موقع أرض الحضارات :: الموقع الأول من نوعه في الوطن العربي :: الموقع الذي يتحدث عن الحضارات من أرض الحضارات :: آثار الوطن العربي: تعرف على آثار دول الوطن العربي كافة وضمن المراحل الزمنية المختلفة :: تراجم وأعلام: تستطيع التعرف على مجموعة كبيرة من الأعلام المميزين العرب وغيرهم المشهورين والمغمورين مع سيرتهم وأعمالهم التي جعلت منهم أعلاماً بحق :: التراث العلمي العربي الإسلامي: نحاول من خلال موقع أرض الحضارات التعريف بتراثنا العلمي العربي الإسلامي الذي حفظه لنا الزمن ونسلط الضوء على مواضيع جديدة تبرز القيمة الحضارية لتراثنا الذي وجدناه بحق أعظم تراث :: كتابات ولغات وخطوط: تعرف على الكتابات التصويرية الأولى والمسمارية والأبجديات الأولى مع اللغات المختلفة والخطوط الكثيرة المواكبة لكل لغة ::  العمارة: وهي شاهد حضاري مهم تتعرف من خلاله على المستوى الحضاري الذي بلغته كل مدينة عبر التاريخ :: أندلسيات: تعرف على ذروة الحضارة العربية الإسلامية والمتمثلة في حضارة الأندلس من خلال جوانبها العلمية والفكرية والمعمارية وغيرها من النواحي كافة :: المخطوطات العربية: تعرف على المخطوطات العربية التي حفظت لنا تراثنا الفكري والعلمي والذي استطاع العالم من خلاله الوصول لهذا المستوى العالي من الحضارة العلمية :: دراسات وأبحاث: تعرف على أرض الحضارات أكثر وأكثر من خلال الدراسات والأبحاث المنشورة في الموقع من قبل باحثين وعلماء من مختلف الدول العربية :: حلب عاصمة الثقافة الإسلامية 2006: نواكب معكم هذه الاحتفالية المميزة من خلال الموقع ضمن الفعاليات اليومية لهذا الاحتفال خلال عام 2006 ونرحب بجميع مشاركاتكم التي تغني هذه الاحتفالية بكل ما هو جديد وفريد :: أخبار وفعاليات: تابعوا أخبار الحضارات والفعاليات الثقافية من خلال الموقع :: المتاحف: هي مخازن الحضارات السابقة تعرفوا على هذه المتاحف وما تحتويه من بقايا الشعوب السابقة :: فنون: لكل حضارة فن خاص ومميزات فريدة نسلط عليها الضوء لنتعرف على معتقدات وأفكار كل شعب وحضارة :: التراث الإنساني: هو مجال واسع للتعرف على تراث الإنسانية من مختلف البلاد والشعوب والحضارات لنقترب أكثر ولنجعل ذلك تواصلاً للأفكار :: شعوب وحضارات:  هو مجال واسع للتعرف على حضارات الإنسانية من مختلف البلاد والشعوب والحضارات لنقترب أكثر ولنجعل ذلك تواصلاً للحضارات :: مكتبات ومؤسسات: نتعرف على الكثير من مكتبات البلاد المختلفة وتستطيعون التعرف على مكتبة أرض الحضارات وتستفيدون منها ونتعرف أيضاً على مؤسسات تعنى بالآثار والتراث على مدى البلاد ::    
   
   
   
   
   
   
   
   
 

إدارة الموقع

  المشاركات  
 

آثار الوطن العربي

تراجم و أعلام

التراث العلمي

كتابات ولغات وخطوط

العمارة

أندلسيات

المخطوطات العربية

دراسات و أبحاث

 

 

 

 

 

3 ـ مقدمة:‏

تظهر المباني عند أمة ما مقدار ما وصلت إليه من مبتكرات وتقنية، وما لها من ذوق وثقافة، كما تسهم مواد البناء المتوافرة لدى الأمم في إعطاء الشخصية المميزة لعمائرها، ففي بعض البلدان اعتمد الناس في البناء على اللبن أو الآجر، وبعضها على الحجر الغشيم، أو المنحوت، ومنها لا يتوافر لديه الخشب، فيلجأ إلى استخدام الحجر في التسقيف، ومنها من يتوافر لديه الخشب بكثرة، فيعتمد عليه في إقامة الجدران. ومن الطبيعي أن تكون المباني المشيدة بالحجر هي التي بقيت صامدة على مر العصور، خاصة في المناطق التي حوت الحجارة، مثل: مناطق الأناضول، وشمال بلاد الشام، والقاهرة، ومعظم المناطق في الهند، لتقدم لنا صورة متزنة، تتآلف فيها العناصر المحلية مع الأساليب الإنشائية، تجمعها كلها وحدة العمارة الإسلامية التي تحققت مع تنوع العناصر الإنشائية في المباني التاريخية الإسلامية.‏

