|
محتوى الكتاب:
بلغت الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس مرحلة من التطور جعلت
منها منارة للعلم والمعرفة في مرحلة كانت فيها أوروبا تعيش عصور
تخلفها، فإلى جانب دورها في الحفاظ على التراث الإغريقي عملت على
تطوير علوم الرياضيات و الطب والفلك والكيمياء، ومنها انتقلت هذه
العلوم إلى أوروبا حيث ظلّ العديد من المؤلفات العلمية تُدرّس في
الجامعات الأوروبية حتى القرن السابع عشر.
وفي الكتاب الصادر عن المجمع الثقافي بأبوظبي (الجراحة في الطب
الأندلسي) يُقدّم الباحث الدكتور محمود محمد هشام النعسان بحثاً
علمياً في فن الجراحة الذي تطور على أيدي الأطباء في الأندلس
للتعريف بما قدمه هؤلاء الأطباء العرب المسلمون في مجال الجراحة
والطب.
يتوزع الكتاب على مقدمة وثلاثة أبواب، ويحاول الباحثان في المقدمة
تحديد الأسباب التي دفعتهما لتأليف هذا الكتاب وفي مقدمتها التطور
الذي بلغته الجراحة حتى أصبحت أهم ما قدمه الطب عند العرب المسلمين
في مرحلة زمنية تمثل العصر الذهبي لهذه الحضارة، لكن المؤلفين لا
يتناولان هذا الفن خارج إطار تاريخ الطب الإسلامي بصورة عامة والطب
في الأندلس بصورة خاصة.
فالفصل الأول من الكتاب يبدأ بمقدمة حول تاريخ هذا الطب، لا سيما
ما يتعلق بمجال التأليف الذي بدأ مع عبدالملك بن حبيب السلمي صاحب
كتاب «المختصر في الطب» وفيه يقدم معلومات عن الطب العربي القديم
والأغذية والأدوية والطبائع، في حين أن أول من اشتهر بصناعة الطب
في الأندلس هو الطبيب حمدين بن أبان من أهل قرطبة والطبيب جواد
النصراني وأحمد الحرّاني وابن ملوكة.
أما أبوالقاسم بن أحمد المعروف بالمجريطي فيُعد أول من ظهر من
العلماء والأطباء المتقدمين، وقد تخرج على يديه عدد من العلماء
المشهورين أهمهم ابن الصفار وابن خلدون، وأبوالقاسم الزهراوي الذي
يمثل أهم الجراحين في الطب العربي.
ويضيف الباحث أن القرن السادس الهجري شهد ظهور عدد من الأطباء كأبي
العلاء الإيادي وابن باجة ومحمد الشريف الإدريسي، وأبوالوليد بن
رشد القاضي، ومع بداية القرن السابع الهجري أخذ الضعف يصيب جسد
الدولة الموحدية في المغرب ورغم ذلك ظل عدد من الأطباء يواصلون
عملهم.
إلا بداية القرن الثامن الهجري شهدت نشاط حركة التعليم في غرناطة
وظهور عدد من العلماء الذين قاموا بنشر العلوم كابن الرقام وعيسى
الأموي ومحمد العبدري ومحمد المالقي، بعد ذلك يقدمان ملخصاً لأهم
ما تميز به الطب الأندلسي وهو طبيعة البراري الأندلسية التي شجعت
البحث في الأدوية والأعشاب واهتمام عدد من الأطباء بما يكثر حدوثه
من أمراض إلى جانب عناية هؤلاء الأطباء بالوقاية والتأليف في
الوباء وأسبابه وقد جعلوا علم الجراحة علماً قائماً بذاته تميز
بالدقة في المصطلحات الطبية، والوضوح في العبارة.
في الفصل التالي يوضح الباحث نظرة الاستخفاف والامتهان التي كانت
موجودة قبل ظهور الأطباء العرب المسلمين الذين عملوا على تغيير
النظرة إليها حيث يعتبر علي بن ربن الطبري أول من وضع حجر الأساس
للجراحة عند الأطباء العرب المسلمين، وذلك في كتابه: «فردوس
الحكمة».
