيرة
النبوية والسنن الشرعية على
طريق الإجمال ومرتباً كلامي على أربعة
فنون:
الفن الأول: في
كيفية تكون هذا الإنسان المسمى
بكامل وكيفية وصوله إلى تعرف العلوم
والنبوات.
الفن
الثاني: في كيفية وصوله إلى
تعرف السيرة النبوية.
الفن الثالث: في كيفية
وصوله إلى تعرف السنن
الشرعية.
الفن
الرابع: في كيفية وصوله إلى
معرفة الحوادث التي تكون بعد وفاة خاتم النبيين صلوات
الله وسلامه عليه وعليهم
أجمعين".
الفن
الأول:
يحدثنا ابن النفيس
في الفصل الأول عن كيفية تكون
الرجل المسمى بكامل بطريقة التولد الذاتي أو التلقائي
Spontaneous Generation
فبقول إنه اتفق حدوث سيل كبير
في جزيرة معتدلة الهواء كثيرة
الأشجار والثمار، وخالط هذا
السيل تراب كثير مختلف الطبائع لأجل اختلاف الترب التي
مر هذا السيل بها، ونفذ شيء
من هذا السيل في مغارة في جبل هناك فملأها، ولم يزل
ينطبخ بما حدث فيه من الحرارة
حتى صار له مزاج قريب جداً من الاعتدال، وصار قوامه
لزجاً قابلاً لأن يتكون منه
الأعضاء، واختلف أجزاؤه لأجل اختلاف طبائع التراب
المخالط له. وكان يتبخر من ذلك
الطين أبخرة كان بعضها هوائياً لطيفاً تكونت منه
روح إنسانية، واكتمل بذلك
إنسان. إلا أن هذا الإنسان يختلف عن ذلك المتكون في
الرحم، لأنه يتغذى وينمو فترة
طويلة داخل المغارة كما يتغذى الفرخ في البيضة، فيخرج
منها صبياً مترعرعاً عظيم
البدن قوي الإدراك.
هذا إذن " كامل) بطل
الرواية. أما كيفية تعرفه
للعلوم والحكمة فهي موضوع الفصل الثاني الذي خصصه ابن
النفيس لما يسمى في المصطلح)
الفلسفي بنظرية المعرفة أو بالابستمولوجيا وهي عند ابن
النفيس مزيج من التجريبية
الأمبريقية والتأمل الغائي (1لتليولوجي). إذ إن كاملاً
"
حين خرج من المغارة شاهد
الفضاء والضوء والأشجار، وسمع أصوات الطيور وخرير. ماء
البحر والأنهار وحفيف الرياح،
وشم روائح الزهور، وذاق طعوم الثمار، وأدرك حر الهواء
وبرده... " باختصار، كان أول
لقاء لكامل بالواقع عن طريق حواسه الخمس وما تتلقاه من
العالم الخارجي. ولكنه سرعان
ما لجأ إلى التجريب، فصار يشق بطون الحيوانات التي
يتمكن من إمساكها أو يصادفها
ميتة، يفعل ذلك بالظفارة وبما يجده من الأحجار الحادة
الأطراف، حتى وقف بذلك عن كثير
من منافع الأعضاء... " ثم جاء التأمل الغائي:"..
فعلم من ذلك، أن وجود جميع
أجزاء الحيوان والنبات إنما هو لغايات ومنافع، وأنه ليس
شىء منها معطلاً وموجوداً
سدى... ثم فكر في أن هذه الموجودات، مع إتقان وجودها
وإحكامه، هل هي موجودة بذاتها
أو بموجد آخر. وإذا كانت بموجد، فما ذلك الموجد وكيف
حاله". وهداه منطقه إلى أن
موجد الممكنات لا بد أن يكون هو غير ممكن، أي أنه موجد
واجب الوجود، عالم بكل شىء
ومعتن بكل شىء، " إذ لولا ذلك لاجتمعت علل ومعلولات لا
نهاية لها". واضح هنا كم
يعتمد ابن النفيس على الفلسفة اليونانية للبرهنة على وجود
الله، فهو يستعمل فكره "
المحرك الأول الذي لا يتحرك
(the prime mover unmoved)
كما
يحذر من الوقوع في المتناقض
الذي يسميه المناطقة بالتراجع اللانهائي
inginite regress
وهو عموماً يحاور من منطلق
يعرف عند علماء الدين
The Argument from Design.