إن رصد تطور المباني التاريخية الإسلامية مع الزمن، يساعد على تصور استعمالات مواد البناء وطرائق إنشاء المباني للمباني فيها، كما أن إنشاء المباني يأتي استجابة للشروط المناخية، والبيئية من جهة، وتلبية للحاجة الاجتماعية، بكل أشكالها وأبعادها من جهة أخرى، ومن هنا فإن الإطار العام للمباني التاريخية الإسلامية، وما يأتي من أوجه اختلاف في هذا المجال، إنّما هو انعكاس لاختلاف ظروف المناخ، وطبيعة الشكل التضاريسي، ووفرة مواد البناء، ونوعي تلك المواد بين أحجار وقرميد وأخشاب.‏

سوف يتم في هذا البحث رصد مواد البناء، وطرائق الإنشاء لكلا العمارتين من خلال الأمثلة الميدانية، لإجراء الدراسة المقارنة بينهما:‏

4 ـ طرائق الإنشاء الهندسي للعمارة التاريخية في المشرق العربي خلال العصر العثماني:‏

4 ـ1ـ نبذة تاريخية عن عمارة العصر العثماني في المشرق العربي (922 ـ 1337هـ‍ /1516 ـ 1918م):‏

قامت الدولة العثمانية بعد انتصار العثمانيين على السلاجقة، وعملت على مد سلطانها من آسيا الصغرى إلى البلقان، وما وراءها من أراضي البلغار، والصرب، ووصلوا إلى نهر التونة (الدَّانوب)، ثم استولوا أخيراً على القسطنطينية. واستمرت فتوحاتهم إلى الشرق والغرب، فبسطوا سلطانهم على بلاد الجزيرة، والشام ومصر، وما لبثوا أن اتخذوا لقب الخلافة الإسلامية. وقد خضعت لهم جزيرة العرب، وامتد نفوذهم إلى شمال إفريقية، وزادت هيبة الدولة العثمانية، وازدهرت الفنون فيها. وكانت العمائر العثمانية في بداية أمرها حلقة انتقال من الطراز السلجوقي إلى الطراز العثماني. ويبدو ذلك في المساجد التي شيدت في القرن (8هـ/14م).‏

أخذت المباني العثمانية تظهر في المشرق العربيّ بعد الفتح العثماني لها في مطلع القرن السادس عشر، ممتزجاً مع التقاليد المحلية التي استمرت تُعَبر عن ذاتها، ولا سيما في مباني بلاد الشام خاصة مدينة حلب التي حافظت على عناصر الإنشاء المملوكي . ففي العهد العثماني تغير تصميم المساجد، وتحولت قاعة الصلاة من صفوف القناطر، والبلاطات المتوازية إلى قاعة مربعة مسقوفة بقبّة كبيرة ذات رقبة متعددة النوافذ، وبذلك أصبح المصلى قليل الأعمدة والعضائد، ويتقدم المصلى رواق مسقوف بالقباب، وبدلاً من المدارس شاعت التكايا، كمجمع معماري له وظائف عديدة. كما حدث تطور في إنشاء الأسواق والخانات، نظراً للنمو الاقتصادي والتبادل التجاري، فأصبح السوق مجموعة معمارية متكاملة تضم المخازن التجارية، والخان والمعاهد العلمية، والمسجد والحمام. كما تَطوَّر بناء الخانات، وغدا معظمها مسقوفاً بالقباب أو القبوات، وعني ببنائها وزخرفتها بالحليات المعمارية والحجارة الملونة (خان أسعد باشا في دمشق، وخان الوزير في حلب). كما ارتقى بناء الحمامات، والبيوت والقصور، ووصل البيت الشامي إلى قمة رقيه، تشهد على ذلك عشرات البيوت التي ما تزال حية في المدن السورية (قصر العظم في دمشق، ودار أجقباش بحلب).‏

أما من ناحية العناصر الإنشائية فقد أصبحت القباب والأقبية هي العنصر الشائع في التغطية، وقد حلت محل الأسقف الجمالونية، أو الأقباء المعقودة. أما الأقواس أو العقود فقد شاع العقد المدبب، المتطور المكوَّن من أربعة أقواس (4 مراكز) (قناطر التكية السليمانية في دمشق)، كما شاع العقد الموتور فوق الأبواب والنوافذ. أما الأعمدة فقد شاع فيها استعمال التيجان المقرنصة، وظهر تاج جديد من الأعمدة متطور عن التاج المقرنص (مدرسة الفردوس بحلب). وظلت المقرنصات عنصراً لا يستغنى عنه في عقود بوابات المباني العامة، وأحياناً في زوايا القباب، من أجل تأمين الانتقال بين المستويات المختلفة، وأصبح للمآذن شكل مميز، فهي أسطوانية أو كثيرة الأضلاع، صغيرة القطر، ممشوقة القوام، تنتهي في أعلاها بقلنسوة مخروطية. كما شاع القاشاني كعنصر زخرفي في كسوة الجدران والواجهات. وتطورت النوافذ الجصية المعشقة بالزخارف الملونة، كما تطورت الفسيفساء الرخامية، وشاع منها الأبلق في دمشق، المكون من المعجونة الملونة. وفي زخرفة الأخشاب شاع العجمي في بواطن السقوف تغطيه الرسوم المصنوعة من المعجونة البارزة. كما تطورت زخرفة الأخشاب وظهر العجمي في سقوف الغرف، وفي كسوة الجدران.‏

