|
أما المقالة الثلاثون والتي استخلصت منها بحثي هذأ، فقد خصصها أبو القاسم
للبحث في الجراحة وهدف منها إلى إحياء فن الجراحة كما درسه الأقدمون،
وتعتبر هذه المقالة أول ما كتب عن الجراحة بشكل علمي مقبول وكامل مع رسوم
توضيحية للأدوات الجراحية.
وإن كان لي أن أذكر بعض ما أسهم فيه أبو القاسم في تطوير الآلات الجراحية
فلا بد لي من أن أذكر باعتزار أنه كان أول من وصف الأنشوطة أو المقصلة
واستعمالها لاستئصال اللوزاتTonsil
guillotine
والسكين المخفي
Concealed knife
لفتح الخراجات، والمبزل
Trocar
كما أنه أول من اخترع المقص الجراحي، والمحاقن
Syringes
ومفتت حصاة المثانة
Lihothotrite،
وهو الذي صمم المنظار المهبليVaginal
speculum
كما أن ما كتبه أبو القاسم ضن التوليد يدعو للاعتقاد الجازم بأنه فكر بملقط
الجنين والذي سمى فيما بعد بملقط شامبر
Chamberlens
forceps
وذكر في فصل آخر عن استعمال أمعاء الحيوان في الخياطة كما وصف التهاب
الوريد المهاجر
Thrombophlebitis
كما كان أول من وصف وصمم طاولة لرد الخلوع ونهايات الكسور المتراكبة وهو
أول من ركب خليطة لاستعمالها في الجبائر الجبسية، كما لوأنه قد عبد الطريق
لتطوير الجبائر الجبسية الحالية.
ولقد بلغ من شهرة أبي القاسم ومهارته أن صنفه الجراح المشهور في دي شولياك
Guy de Chauliac
في القرن الرابع عشر في مصاف أبقراط وجالينوس. كما أن
Fabricius Ab Aquapedente
في القرن السابع عشر قد ذكر ثلاثة أطباء هو مدين لهم بعلمه، أحدهم رومانيCelsus
والثاني إغريقي
Paulus
Aegineta
والثالث عربي هو أبو القاسم خلف الزهراوي.
ترجم الكتاب إلى اللغة التركية في القرن الخامس عشر سابونجو أوغلو شرف
الدين بن علي الحاج إلياس. وفي عام 778 1 م ترجمه جان جانينع
John Channing
إلى اللاتينية حيث يبدو من الملاحظات المذكورة في الكتاب أنه منقول عن
مخطوطة حلب (سورية).
وقد نشرت في عام 1908 فيLucknow
صورة عن النسخة العربية مع بعض الصور للآ لات الجراحية.
لا يسع قارىء (التصريف لمن عجز عن التأليف) إلا أن يحنى رأسه إكبارا
وإجلالا لأبي القاسم العبقري المبدع. لقد أدهشني الموقف وأنا أقرأ المقاطع
عن الكحل المتناثرة في (التصريف)، شدهت عجبا بمعرفة أبي القاسم البالغة
بالتشريح، شدهت عجبا بقدرته الهندسية وإبداعه بتصميم الأدوات الجراحية
وطريقة استعمالها. لقد وصف في فصل كي الأجفان لمعالجة الأطراف (Ptosis)
المكواة المحدبة وذات نصف قطر انحناء يعادل نصف قطر انحناء الظفر في الجفن
العلوي، وصمم مكواة أخرى ذات نصف قطر يعادل نصف قطر انحناء العظم الجبهي
المكون لحافة الحجاج العلوية لكي الجلد تحت الحاجب.
وفي فصل آخر يقترح أبو القاسم كي الجلد بالمواد الكاوية (مزيج الصابون
والكلس غير المطفأ) لتشكيل ندبة تتلو الكي. وتؤدي بالتالي إلى رفع الجفن
العلوي وإصلاح الشتر الداخلي وبالتالي منع الأهداب من تخريش القرنية.