الفصل الثالث يلجأ
ابن النفيس إلى " تكتيك "
روائي يستطيع به، بعد أن عرض علينا آراءه في الطبيعة
ونظرية المعرفة، أن يتطرق إلى
علم الاجتماع- فيقول " واتفق أن الريح ألقت إلى تلك
الجزيرة سفينة في خلق كثير من
التجار وغيرهم وأقاموا هناك مدة لأجل إصلاح السفينة
مما نالها من قوة صرف الرياح
لها، وانتشر أهلها في تلك الجزيرة يحتطبون ويجنون من
ثمارها فلحظهم كامل ونفر منهم
أولاً، فألقوا إليه شيئاً من الخبز ومن طعام كان معهم
فلما أكله استطابه جداً لأنه
لم يكن قبل ذلك أكل غذاء صناعياً، ثم تأنس بهم فألبسوه
ثوباً واجتهدوا في تعليمه
اللغة فتعلم كثيرا منها. وأخبروه بأحوال مدنهم فتعجب من
ذلك إذ كان يظن أنه ليس سوى
تلك الجزيرة أرض، وأحب السفر معهم فحملوه إلى مدينة
بالقرب من تلك الجزيرة فأكل من
أطعمة أهلها ولبس ملبوسهم فالتذ بذلك لذة عظيمة
وتذكر ما كان عليه من سوء
العيش فعلم أن الإنسان لأجل فقدانه السلاح الطبيعي
واحتياجه إلى غذاء صناعي وملبس
صناعي ليست تجود عيشته إذا انفرد بنفسه، بل لا بد أن
يكون الإنسان مدنياً حتى يكون
مع جماعة يكون لبعضهم أن يزرع وللآخر أن يحرث وللآخر
أن يخبز وللآخخر أن يخيط الثوب
ونحوذلك.. هنا اختلاف واضح بين " روبنسون كروزو
"
كما يتصوره ابن طفيل وكما يراه
ابن النفيس. فابن النفيس يؤكد أن الإنسان لكي يكون
مدنياً لا بد أن يكون مع
جماعة، وأن هذه الجماعة لا بد لها من توزيع العمل بين
أفرادها وهذا رأي قديم في
الفكر اليونانى، ردده الفارابي من قبل في مدينته الفاضلة،
كما قال به ابن خلدون من بعد
عندما وصف الإنسان بأنه مدني بالطبع.
ثم ينتقل ابن النفيس
في تسلسله المنطقي خطوة أخرى
ليدلل على ضرورة النبوة بعد أن دلل على ضرورة الربوبية
، يقول " ثم تفكر (كامل) فقال
في نفسه: وإذ الإنسان يحتاج في جودة معيشته إلى ذلك
فهو لا محالة محتاج إلى وقوع
معاملة كبيع وإجارة ونحوهما، وهذه المعاملة تؤدي إلى
المنازعة، وكل أحد يرى أن ما
له حق وما عليه باطل، فلذلك إنما تجود معيشة الإنسان
بأن يكون مع جمع بينهم شرع
محفوظ تنقطع به المنازعة، وإنما يمكن ذلك بأن يكون ذلك
الشرع مما يتلقى بالطاعة
والقبول، وإنما يكون ذلك إذا اعتقد أنه من الله تعالى،
وإنما يكون ذلك إذا كان وروده
من شخص يصدقه الناس في إخباره أنهمن الله تعالى...!
ثم يمضى في وصف هذا الشخص إلى
أن يقول لا بد أن يكون هذا الشخص ذا معجز يشعر الأنفس
معه أن ما جاء به ليس بزور ولا
باطل بل هو حق من عند الله تعالى، والشخص الذي له
ذلك هو النبي
r …المستحيل
أن يترك الله تعالى خلقه هذا النبي مع نفعه العام ومع ذلك
فإنه لا يهمل خلقة شعر العانة
ونحوه مما يقل نفعه"!
وأحب أن أسجل هنا
رأياً لمايرهوف وشاخت خلاصته
أن ابن النفيس بمقولته أن الإنسان يستطيع تلقائياً
ودون وسيط أن يتوصل إلى معرفة
وجود الله، ثم بتأكيده ضرورة النبوة ووجوبها إنما
يتبنى وجهة النظر الماتريدية،
ويكون بذلك أقرب إلى المذهب الحنفي منه إلى الشافعية
التي ينتمي إليها، والتي هي
أقرب إلى الأشعرية
.