ولإعطاء دراسة تفصيلية عن طرائق الإنشاء الهندسي في المباني التاريخية الإسلامية في المشرق العربي، خلال العصر العثماني، اخترت أمثلة من مدينة حلب كنماذج لإيضاح الدراسة.‏

4 ـ2ـ بيت أجَقْباش:‏

4 ـ2ـ1ـ نبذة تاريخية:‏

يقع في محلة الجدَيّدَة في شارع الياسمين، بجوار كاتدرائية السريان الكاثوليك، وهو من الدور الحلبية القديمة، يعود بناؤه إلى مطلع القرن الثامن عشر للميلاد . عُرفَ هذا المنزل باسم بانيه الأول قره علي، ثم عُرِفَ فيما بعد باسم أَجَقْباش وهو تركي الأصل، أما تسمية َ أَجَقْباش تعني بالتركية الرأس المكشوف، فهو اسم لعائلة حلبية سكنت البيت. تتميز الدار بواجهاتها المزينة بزخارف حجرية نباتية تعلو النوافذ على هيئة لوحات فنية رائعة تدل على الدقة المتناهية، كما تجسد روح الفنان الحلبي الذي مزج في الزخرفة بين الأشكال النباتية والهندسية مزجاً رائعاً، تذكرنا  بفن الروكوكو في أوربا، وقد ساعدت نوعية الأحجار الكلسية البيضاء والمتوفرة في حلب المعمار الفنان في تسهيل عمله، وتمّكينه من نقش وحفر هذه الزخرفة الفريدة. تَمَّ اقتطاع غرف الجزء الشمالي من الدار حين توسيع الشارع المؤدي من ساحة الحطب إلى بوابة القصب، وجادة الكيالي، كما أن سقف القاعة الغربية سقفٌ خشبيًٌّ فقط وهي بحالة جيدة. وتتميز الدار بوجود بركة ماء في القبو الغربي، يلجأ إليه سكان البيت هرباً من حر الصيف بالإضافة إلى مغارة محفورة بالصخر، ومخصصة للمؤونة، وهو معروف بواجهاته الحجرية التي يظهر فيها زخارف مملوكية، وزخارف الروكوكو.‏

4 ـ2ـ2ـ الوصف الهندسي:‏

أـ اختلاف مستويات الدار:‏

يعتبر هذا البيت من بيوت الفئة الممتازة بحلب لكبره وكثرة غرفه. وهو على خمسة مستويات:‏

(1) المستوى الأول: مؤلف من المغارة المنقورة في الصخر الكلسي.‏

(2) المستوى الثاني: مؤلف من الأقبية، له نوافذ مفتوحة على الباحة، ويوجد فيه حوض الماء.‏

(3) المستوى الثالث: مؤلف من أرض الدار (الصحن)، وحوض ماء وحديقة، ويحيط بها غرف المنزل، منها غرف كبيرة كالقاعة الرئيسية، وقاعة أصغر، وغرف صغيرة للسكن اليومي.‏

(4) المستوى الرابع: مؤلف من غرف صغيرة وضعت فوق الغرف الكبيرة أو في منتصف الدرج.‏

(5) المستوى الخامس: ويدعى بالمُربع، ويخصص للضيوف أو للسكن المنزلي.

ب ـ فتحات الجدران:‏

تنوعت أشكال الفتحات المشكلة للأبواب والنوافذ في بيت أَجَقْباش، فهناك النجفة المستقيمة، والقوس الموتور، والنجفة المختمة، والقوس المدبب كما في القوس الذي يعلو إيوان الدار، وقد زُينت الفتحات بالزخارف النباتية والهندسية، وزخارف الأرابيسك، كما أحاط بالواجهات من الأعلى أشرطة زخرفية (إفريز زخرفي حجري). وجميع الجدران والأقواس والفتحات بُنيَّت بالحجارة الكلسية والمادة الرابطة هي الملاط الكلسي.‏

ج ـ القبو:‏

فيه مصاطب للجلوس، وحوض للماء يُمضي فيه أصحاب البيت الأوقات الحارة في الصيف، أما سقفه فهو سقف حجري من الأقبية المتقاطعة.‏

د ـ قاعة الاستقبال الرئيسية:‏

تتمَّيز قاعة الاستقبال بمدخل يعلوه نجفة مختَّمة قوسية تستند إلى دعامتين حجريّتين، تتناوب فيها اللونان الأسود والأصفر، قاعة الاستقبال ذات طراز متميز فالعتبة واسعة مزخرفة بقطع المرمر الملونة المتداخلة بشكل هندسي في أرضيتها وجدرانها، فضلاً عن عمودين صغيرين في جبهتها الأمامية من الحجر الأصفر المزخرف بدقة، وفوق الجميع إفريز حجري، وللقاعة سقف خشبي يُعرف بالعجمي، تتدلى من وسطه ثعابين، كما يُحيط بالسقف إطار فيه كتابات وحكم وأمثال.‏