يصف الزهراوي في فصل آخر المكواة المجوفة (كريشة النسر) لكي الناصور
الدمعي، ويشترط أن يكون الكي عميقا حتى تصل المكواة إلى الجدار العظمي، وفي
حالة فشل هذه الطريقة، ينصح الزهراوي بسكب الرصاص الذائب عبر قمع صغير في
قاع الناصور، ويؤكد على ضرورة الدقة في العمل لئلا يسيل الرصاص الذائب إلى
العين ويؤدي إلى ضرر بالغ. وأما إذا فشلت كلتا الطريقتين فينصح الزهراوي
بإجراء فتحة بين الكيسة الدمعية وغشاء الأنف المخاطي عبر عظم الأنف، وهي
طريقة توصف لأول مرة وتؤكد بما لا يقبل الجدل مدى معرفة الزهراوي
بالتشريح.
لم تتوقف عبقرية الزهراوي عند فن الكي وحسب، بل تعدتها إلى العمليات
الجراحية الفعلية، حيث ينصح بقطع الثآليل وكي قاعدتها لمنع النكس .
واستعمال المبضع لاستئصال الشرانق في الجفن ويؤكد على ضرورة استعمال
الصنانير الثلاثية لرفع الشرانق دون تمزيق الأغشية المحيطة بها، تم ينصح
بملء الفراغ الناجم عن الشرنق المستأصل بالماء والملح للوقاية من تشكل
الخراج وقد صمم الزهراوي واستعمل (ولأول مرة) المقص الصغير في هذه
العملية الجرا حية.
لا تختلف طريقة الزهراوي في تصنيع الجفن بشكل جذري عن الطرائق التي درسناها
حديثأ، ولا زلنا نمارسها يوميا مع أنني شخصيا أعتقد أن طريقته باستعمال قصب
الخيزران لإصلاح شتر الجفن العلوي ليست مبنية على أساس علمي مقبول.
تتجلى مدى معرفة الزهراوي للأسباب الامراضية لحدوث الشعرة وطريقة معالجتها
في فصله عن استعمال الإبرة والأنشوطة لتغيير مسير الشعرة غير الطبيعية
وإخراجها من مكان آخر بحيث لا تخرش العين. أما إذا كان سبب الشعرة ندبة
تشكلت على القسم الظفري من الملتحمة، فينصح الزهراوي باستئصال الندبة ووصع
المراهم المطرية ريثما يتم التندب بالمقصد الثاني دون نكس الشعرة.
يستغرب القارىء التقارب الشديد بين طريقة الزهراوي في معالجة الشتر الداخلي
للجفن السفلي والالتصاقات بين المقلة والملتحمة الجفينة وما ذكره كل من
Fox
وكالاهانCallahan
على التوالي رغم أن تصنيف الزهراوي للظفرة إلى عصبية وغير عصبية كان يعتمد
على الملاحظة السريرية البحتة ودون أي دراسة مجهرية تدعم ذلك الفر ض، فلا
شك أن الطريقة الجراحية لمعالجتها كانت سليمة ومنطقية، ورغم أنه استعمل شعر
البقر أو الخيل لتسليح الظفرة غير أنه استحدث حلا بديلا لهذه وتلك هو
استعمال المبضع الأملس الذي ذكر لأول مرة وأكد بشدة على ضرورة الحرص على
عدم ثقب الغشاء القرني وإلا أدى ذلك إلى تفتق القزحية، وهذا ما يدل على دقة
ملاحظته السريرية وسعة خبرته. يصف أبو القاسم ولأول مرة الصنانيرالمفردة
والمزدوجة للقط وقطع السبل بواسطة المقص الصغير، كما أنه لأول مرة يصف (المهت)
Scraping needle
واستعماله لنفس الغرض .