ومن ضرورة النبوة
ينقلنا ابن النفيس إلى ضرورة
تدرج محتواها لتواكب طاقات الأجيال المتعاقبة من الناس
وتلبي احتياجاتهم، فلا بد إذن
من تتابع الأنبياء حتى يأتي خاتم النبيين وهو أفضلهم
جميعاً "لأن النبوة بعده تنقطع
فلا بد أن يأتي بجميع ما يحتاج إليه في تكميل فائدة
النبوة".
الفن
الثاني:
يخصص ابن النفيس
القسم الثاني من رسالته لسيرة
خاتم الأنبياء، نسبه وموطنه وتربيته وهيئته ومقدار
عمره وذريته، ويحاول أن يثبت
لنا كيف ا أن " كاملاً " استطاع بتأمله العقلي البحت)
ن يحدد صفات هذا النبي، حتى
إذا وصل إلى الفصل التاسع وهو خاص، باسم النبي أوشك
كامل أن يجزم بأن اسمه" محمدا"!
ويضيق المقام هنا عن
ذكر كل ذلك تفصيلاً، ولكننا
سنورد بعضه حتى نتابع ابن النفيس في تسلسله
المنطقي.
فعن نسب هذا النبي
يقول إنه يجب أن يكون شريفاً
جداً حتى يذعن له الناس، وأشرف النسب ما كان إلى أولي
الدين، وأفضل ذلك ما كان إلى
نبي قد اتفقت الملل على تعظيمه، والنبي الذي هو كذلك
هو إبراهيم عليه السلام، لذلك
يجب أن يكون خاتم النبيين منسوباً إليه، ولما كان هذا
النبي غير منتسب إلى ملة غير
ملته، أي ليس يهودياً ولا نصرانياً، وإلا اعتبره الناس
مبتدعاً كافراً ونفروا منه،
لذلك لا يجوز أن يكون منسوباً إلى يعقوب أو عيسى ، بل
يجب أن يكون من نسل إسماعيل،
وأشرف ا هؤلاء هم بنو هاشم، فهومنهم.
وأما عن موطنه فقد
استنتجه "كامل "من سلسلة طريفة
من المقدمات والنتائج نلخصها فيما
يلي:
ا- الأعراب ونحوهم
من سكان البراري عقولهم
وآراؤهم أنقص مما يكون في أهل المدن. إذاً لا بد أن يكون
هذا النبي من أهل المدن.
2-
تتفاضل المدن
بأمور منها اعتدال الهواء أو
رخاء الأسعار أو كثرة الثمار أو كثرة المياه ونحو ذلك،
إلا أن العظمة الدينية في نفوس
الناس هي أولى الأمور التي بها ترجح المدينة، وخاصة
إذا كان بها معبد عظيم، وأفضل
المعابد وأقدمها هو البيت العتيق شرفه الله تعالى
فإنه أول بيت وضع للناس، إذاً
يجب أن يكون خاتم النبيين مولده مكة.
3-
لو مات النبي
ودفن في مكة، لكانت زيارته تقع
كالتبع لزيارة البيت، ولظن الناس بمضي الوقت أن الحج
لأجل البيت فقط ونسوا النبي
وشريعته: لذلك ينبغي أن يكون قبره في بلد آخر حتى يكون
السفر إليه لقصده فقط فيدوم
حفظ عظمته.
4-
لا يعقل أن يكون
خروج النبي من مكة عن اختيار
منه، بل لابد أن يكون اضطراراً. ولا يعقل أن يكون ذلك
على سبيل النفي أو الهزيمة في
القتال، فإن ذلك لا يليق بعظماء الناس. وإنما يكون
ذلك إذا كان هجرة من تآمر
الكفار على قتله خفية.
5-
فإلى أي بلد
يهاجر؟ لا شك إلى البلد الذي
مات فيه والده ليكون قبره إذا مات بالقرب من قبر
والده، أي إلى يثرب.
لا أود أن أطيل
عليكم، وإنما أردت أن أعرض
عليكم نموذجاً للتسلسل المنطقي الغائي الذي يستعمله ابن
النفيس متقمصاً شخصية " كامل "
للوصول إلى النتائج. وبنفس الأسلوب، ومن منطلق أن
هذا النبي يجب أن يكون بغاية
الاعتدال في المزاج والأخلاق، ويخلص كامل إلى النتائج
التالية:
ا- يجب أن يموت أبو
النبي أولاً ثم تموت أمه، وأن
يرضعه غير أمه، وأن يربيه بعد ذلك جده وأعمامه. كل
ذلك لتعديل مزاج النبي وأخلاقه
بتأثير المربين له.