ثم جاء الرازي الذي تحدث عن آلام المفاصل والنقرس والظهر وعرق
النسا، وهو أول من وصف كيفية اجراء العمليات الجراحية لإزالة أجزاء
من العظام المريضة، كما تحدث عن خياطة جراحة البطن والأمعاء
وجراحات الدماغ والأذن والقروح، وقد وصل الطب إلى ذروته مع ابن
سينا الذي وصف عرق النسا وصفاً دقيقاً، وشرح آلام الظهر، وطرق
التحام الكسور، ما تحدث عن اصابات النخاع الشوكي، وبرع في جراحة
الأعصاب، أما في الأندلس فإن من اهتم بالتأليف في مجال الجراحة
العامة المقرونة بعلم التشريح هو ابو القاسم الزهراوي الذي كان
يمارس الجراحة والتخدير، وتشريح الأعضاء، في حين قام المجوسي
بدراسة القلب والدورة الدموية، ووصف أوعية القلب الرئيسية والدورة
الدموية، ولتوضيح التطور الذي بلغه علم التشريح في الأندلس يورد
المؤلفان بعض التفصيلات من كتاب التصريف لأبي القاسم الزهراوي
وفيها وصف للكثير من أعضاء الجسم ووظائفها.
الباب الثاني مخصص للبحث في أساطين الجراحة في الطب الأندلسي وفي
مقدمتهم أبو القاسم الزهراوي فإلى جانب التعريف به والشهادات التي
قيلت فيه يتحدثان عن حياته ومكانته العلمية لا سيما في الغرب
الأوروبي، ينتقلان بعدها للتعريف بكتابه الموسوم بالتصريف والذي
يعتبر أول كتاب علمي مصور في تاريخ الطب يتميز بالوضوح والبعد عن
النظريات إذ يتضمن مقالات في التشريح والطب العام والجراحة
والصيدلة .
كما يقدم الباحث فهرساً بمخطوطات هذا الكتاب وترجماته إلى اللغات
الأخرى، أما على صعيد الجراحة فيقدمان تعريفاً بأولات الزهراوي في
مجال جراحة الشرايين والمسالك البولية وعلاج الزوائد الأنفية،
واستئصال اللوزتين إضافة إلى جهاز الاستئصال الذي كان أول من
اخترعه، وإلى جانب الحديث عن أشياخ الزهراوي وتلامذته يدونان
الكثير من أقواله وأدبه الطبي.
ثم ينتقل إلى التعريف بشخصية طبية أخرى هي شخصية ابن زهر وما قيل
فيه من شهادات إضافة إلى الحديث عن علومه ومكانته العلمية بعد أن
تفرغ لممارسة الطب مزاولة وتأليفاً حيث عده ابن رشد أعظم طبيب بعد
جالينيوس إذ كان جيد الاستقصاء في الأدوية المفردة والمركبة وحسن
المعالجة كما كان أول من وصف الجهاز التنفسي، وقد كان تأثيره في
أطباء أوروبا خلال العصور واضحاً، كما كان أول من أبرز قيمة العسل
الغذائية والدوائية، وعني بدراسة الأمراض المتوطنة، ويعد كتابه
«التسيير في المداواة والتدبير» أهم مؤلفاته وفيه تحدث عن أطباء
عصره.