ه‍ـ ـ غرفة ملحقة بقاعة الاستقبال:‏

تقع هذه الغرفة إلى جوار قاعة الاستقبال اقتطعت منها، يفصل بينهما جدار خفيف، بها سقف خشبي، وهي لتخديم القاعة الرئيسية، وهذه الغرفة متصلة بغرفة داخلية بالقبو بدرج غير ظاهر، والغاية منه تأمين الاتصال المباشر بين القاعة الرئيسية والقبو.‏

وـ الإيوان:‏

يقع الإيوان في الجهة الجنوبية للدار يعلوه سقف خشبي تحيط به الكتابات وتتقدمه مظلة خشبية تمتد على جزء من باحة الدار، كما يعلو الإيوان قوس مدبب.‏

ق ـ المغارة:‏

ساعد على حفرها رخاوة التربة الكلسية التي تتميز حلب بها، ومنها يصل المرء إلى البئر وإلى الصهريج الخاص بالبيت.‏

4 ـ3ـ خان الوزير:‏

4ـ3ـ1ـ نبذة تاريخية:‏

يقع الخان في الجهة الشرقية الشمالية للمدينة شرقي الجامع الأموي الكبير في حي سويقة علي. بناه والي حلب قره محمد باشا عام (1683م). في الفترة التي كانت التجارة في أوج ازدهارها في مدينة حلب في العهد العثماني، أيام السلطان محمد الرابع العثماني، والذي أصبح وزيراً فيما بعد فدعي الخان بهذا الاسم.‏

4ـ3ـ2ـ الوصف الهندسي:‏

يتألف الخان في مسقطه الأفقي من صحن واسع تلتف من حوله أربع واجهات، تتألف الواجهة من مجموعة كبيرة من الغرف المسقوفة بأقبية سريرية ومحمولة على الأقواس الفارسية وهذه الغرف موزعة على طابقين. الطابق الأول يطل على الصحن بواسطة سلسلة من القناطر أما الباحة فيزينها مسجد صغير توضع وسطها بالإضافة إلى موضأ ومجموعة من الأشجار تلطف الجو وتؤمن التوازن الحراري. ولعل أجمل ما في الخان هو مدخل الخان بواجهته الداخلية والخارجية ونوافذه الغنية بالزخارف حيث تعد أجمل واجهة من واجهات الخانات في مدينة حلب.‏

أ ـ الأسقف:‏

استخدم في تسقيف الفتحات المختلفة الشكل في خان الوزير أنواع مختلفة من الأسقف. فقد استخدمت الأسقف الحجريّة المقببة السريرية، إضافة إلى الأقبية المتقاطعة، كما تم استعمال الأسقف المستوية في الأبنية البسيطة بالأبعاد الصغيرة نسبياً كالغرف، وقسم من الرواق الغربي والشمالي المضاف حديثاً، والأماكن التي لا تتجاوز أبعادها /2 ـ4/ أمتار، كما استخدمت أسقف خشبية ذات عناصر حاملة خشبية، وهي عبارة عن مقاطع خشبية دائرية أو مستطيلة مع مواد ردم بسماكات كبيرة نسبياً، تباعد هذه العناصر يتراوح تقريباً ما بين (30 ـ 50) سم، وذلك بهدف الاستفادة من السطح. كذلك تم استعمال جوائز فولاذية كأظفار رئيسية حاملة للكشك البارز من مسجد الخان وهذا الكشك مضاف للمسجد في عصور متقدمة، كما استعملت قباب على شكل نصف كرة لتسقيف المساحات الكبيرة نسبياً، كالمسجد وسط ساحة الخان والصالة الرئيسية للخان في الطابق الأول، ولتفادي قوى الدافع الأفقية عند نقاط الاستناد فقد تم سند القبة إلى جدران حجرية بسماكة (80) سم، أما القبة فقد بنيت من القطع الحجرية المرصوصة جنباً إلى جنب، بحيث المداميك الحجرية تشكل عنصراً متماسكاً، ووحدة متراصة قادرة على تحمل القوى الناظمية وفيما بعد طليت القبة بمادة طينية رقيقة كعازل لتسرب مياه الأمطار، وغطيت بصفائح من الرصاص ـ حالياً القبة مكسوة بطبقة إسمنتية رقيقة.‏

ب ـ الجدران:‏

جدران الخان مبنية من الحجر الكلسي الأبيض المشذب والمنحوت بدقة وعناية، وبسماكات كبيرة نسبياً لا تقل عن (70)سم أو من الغضار العادي أو المشوي. الواجهة الأمامية للخان شغلت حيزاً كبيراً من وقت المعمار، ومن جهده فقد تم إنشاؤها من الحجارة الكلسية الصفراء والبازلتية السوداء وبشكل متناوب، أما الزخارف الهندسية، والرنوك والكتابات، فقد تم نقشها جميعاً على الحجر الكلسي. وقد لوحظ استعمال العناصر الخشبية في بناء الجدران الحجرية كعناصر لامتصاص الهزات الأرضية، ولمنع انهيار الجدار في حال هبوط أحد الجدران بشكل كامل. كما تم استخدام روابط حجرية في بناء الجدران الحجرية ذات سمكات كبيرة وذلك لربط الوجه الداخلي والخارجي للجدار. أما في زريقة الجدران فقد استخدمت مادة القصرمل (مخلفات رماد الأفران).‏