2-
يجب أن يكود
النبي متناسب الأعضاء. بساماً
هشاً بشاً، قوي الحواس والذهن، فصيح اللسان- لأن هذه
هي صفات معتدلي الأمزجة.
3-
البدن المعتدل
ضعيف المقاومة للواردات، ولذلك
يكون النبي كثير الأمراض، ولكن أمراضه قصيرة المدة
غير شديدة ويسهل برؤها.
4-
أما عمر هذا
النبي فيجب أن يستكمل الكهولة
حتى تستوفي النبوة زمنها، وأن يموت قبل استحكام
الشيخوخة حيث يظهر الخرف
ونقصان الرأي. ويكون ذلك في الأبدان المعتدلة الأمزجة بعد
الستين بسنتين أو ثلاث
.
5-
لما كان مزاج هذا
النبي معتدلاً فيجب أن يكون له
بنون وبنات. أما البنون فيجب ألا تطول أعمارهم لأن
أعمارهم إذا طالت بلغوا إلى سن
النبوة وحينئذ إما أن يكونوا أنبياء وهو غير جائز
لأن أباهم هو خاتم الأنبياء،
أو أن يكونوا غير أنبياء وهذا يحط من قدر أبيهم لأن
كثيراً من الأنبياء كان
أولادهم أيضاً أنبياء. وأما بنات هذا النبى فيجوز أن تطول
أعمارهن إذ النساء لسن بأهل
للنبوة.
الفن
الثالث:
في هذا القسم من
الرسالة يناقش ابن النفيس، على
لسان " كامل " طبعاً، صميم العقيدة الدينية، فيقول
"
إنه ينبغي للنبي أن يعرف الناس
أن لهم صانعاً، وأن هذا الصانع من البهاء والجلالة
إلى حد لا نهاية له، وأنه يجب
أن يطاع وأن يعبد، وأنه لا إله إلا هو، وأنه ليس
كمثله شىء وهو السميع العليم،
ونحو ذلك مما يليق بجلال الله تعالى من القدرة التامة
والقوة الكاملة ". إلا أن
النبي ما دام يخاطب العامة والخاصة فعليه ألا يكلف الناس
ما لا يسهل فهمه " كأن يقول
مثلاً إن الله تعالى ليس في داخل العالم ولا هو في
خارجه، وإنه ليس بجسم ولا
محسوس ولا هو في جهة ولا إليه إشارة حسية، لأن الناس لو
اشتغلوا بفهم هذه الأشياء
تشوشوا واختل عليهم نظام شملهم فكان ذلك منافياً للمقصود
الأول من النبوة، فلذلك ينبغي
أن يكون ذكر النبي لهذه الأشياء ذكراً مجملاً من غير
تفصيل ظاهر، ومع ذلك فلا يهمل
من التفصيل أصلاً بل يجعل فى كلامه من الرموز
والإشارات ما يفهم الخواص منه
تفصيل ذلك كله مع افتقار العامة على ما يفهمونه من
ظاهرة
".
يتضح مما سبق أن ابن
النفيس يسلم بوجود العامة
والخاصة وأنه في مسائل التفسير والتأويل يتخذ موقفاً
وسطاً بين الظاهريين
والباطنيين، ولكنه لا يفرط في التأمل الصوفي كما هو الحال عند
ابن طفيل.