بحثنا حتى الآن مهارة ودقة أبى القاسم الزهراوي في العمليات خارج المقلة،
ولم تكن مهارته في العمليات داخل المقلة لتقل عن تلك خارجها. فالتشخيص
التفريقي بين الكمنة
Hypopion
والماء النازل (الساد)
Cataract
الذي وصفه الزهراوي ليدل بشكل قاطع على مدى ما يتمتع به من ملاحظة سريرية
بالغة الدقة. كما أن الطريقة التي وصفها لمعالجة الكمنة وذلك بإجراء شق
صغير في أسفل اللم (وهو صلة الوصل بين القرنية والصلبة) لإقراع متوى الحجرة
الأمامية، ثم استعمال المحاليل الملحية العالية التوترHypertonic
لمنع النكس لتدلك على مدى إدراكه للمشكلة السرير ية وحرصه على منع
الاختلاطات.
أما إذا انتقل الباحث إلى بحث (خلع الساد)The
couching of the catact
فلا يجد أي خلاف بين ما ذكره الزهراوي وما ذكره أقرانه في ذلك العصر. وهو
رغم ذكره المقدح المجوف
Hollow couching needle
والذي وصفه وصممه واستعمله عمار بن علي الموصلي في فصل (حكايات في قدح
الماء) من كتابه (المنتخب في علم العين) لمص محتويات الساد، فإن الزهراوي
يعترف بأنه سمع به وحسب، ولم يكن له أي خبرة باستعمال هذا المقدح .
يظهر الزهراوي دقة سريرية بالغة تدل على خبرة واسعة في فصله عن قطع العينية
وضمور العين
Phthesis Bulbi
بعد إفراغها من محتوياتها (الرطوبة البيضية، المائع الزجاجي
Vitreous).
لا بد أن يقف القارىء لـ (التصريف…) على عدد من الطرق الجراحية لمعالجة
بعض) مراض العين والتي يحار فيها الباحث أمام المنطلق المنطقي لتلك الطرق
والتي تبدو كما لو كانت ستسيء للمريض أكثر من أن تشفي علته. ومثالا على ذلك
أذكر استعماله للكي في معالجة الماء النازل (الساد) في العين واستعماله
الطريقة ذاتها في معالجة الدماغ المزمن ، والأغرب من هذا وذاك استعماله بول
صبي دون سن البلوغ لعجن الصابون مع الكلس غير المطافأ (2 ص 52) لمعالجة
الشتر الداخلي للجفن العلوي.
كما أن طريقته لاستئصال الوردينج وما ينبت من اللحم الزائد في العين لا
تخلو من اختلاطات قد تكون أكثر خطرا على المريض نفسه كحدوث الالتصاقات
بين الجفن والمقلة، والنزيف الذي قد يكون صاعقا حين تستأصل تلك الكتلى
المصابة بالتهاب حاد واحتقان شديد. لقد بذلت قصارى جهدي محاولا فهم المنطلق
المنطقي وراء ما ذكره الزهراوي في معالجة جحوظ العينExophthalmos
وذلك بفصادة القيفال (الناحية القفوية) والحجامةVenesection
ووضع الرباط الضاغط على العين، ولكن دون أن أجد ما يشفي غلتي كباحث وكجراح
عيني (كحالة). كما أنني فشلت في إدراك العلاقة بين الآلية الأمراضية
والطريقة العلاجية التي ذكرها الزهراوي لمعالجة سيلان الدموع الحارة
الدائم والدموع والنزلات إلى العينين من باطن الرأس .
وعلى الرغم من هذه الهنات البسيطة، فلا بد أن يحني الباحث رأسه إجلالا
وتكريما لأبي القاسم الطبيب، لأبي القاسم الجراح، لأبي القاسم المولد، لأبي
القاسم الكحال لأبي القاسم الإنسان الذي قدم للطب (رغم ضآلة الإمكانيات في
القرن العاشر الميلادي، ما لا يزالا يستعمل حتى يومنا هذا بعد عشرة قرون من
الزمن.
|