ج ـ الفتحات:‏

تم استخدام أنواع مختلفة في تختيم الفتحات، فقد استخدمت الجوائز الخشبية كنجفات لبعض الأبواب، كما استخدمت الأقواس الصغيرة لتختيم النوافذ والأبواب، كذلك استخدمت الجوائز ذات القطعة الحجرية الواحدة لتختيم النوافذ.‏

د ـ الأعمدة:‏

استخدم نوعان من الأعمدة لتحميل أسقف الأروقة، الأعمدة الضخمة ذات المقطع المربع بأبعاد (80×80) سم والمبنية باستخدام قطع حجرية صغيرة مترابطة بالمؤنة الكلسية، أما الأعمدة ذات المقطع النحيف فعبارة عن قطع حجرية ثلاث: قاعدة حجرية مستديرة على عدة طبقات، وبدن اسطواني، وتاج مزخرف بالمقرنصات.‏

4ـ4ـ جامع العادلية:‏

4ـ4ـ1ـ نبذة تاريخية:‏

جامع العادلية بحلب هو أحد المساجد الجامعة، من العصر العثماني، يقع الجامع في ساحة بزة بالقرب من مدرسة السفاحية جانب حمام ميخان، وهو أول مسجد جامع يُبنى في حلب وفق النموذج العثماني، فيه بعض ألواح من القاشاني الجميل، بناه محمد باشا بن أحمد الرومي سنة (963ه‍ /1517م) . اشتهر باسم جامع العادلية أو العدلية لأنه كان يقع إلى جوار دار العدل الذي كان بمثابة دار للحكومة، وهي سراي سنقار على حد قول الغزي يصف الجامع قائلاً: "هذا الجامع من مشاهير جوامع حلب فخامة واتقاناً وأوقافه على كثرتها لا نظير لها، وهو مبني على نسق جوامع الروم، له رحبة متسعة في وسطها حوض مدور مسقوف بزخرف، ومحاط بشبابيك من الحديد، وفي الجهة الجنوبية من هذه الرحبة رواقان ممتدان من الشرق إلى الغرب على القبلية، القسم الداخلي منها مسقوف بالأخشاب، والقبلية واسعة جداً تشبه قبلية البهرامية، ولها شبابيك مطلة على حديقة، وللجامع بابان غربي وشرقي". ويعرفنا الطباخ  في كتابه إعلام النبلاء عن هذا الجامع قائلاً: "إن محمد باشا بن دوقة ين الرومي وُلْدْ السلطانة كوهر ملك شاه بنت عَمِة السلطان سليمان بن عثمان، تولى الوزارة للسلطان سليم وولده سليمان، وتولى حلب سنة 957ه‍ جامع العادلية من الجوامع المشهورة في حلب تقوم فيه الصلوات الخمس، وهو موضع عناية الجهات المسؤولة".

4ـ4ـ2ـ الوصف الهندسي:‏

أـ القبلية:‏

تقع القبلية جنوب الصحن، وهي تشابه قبلية جامع المدرسة الخسروفية التي بنيت عام (951ه‍). أبعادها من الداخل تقارب (16 ×16)م، عدا عن الايوانات التي ترتفع عن أرضية القبلية بحوالي (40) سم، فالقبلية ذات مسقط أفقي مربع، يتقدمها رواق من مجازين، في المجاز الأول خمس فتحات، وفي المجاز الثاني إحدى عشرة فتحة، تشكل الفتحة الوسطى ممراً إلى القبلية ترتفع على جانبيه في المجاز الأول مصطبتان.‏

جامع العادلية هو أول مسجد جامع في حلب يتقدم القبلية فيه رواق، وهو الوحيد بين المساجد القديمة بحلب يتشكل الرواق الذي يتقدم قبليته من مجازين. تشكل القبلية كتلة مستقلة بعيدة عن السور الخارجي للمنشأة، وهي مفتوحة من جميع الجهات بنوافذ كبيرة على الساحات والحدائق المحيطة بها، وتتصل في الجهة الشمالية بالرواق، يشكل جامع العادلية بكل عناصره الهندسية مثالاً نموذجياً للمساجد العثمانية.‏