يناقش ابن النفيس
بعد ذلك مسألة المعاد، فيقول
إن " كاملاً " رأى أنه لا بد للنبي من ذكر المعاد،
ولكنه تساءل: هل يخبر به على
أنه روحاني أو على أنه بدني أو على أنه من مجموع
الأمرين وهنا يتعرض المؤلف
لمشكلة قديمة قدم الفلسفة نفسها، وهى العلاقة بين العقل
والجسم، أو بين الروح والمادة،
فيقول إن النبي لا يجوز أن يجعل المعاد روحانياً
صرفاً " لأن أذهان أكثر الناس
تقصر عن درك اللذات والآلام الروحانية ولا بدنياً
صرفاً فلا تكون معه سعادة ولا
شقاوة، بل لا بد أن يكون مركباً من البدن والنفس
معاً. وأحب أن أقرأ عليكم هنا
نص ما يقوله ابن النفيس في هذه المشكلة التي لا تزال
تشغل أذهان الفلاسفة حتى يومنا
هذا. يقول: أن " كاملاً " قال في نفسه لا شك أن
الإنسان مركب من بدن ونفس،
فالبدن هو هذا الشيء المحسوس وأما النفس فهي التي يشير
الإنسان إليها بقوله أنا، وهذا
المشار إليه لا يجوز أن يكون هو البدن أو أجزاؤه،
فإن كل أحد يعلم بالضرورة أنه
هو من أول عمره إلى آخره، والبدن وأجزاؤه كل منهما
ليس كذلك، فإن بدن الإنسان وهو
طفل ليس هو بدنه وهو شيخ، وكذلك أجزاء البدن، فإن
البدن وأجزاءه كل منهما كل وقت
في تحلل واغتذاء ، فهما لا محالة متبدلان دائما، ولا
كذلك ما يشير الإنسان إليه
بقوله " أنا " فإنه ثابت دائما... فلذلك لا بد أن تكون
النفس شيئاً غير البدن، والبدن
لا شك أنه جسم محسوس، ولا كذلك النفس فإنها جوهر
مجرد، إذ يستحيل أن تكون
عرضاً، فإن البدن إنما يتقوم بنفسه، والأعراض لا تكون
متقومة إلا بالجواهر...
".
ولحضرتكم أن تتبينوا
ما في هذا المنطق من طرافة
وجدة ولكني أود أن أنبه إلى قوله " إن البدن وأجزاءه كل
وقت في تحلل واغتذاء ، فهما
لا محالة متبدلان دائما " لأن هذا القول أصبح الآن
حقيقة مسلما بها في علوم
الفسيولوجيا والبيولوجيا، نستعمل لها مصطلح " الأيض
" (Metabolism )
بما فيه من هدم أو تحلل
(Catabolism)
وبناء أو اغتذاء
(Anabolism)
ولقد خاض الفلاسفة وما زالوا
في ثنائيات المادة والعقل، والجسد والروح، والعرض
والجوهر، والمحسوس والمحدوس،
والمجسد والمجرد، ولكن حديث الفلسفة يكتسب دائما
مذاقاً خاصاً عندما يكون
المتحدث عالماً أو طبيباً
.
يتفكر" كامل " بعد
ذلك في العبادات فيرى أن النبي
لا بد لكي يحفظ شريعته من النسيان من أن يسن تكرار
ذكراها، وإنما يكون ذلك بأشياء
خمسة، منها قول مفرد كالشهادتين، ومنها فعل بدني محض
كالصلاة، ومنها ترك بدني محض
كالصوم، ومنها مالي محض كالزكاة، ومنها مجتمع من
الأمرين بدني ومالي كالحج.
وهذه الأركان الخمسة منها ما إتيانه مشق جداً كالحج
فيكفي أداؤه في العمرة، ومنها
ما إتيانه سهل جداً كالصلاة فيحتمل الناس تكرارها في
اليوم مراراً لتذكرهم بالله
ورسوله، ومنها ما هو بين هذين في المشقة كالصوم والزكاة
فلذلك ينبغي أن يجعلا في العام
مرة وا حدة.
ويطبق كامل نفس
المنهج العقلاني على
المعاملات، فيقول وينبغي أن يجعل إرث الذكور أزيد من إرث
الإناث وإن كان الذكور أقدر
على الاكتساب، وذلك لأن الإناث عند التزوج تكون نفقاتهن
على أزواجهن، وبالنسبة للزواج،
فإن تعدد الأزواج يؤدي إلى فساد حال النسب ولا كذلك
تعدد الزوجات فلذلك ينبغي
للنبي أن يجوز للرجال كثرة الزوجات ولا يجوز للنساء كثرة
الأزواج.
الفن
الرابع:
القسم الرابع
والأخير من الرسالة الكاملية
موجود في نسخة اسطنبول ولكنه ناقص من نسخة دار الكتب
المصرية، وهذه النسخة المصرية
أقدم من النسخة التركية ويغلب الظن أنها خطت أثناء
حياة ابن النفيس، ولعل غياب
هذا الجزء منها كان متعمداً لما فيه من تعرض للسياسة
والحكم.