وينتقل الباحث في الفصل الثالث إلى التعريف بطبيب آخر هو
القربلياني الملقب بالشفرة وعلى غرار منهجهما السابق يقدمان
تعريفاً بحياته التي كرسها لعلمه وتأليفه، حيث كان كتاب الاستقصاء
أهم مؤلفاته، وقد قسمه إلى ثلاث مقالات تحدث في الأولى عن الأورام
وفي الثانية عن الجراحات والجبر وفي الثالثة عن الأدوية المفردة
والمركبة التي تصلح للأورام والجروح والحروق والجبر ثم يشرحان منهج
القربلياني في هذا المؤلف مبينين أهمية الكتاب وموثقين مقدمته في
علاج الجراحات والأورام بعدها يبحثان في الباب الثالث في مساهمات
الطب الأندلسي في الجراحة
وفي هذا الباب الذي يعد الباب الأطول يتحدث في الفصل الأول عن
الجراحة العامة من خلال مساهمات الزهراوي في الجراحة العامة
والاستئصال الجراحي وصنع الشقوق والعملية الجراحية في الفتق السري
إلى جانب التمييز بين الفتق الاربي المائل والفتق الاربي المباشر
وعلامات الأطراف المتعفنة كما يشرحان طريقة الجراحة الوعائية عنده
وكيفية تدبير بعض الاختلاطات في حالة كي الشريان، والنزف الناجم عن
انقطاع الشريان بسبب الجرح، ويفردان للفصادة والحجامة عند الزهراوي
مكاناً خاصاً يشيران فيه إلى أنه أفرد في المقالة الثلاثين باباً
تحدث فيه عن فوائد الحجامة وأوقات إجرائها وطريقتها وآثارها وكيفية
السيطرة عليها .
ويشير في هذا الصدد إلى أن الزهراوي كان أول من أشار إلى الجراحة
التجميلية ووصف بعض العمليات الجراحية لهذا الغرض كما كان من الذين
أكدوا على عدم جدوى استئصال الورم العظيم المتمادي الذي يصعب
استئصاله كاملاً، وفي النهاية يوضحان مساهماته في الجراحة العامة
والتغذية عن طريق الأنبوب عند تعذر البلع.
في الفصول التالية يتناول مساهمات الطبيب القربلياني في الجراحة
العامة وأولها جراحة الأورام، وهنا يشيران إلى أنه أول من تكلم عن
علامات السرطان بشكل عام وعن العلاج الجراحي له حيث ميز بين نوعين،
نوع واقع في موضع كثير اللحم، ونوع متقرع، ثم يبين أهمية العلاج
المبكر له للشفاء منه، وتعتبر الجراحة العظمية والجراحة الرضية
جزءًا مهماً من الجراحة في الطب الأندلسي، ويعد الزهراوي من الذين
تحدثوا عن طب الكسور والجراحة العصبية تليها مساهمات ابن زهر
والقربلياني.
لكن الجانب الأهم في هذه الجراحة هو مساهمات الزهراوي في جراحة
الرأس والجراحة العينية والأنفية وجراحة والفم والأسنان والخبرة
تأتي بعدها مساهمات ابن زهر والقربلياني في الجراحة العينية
والأذنية وجراحة الرأس.
أما بالنسبة للجراحة البولية التناسلية فيفرد لها الفصل الرابع،
وفيه يعرض لما قام به الزهراوي من وصف لاستعمال القسطرة البولية
بدقة بالغة إضافة إلى حديثه عن حصاة المثانة وعلاماتها وكيفية
استخراجها إلى جانب الحديث عن الجراحة النسائية لا سيما فيما يتعلق
منها بالولادة وعلاج الحمل خارج الرحم.
أما مساهمات ابن زهر فتظهر في حديث الأدرة المائية في الخصية
والفتق، وقد خصص الباحث الفصل الخامس والأخير لعرض مجموعة من الصور
للأدوات التي كان يستخدمها الجراحون العرب في الأندلس والوظائف
المحددة لها ثم يقدمان تلخيصاً مكثفاً لما احتوت عليه فصول الكتاب
من معلومات طبية عامة عند العرب المسلمين وشرح للجراحة في الطب
الأندلسي بصورة خاصة ولما بلغته هذه الجراحة من تطور ومعرفة وتقدم
تجلى في اعتماد مؤلفات هؤلاء الأطباء في عدد من الجامعات الأوروبية
حتى زمن ليس بالبعيد كثيراً مما يؤكد الدرجة العلمية التي بلغها
الطب وبالتالي الدور الذي لعبته في التأسيس لعدد من مجالات الطب
الجراحي فيما بعد.
|