ب ـ التسقيف:‏

يُغطي القبلية قبة واحدة كبيرة على شكل قطّاع من كرة تكسوها من الخارج صفائح الرصاص، فكان هذا إنجازاً مهماً كبيراً في فن العمارة بحلب، تستند القبة إلى رقبة دائرية يدعمها من الخارج ستة عشر بروزاً، بين كل بروزين نافذة، وفي كل زاوية عنصران داعمان كل منهما على شكل نصف قوس لمقاومة الدفع الأفقي عند تعرّض المنشأة لخطر الزلازل. يتقدم الرقبة من الداخل شُرفة تُسهِّل عمليات التنظيف والصيانة للقبة ورقبتها، تستند الشرفة والرقبة إلى ثمانية أقواس، خلف الأقواس الأربعة الزاوية حنيات ركنية، وتحت كل حنية ثمانية صفوف صفر من المقرّنصات تُؤمن مع الحِنيات الركنية الانتقال من المربع إلى الدائرة.‏

سَقف المجاز الأول من الرواق أمام القبلية خمس قباب نصف كروية مغطاة بصفائح الرصاص، تستند كل قبة منها مباشرة وبدون رقبة إلى الأقواس المدببة الأربعة المحيطة بها، ويتم الانتقال من الدائرة إلى المربع بمثلثات كروية.‏

ج ـ المئذنة:‏

أدخل العثمانيون إلى حلب شكلاً جديداً للمآذن أصبح من المميزات الرئيسية لمساجد العصر العثماني، برغم عدم انتشاره على نطاق واسع، ونُفِذ في عدد محدود من الجوامع، ومئذنة جامع العادلية تُجَسِّد الشكل النموذجي للمآذن العثمانية. يرتفع جسم المئذنة فوق السطح عالياً بمقطع من ستة عشر ضلعاً يحيط به من الأعلى شريط من المزرّرات المشكلة من تداخل المرمر الأبيض والأسود. تبرز الشُرفة فوقه مستندة إلى مقرنصات دقيقة وجميلة، وتحيط بالشرفة ستارة من الحجر المخرم، توضع في الوسط جسم آخر قصير ورفيع من ستة عشر ضلعاً تعلوه نهاية مخروطية مكسوة بصفائح الرصاص، وتوضعت المئذنة في الزاوية الشمالية الغربية من كتلة القبلية مشكلة جزءاً منها.‏

د ـ الصحن:‏

يقع الصحن شمال القبلية، يتوسطه حوض وضوء مسدس الشكل تعلوه قبة خشبية الصورة، ويُدخل إلى الصحن من الجهتين الغربية والشرقية عبر ممرين طويلين، وقد امتد في قسمه الجنوبي رواقان باتجاه (شرق، غرب). أُنشئت أحواض الوضوء غرب الرواقين، وأُنشئت الحجازية التي ضمَّت أحواض الوضوء حوالي عام (1380هـ/ 1960م). وجُعِل سقف الرواق الخارجي من البيتون المسلح عام (1975م).‏

هـ ـ الواجهات:‏

أولى العثمانيون الواجهات الداخلية لجوامع حلب عناية كبيرة، فزيَّنوها بالمُقرنصّات وبتناوب الألوان وتعددها، وبالقاشاني وألوانه الزاهية. واجهة رواق العادلية المُطلَّة على الصحن من أقواس حذوة الفرس المدبب، وهو أول استعمال لهذا النوع من الأقواس على نطاق واسع، ويتناوب الحجر الأسود مع الحجر الأبيض في القوسين على جانبي القوس الأوسط، كما وضعت نافذة دائرية بين كل قوسين، تستند الأقواس إلى أعمدة دائرية تعلوها تيجان مقرنصة. كما منح العثمانيون مدخل القبلية ضمن الرواق عناية كبيرة فَجُعل ضمن إيوان، وزُيّن بتناوب الحجر الأسود والأصفر بالمزرّرات والمقرنصات، والمُدلّيات والزخارف الحجرية وهذا ما نشاهده في مدخل قبلية العادلية، ومُلئت المساحة بين نجفات النوافذ والأقواس ذات المراكز الأربعة بالقاشاني من داخل القبلية وخارجها، كما نلاحظ استعمال القوس الموتور في بعض فتحات النوافذ والأبواب في الجامع، أما بالنسبة للواجهات الخارجية للجامع، فإن العثمانيين لم يَعتنوا بالواجهات الخارجية بصورة عامة، فجاءت الواجهات الخارجية للجامع بسيطة خالية من الزخارف.‏

5 ـ طرائق الإنشاء الهندسي للعمارة التاريخية الإسلامية في الهند خلال العصر المغولي الإسلامي:‏

5 ـ 1 ـ نبذة تاريخية عن العمارة الإسلامية المغولية في الهند (933 ـ 1275هـ/ 1526 ـ 1858م):‏