يتنبأ " كامل " في
الفصول الأولى من هذا القسم
بالحوادث التي تكون بعد وفاة خاتم النبيين، فهناك أولاً
نزاع أصحابه على الخلافة من
بعده، وهناك ثانيا اختلاف الآراء وتعدد المذاهب وانقسام
ملة النبي إلى طوائف مختلفة في
أصول الدين وفروعه تصنف فيها الكتب وتوقف لها
المدارس. ثم هناك ثالثاً
المعاصي التي لا بد أن تقع لملة هذا النبي الذي يحرم شرب
الخمر لأنه يذهب صحة العقل
والذي يمنع النساء من الانكشاف للأجانب، وأخيراً هناك
العقوبة على المعصية في شكل
غارات الكفار وقتالهم لأهل هذه الملة وفي كل هذه
التنبؤات ومبرراتها العقلية
يتبدى لنا ابن النفيس فيلسوفاً بالحتمية التاريخية
historicism or historical de trmiminism
أي أن التاريخ تحركه قوى لا
دافع لها
ويسير في مسار يمكن تعليله
منطقياً. وهناك كما تعلمون مدارس كثيرة في تفسير
التاريخ، هناك التفسير
الاقتصادي، والتفسير الاجتماعي، والتفسير البيولوجي،
والتفسير السيكولوجي، والتفسير
الايديولوجي وعشرات غيرها. وابن النفيس يستعمل أكثر
من مذهب في تفسيره للتاريخ.
انظروا مثلاً إلى
تفسيره الجغرافي لهوية الكفار
الذين يغيرون على أهل ملة النبي، فهو يرى أنهم
"
ليسوا ذوي ملة ولم تبلغهم
الدعوة بعد، فهم إذاً من أطراف الأرض ونائين عن العمارة
التي في البلاد المعتدلة. ولا
يمكن أن يكونوا من سكان الأطراف الجنوبية لأن هؤلاء
لأجل شدة حرارة أرضهم هم ضعفاء
القلوب، فلذلك لا بد أن يكونوا من الأطراف الشمالية
لأن أهلها أقوياء القلوب قساة،
ولا يمكن أن يكونوا من غربي الشمال فإن الناس هناك
قليلون جداً ومتفرقون في جزأئر
منتثرة في بحار كثيرة بخلاف شمالي الشرق ". هكذا
يتوصل ابن النفيس بمنطقه
الجغرافي إلى تحديد مصدر العدوان: الشمال الشرقي، أي
التتار المغولي، ثم يستطرد على
لسان " كامل " فيقول " إن استيلاء هؤلاء الكفار إنما
يكون على بلاد أهل الملة
القريبة منهم في الشمال، وإذا ملكوها فهم لا يغيرون ملة
هذا النبي ولا يأمرون الناس
بتغيير دينه إذ لا دين لهم يحوج إلى ذلك... بل إن
مخالطتهم لهذه الملة مما يدعو
إلى دخولهم فيها وانتصارهم لها ولذلك يكون فيهم نفع
كبير لأهل ملة هذا النبي...
أما ما يكون من البلاد بعيداً جداً عن بلاد الكفار حتى
لا يتمكن هؤلاء من الاستيلاء
عليها فإن أهلها يحتاجون إلى مقاومتهم ومدافعتهم،
وإنما يتمكنون من ذلك إذا حصل
لهم أمران: وهما كثرة الجيوش، وسلطان منهم شجاع" أما
كثرة الجيش فتستلزم زيادة
النفقة على الأجناد، " فإذا أهل هذه البلاد يؤخذ من
أموالهم أكثر مما كانوا عليه
أولاً، فلا بد أن تقل الأموال في هذه البلاد ويكثر
فيها الفقراء ونقصان المعيشة
وقلة الأرزاق ". وأما السلطان الشجاع " فلا بد أن يكون
شديد البأس جداً ليس في نفسه
فقط بل عند الناس أيضاً، لذلك يلزم أن يكون قوي القلب
قاسيا... ومثل هذا لا يكون أن
أهل المدن، فهؤلاء بعيدون عن هذه الأخلاق، بل لا بد
أن يكون من أهل بر أقوياء
القلوب، أي من شمالي المشرق.. أي أن السلطان لا بد أن
يكون إما من أرض أولئك الكفار
أو من أرض تقرب منهم وهكذا يبخل ابن النفيس على
المصريين أن يكون قائدهم
الشجاع واحداً منهم، وحجته في ذلك أنه لا يفل الحديد إلا
الحديد، ولكن علينا أن نتذكر
نقطة الزمان والمكان التي كان ابن النفيس يقف فيها وهو
يفسر الماضي ويبرر الحاضر، فقد
عاش معظم حياته كما قلنا في عهد الظاهر بيبرس وأدرك
فترة في حكم قلاوون، وكلاهما
كما قلنا من المماليك الذين يرتد أصلهم إلى قبائل
القفجق في القوقاز وجنوب
روسيا. وعندما يستطرد ابن النفيس في رسالته ليصف السلطان
فيقول "إنه لا بد أن يكون
مزاجه إلى حرارة، ولونه أحمر السمرة وشعره كثير، يؤثر
الأطعمة الباردة، يثب في نومه
كثيراً ويرى أحلاماً هائلة، ويحدث له الغشي كثيراً
ويسهل إسهاله " فهو في الحقيقة
يصف السلطان بيبرس الذي
كان هو طبيبه الخاص
وأدرى الناس ببدنه
وطباعه. ثم يتابع ابن النفيس
كلامه فيقول إن السلطان "يحتاج كثيراً أن يفارق محل
ومملكته ويبتعد عنها إلى جهات
الكفار ليرهبهم ويزيد في خوفهم، فلذلك يحتاج أن يكون
له من يخلفه في محل المملكة
ليقوم فيها مقامه
".
وهذا الوزير الذي
يستخلفه السلطان يجب أن يجمع
إلى شدة البأس لطف الفكر وحسن التأني، " لأنه يحتاج أن
يكون متمكناً من رضا الله
تعالى ورضا الرعية والأجناد... ". لا شك أن ابن النفيس
كان يعني بهذا قلاوون، قائد
بيبرس الذي خلفه في حكم مصر، والذي اشتهر بالعدل
والرحمة، يقول عنه ابن تغري
بردي في كتابه " المنهل الصافي ": " كان ملكاً كريماً
حليماً شجاعاً عادلاً عفيفاً
غير سفاك للدماء، يميل إلى خير ودين، وأبطل مظالم
كثيرة... منها أنه كان يؤخذ من
التجار عند سفر العسكر للغزاة عن كل تاجر دينار
".
ننتقل بعد هذا إلى
الفصلين الأخيرين من الرسالة ،
واللذين يمكن وصفهما بأنهما نوع مما يسمى الآن
بالخيال العلمي
(Science Fiction)
فبعد أن فرغ ابن النفيس من
تفسير الماضي والحاضر،
إذا به يتصدى للمستقبل يحاول
التنبؤ به، وهو يفعل ذلك معتمداً على علم الفلك أو
بمعنى أصح " الكوزمولوجيا "
الفصل التاسع يتحدث عما سيحدث في العالم العلوي فيقول
إن المسمى بكامل تأمل حركة
الشمس فوجدها في الصيف تدنو من الشمال وفي الشتاء تبعد
كثيراً من الجنوب، ومع ذلك
فإنها تدور كل يوم دورة موازية للدائرة العظيمة التي
بعدها عن ميل الشمس الشمالي
والجنوبي بعد واحد، وكذلك الكواكب المسيرة جميعها... ثم
إنه وجد مقدار بعد الشمس في
الشمال والجنوب عن منطقة الفلك الأعلى يتناقص، فعلم أنه
لا بد أن تبطل حتى يصير مدار
الشمس في منطقة الفلك العالي... ويلزم ذلك أمور: أحدها
أن يصير بعد القمر عن الشمس
أزيد مما هو الآن بكثير فتصبح الأهلة أعظم كثيراً...
وثانيها أن تطلع الشمس وسائر
الكواكب من المغرب... وثالثها أن دوران الشمس يصير
حينئذ دائما في خط الاستواء
فلذلك يستوي النهار والليل في جميع البلاد.... ورابعها
أن الفصول حينئذ تبطل وتكون
المواضع الزائدة البعد عن خط الاستواء شديدة البرد
دائما وخط الاستواء وما يقرب
منه شديد الحر دائما... وتكون طبيعة الهواء لا محالة
غير ملائمة لمزاج الإنسان
فيكون الناس حينئذ خارجين عن الاعتدال جداً فتسوء أخلاقهم
وتكثر الشرور والفتن
".