نشأ الطراز الهندي المغولي في ظل أسرة المغول الهندية الإسلامية، وهو الطراز الهندي الإسلامي وقوامه الأساليب الهندية القديمة، وما دخل عليها من أساليب فنية في العصر الإسلامي، وقد تأثرت عمارة الهند الإسلامية بالطرز المعماريّة الإيرانية، حتى رأى الكثيرون من مؤرخي الفن أن الأساليب المعماريّة الفنية الإسلامية في الهند منذ عهد المغول الإسلامي من الطراز الصفوي الإيراني، ولكن في الواقع أن العمائر الإسلامية التي قامت في الهند بين القرنين السادس عشر والثامن عشر الميلاديين، احتفظت بظواهر معمارية، ثم تطورت تطوراً مستقلاً عن العمائر الإيرانية. في هذا العصر كان للعمارة الإسلامية منشآتها التراثية المميزة والمستقلة عن المؤثرات الخارجية، كما كان في العصر السابق لها الذي كانت العمارة الإسلامية فيها متأثرة بالعمارة الهندية القديمة، فمنذ أن استولى بابر على دلهي وأعلن حكمه وسلطانه على البلاد رأينا أباطرة المغول يفوقون الفراعنة الأقدمين، أو على الأقل كانوا يحاولون ذلك في إنشاء مقابرهم التذكارية (الأضرحة المغولية ) لتحقيق غرضين:‏

أولاهما: استعمال هذه الأضرحة في حياتهم الدنيا كصالات احتفالات واجتماعات.‏

ثانيهما: استعمالها مقبرة لهم بعد وفاتهم، وقد كانت آثارهم حقاً تحفاً غالية من الوجهتين المعمارية والفنية، خاصة إذا ما أخذ بعين الاعتبار الأماكن والمسطحات الضخمة التي كانت تخصص لإقامة هذه المباني من حسن التنسيق والتخطيط، وجمال الطبيعة، وتنميق الحدائق، وتزويدها بالنافورات والفساقي وخلجان المياه، مما أضفى على هذه الأبنية سحراً وجمالاً (تاج محل في أكرا).‏

وقد أتاحت الفترة المغولية الإسلامية في الهند، الفرصة لنماذج العمارة الإسلامية، والعمارة الهندية المحلية لتنتج مزيجاً عرف بطراز العمارة الهندية الإسلامية، وهذا الطراز كان نفحة من عناصر معمارية وإنشائية وفنية عربية، وتقاليد معمارية إسلامية، إضافة إلى التقاليد المعمارية التي كانت سائدة في الهند.‏

وقد اهتم المغول المسلمون على غرار بقية الشعوب الإسلامية في بناء المساجد، فقد بقي المصلى يبنى على شكل بلاطات متوازية، تفصلها صفوف القناطر، مسقوف بالقباب البصلية يتقدمه رواق يطل على الصحن مسقوف بأسقف حجرية مستوية (المسجد الجامع في دلهي). أما المآذن فقد تميزت المساجد المغولية باشتمال معظمها على أبراج في زوايا المسجد إلى جانب المئذنة البرج، كما أصبحت المآذن أكثر رشاقة، وأطول قامة، فهي أسطوانية أو مضلعة، أو كثيرة الأضلاع، وتنتهي في أعلاها بخوذة بصلية مغطاة بالرخام. ونلحظ في العهد المغولي عناية خاصة بإنشاء الأضرحة، إضافة إلى بناء المدارس والأسواق والقلاع إلى جانب القصور الفخمة التي ما زال بعضها يدل على عظمة العمارة المغولية الإسلامية في الهند. حيث يلاحظ في بناء القصور أنها أصبحت أكثر جمالاً واتساعاًَ فالمظهر الداخلي للباحات والغرف مترف جذاب غني بالزخارف، وأصبحت القباب البصلية إضافة إلى القبيبات والأسقف الحجرية المستوية، هي العنصر الشائع في التغطية إلى جانب الأسقف الجمالونية والأقباء المعقودة. كما استخدمت القباب البنغالية. أما الأقواس فقد شاع المدبب على نطاق واسع إلى جانب حدوة الفرس المدبب والمفصص، كما انتشر استخدام الأعمدة المضلعة ذات القنوات الشاقولية إلى جانب الأعمدة الدائرية المنتهية بتيجان مقرنصة. أما من الناحية الزخرفية فقد شاع استخدام التطعيم بالرخام الأبيض على الحجر الأحمر، كما شاع استخدام الأحجبة الحجرية المصنعة من الرخام.‏

ولإعطاء دراسة تفصيلية عن طرائق الإنشاء الهندسي في المباني التاريخية الإسلامية في المشرق الهند، خلال العصر المغولي الإسلامي، اخترت أمثلة من مدينتي دلهي وأكرا كنماذج لإيضاح الدراسة.‏

5 ـ 2 ـ تاج محل:‏

5 ـ 2 ـ 1 ـ نبذة تاريخية:‏

امتازت العمارة المغولية الإسلامية في الهند ببناء الأضرحة الضخمة، وتعود بداية انتشار الأضرحة الإسلامية في الهند إلى القرن (13م)(19). وأشهر الأضرحة في العمارة الهندية المغولية الإسلامية هو ضريح تاج محل حيث ترجع معظم الأضرحة المغولية للفترة ما بين (14 ـ 17م). وقد التزمت كلها بنفس الروح، قاعدة مربعة أو مثمنة، وقبة ضخمة ومسجد صغير.‏