أما الفصل العاشر
والأخير فيصف لنا ماسيحدث فى
العالم السفلي، وهو استمرار منطقي لما يحدث في العالم
العلوي (إن أن الشمي وقد صارت
دائمة المسامتة لخط الاستواء بحيث أصبحت هذه المنطقة
شديدة الحرارة جداً، وغيرها
شديد البرودة، فإن أمزجة الناس تخرج عن الاعتدال فتضعف
قلوبهم ويكثر منهم الموت
الفجأة، وتكون أخلاقهم ومعاملتهم رديئة، وتكثر الحروب
والفتن، ويتقدم الأشرار ويتأخر
الأخيار، وتفسد أذهان الناس حتى، لا تقبل العلوم
والحكمة، بل إن صورهم أيضاً
تختلف، حتى ليوجد إنسان يخاطب الناس ويكلمهم وهو على
صورة تشبه صور الدواب، وأكثر
قتلى الحروب من الرجال، فلذلك تكثر النساء جدا ولا
يجدن من يقوم بحاجتهن من
الرجال فتكثر بينهن المساحقة. وتصبح الأقاليم القريبة من
الاعتدال مناطق جذب لسكان
الأقاليم الحارة والباردة كالسودان والترك والتتار يأجوج
ومأجوج ، فتقل الزروع والثمار
وتغلو الأسعار. وفي باطن الأرض تتولد الرياح
والأدخنة، فتعلو وتتحرك في
المناطق الحارة بينما تتكاثف وتحتبس في المناطق الباردة،
ويصير ما تحت القطبين ثقيلاً
جداً بالنسبة إلى، وسط الأرض، فتندك الجبال، ويغيض
الماء، وتكثر الزلازل والخسوف
وتجف الأشجار وتندلع النار بأرض اليمن الكبريتية
وتمتد حتى تعم المنطقة
الاستوائية ويظلم الجو وتكثر الصواعق
والبروق...!.
هكذا يصور لنا ابن
النفيس نهاية العالم ويوم
القيامة وهو تصور يستمده، من معارف عصره في الفلك
والجيولوجيا. فكيف يكون البعث
إذاً ؟ يجيب ابن النفيس، بعد بطلان ميل الشمس لا بد
أن يحدث لها ميل آخر وذلك لأجل
استمرار حركة تلك الثوابت، فإذا كثر الميل عادت
الأرض إلى سابق حالها وصلح
الهواء لأن يعيش فيه الحيوان. فإذا حدثت في الشتاء أمطار
كثيرة وامتزج التراب بالماء
وحدثت له من حرارة الشمس العفونة صار ذلك صالحاً لأن
يكون منه بدن الإنسان وغيره من
الحيوان وتتمكن حينئذ النفس الإنسانية من تغذية
الجزء الصغير جداً المسمى
بعجب الذنب
(Coccyx)
وهو ما يبقى من البدن بعد موته
وبلائه وبه تتعلق النفس، وتكمل
بذلك أبدان الناس ويبعثون كما كانوا أولاً، وذلك هو
البعث سبحان الله القدير
العليم".
وهكذا تنتهي جولتنا
مع ابن النفيس بين، الماضي
والحاضر والمستقبل، وهو يحاول أن يقنعنا أن ليس في
الإمكان أبدع مما كان وسيكون،
وأن كل المعتقدات الدينية يمكن استنباطها عقلاً من
حقائق العلوم، فلا تعارض إذاً
بين الدين والعلم أو بين الشريعة والحكمة، وجدير
بالملاحظة أنه يستعمل في
رسالته هذه نفس النهج الذي هداه إلى اكتشاف، دورة الدم
الرئوية، وهو منهج التأمل
الغائي (التليو لوجي). وما بطله المسمى (كامل) إلا تجسيد
لفكرة الإنسان العامل في
الإسلام.
قلت في صدر كلامي
أني لن أصف ابن النفيس، أهو
طبيب متفلسف أم فيلسوف متطبب، وسأكتفي بنبذتين من أهم
مصدرين لترجمة حياته: فالعمري
يقول في " مسالك الأبصار" ان ابن النفيس " كان على
وفور علمه بالطب (النظري)
وإتقانه لفروعه وأصوله قليل البصر بالعلاج، فإذا وصف لا
يخرج بأحد عن مألوفه ". أما
الصفدي فيعلق في كتابه " الوافي بالوفيات على رسالة ابن
النفيس قائلاً " وقد رأيت له
كتاباً صغيراً عارض فيه رسالة.
حي بن يقظان.... ووصفه
بكتاب فاضل بن ناطق، وانتصر
فيه لمذهب الإسلام وآرائهم في النبوات والشرائع والبعث
الجسماني وخراب العالم، ولعمري
لقد أبدع فيه ودل ذلك على قدرته وصحة ذهنه وتمكنه في
العلوم العقلية
".
|