يعتبر تاج محل من أهم المنشآت المعمارية التي أنشأها الإمبراطور شاه جهان في أكرا حيث دام حكمه بين عامي (1628 ـ 1658م). وذلك تخليداً لزوجته أرجمند بانو، وتعني (كفاءة خانم أي السيدة الرفيعة القدر والشأن) التي اتخذت اسم نور محل، وما لبثت أن لقبت بلقب شاع بين الناس هو ممتاز محل (أي المرأة المختارة من بين نساء القصر). غير أن الاسم أخذ يحرف شيئاً فشيئاً، حتى صار تاج محل، وقد بقيت ممتاز محل تنعم بجوار زوجها بالسعادة، ورزقت منه بأربعة عشر طفلاً، حتى وافتها المنية وهي تضع مولودها الأخير سنة (1631م). فأمر زوجها الإمبراطور شاه جهان ببناء ضريح تخليداً لذكراها. أقيم على الضفة الجنوبية من نهر (جُمنا) وورد أيضاً بنهر (يُمِنى) عام (1631 ـ 1648م). ولاشك بأن تاج محل يعتبر بحق هو أعظم وأشهر الآثار الإسلامية، حتى لقب بألمع جوهرة في تاريخ العمارة بالهند. كما عرف هذا البناء بلؤلؤة العمارة الإسلامية، وفي نظر بعض النقاد والباحثين يعتبر مثالاً لحدائق الجنة، وتجسيداً لعلم الزخرفة الإسلامية.‏

وقد أشرف شاه جهان بنفسه على بناء المكان الذي ضم رفات الزوجين، وقد تميز شاه جهان بنخبة من المهندسين الذين حضروا من أواسط آسيا (الهند وإيران وتركية) لوضع تصميم مكتمل لا يحتاج معه إلى تعديل، أو لحذف، أو إضافة شأن العمائر الهندية المغولية، وبدأ العمل في البناء عام (1631م). واشترك فيه أساطين البناء المرصعين، والخطاطين الذين حضروا أيضاً من الهند وإيران وتركية، نذكر منهم، الأستاذ عيسى أفندي الشيرازي، (من شيراز وقيل إنه من تركية) فهو يعتبر المهندس المصمم الأول لهذا البناء، ثم أمانت خان الشيرازي الذي يعتبر ا لخطاط المميز، ثم الأستاذ محمد ضيف قندهاري الذي يعتبر المسؤول التنفيذي عن البناء، وأخيراً أحمد اللاهوري وأخوه حميد اللاهوري، المهندسان المساعدان في التصميم المعماري لمجموعة مباني تاج محل.‏

استغرق تشييد هذا المبنى من المقام إلى المسجد، والمآذن وردهة الاستقبال وغرف الخدمة والحدائق وبرك الماء، والجدران والبوابات مدة (22) عاماً، وبلغت التكاليف الإجمالية للمبنى حوالي عشرة ملايين من الدولارات، وتطلب الأمر لتعجيل الفراغ منه استخدم(20) ألف عاملاً. وذهب الكثير من نقاد الفن إلى أنه يكاد يكون أقرب المباني التي شيدها الإنسان إلى الكمال، فهو على ضخامة حجمه، يبدو كما لو كان صياغ الذهب هم الذين صاغوا أروع جوهرة أبدعوها، حيث يقف المرء مذهولاً أمام جمال هذا المبنى، ومن الغريب أن هذا الضريح لم يظفر قط بأي لوحة مصورة خلال حكم شاه جهان.‏

5 ـ 2 ـ 2 ـ الوصف الهندسي:‏

يعتبر تاج محل من أجمل التحف الغالية من الوجهة الفنية، كما يعتبر من أجمل اللآلئ الثمينة من الناحية المعمارية، خاصة إذا ما أخذ بعين الاعتبار الأماكن، والمسطحات الضخمة التي كانت تخصص لإقامة هذه المباني من حسن التنسيق، والتخطيط وجمال الطبيعة وتنميق الحدائق وتزويدها بالنافورات، والفساقي وخلجان المياه، مما أضفى على هذا المبنى سحراً وجمالاً.‏

قام بناء تاج محل في أكرا على مقربة من مدينة دلهي، تبعد أكرا حوالي (200) كم عن دلهي في وسط شمال الهند على رقعة من الأرض قياسها (580 × 300)م. تمتد من الشمال إلى الجنوب نحو الضفة الجنوبية لنهر (جمنا) وهو الرافد الأصلي لنهر الغانج. حيث يقع في وسط هذا المستطيل المترامي طويلاً حديقة تشغل حوالي (300) متراً مربعاً، باستثناء مستطيلين صغيرين أحدهما في الطرف الشمالي، والآخر في الطرف الجنوبي، وعلى القسم الجنوبي من الرقعة ارتفعت أبنية الخدمات، والاصطبلات، ومساكن الحراسة والبوابة الرئيسية، بينما تخترق وسط الحديقة بركة ماء كبيرة، ويوجد مسجد مشابه لردهة الاستقبال على طرفي مبنى الضريح حيث يقع المسجد إلى الغرب من الضريح. بينما ردهة الاستقبال تقع إلى الشرق من الضريح. وقد بنيا بحجر رملي أحمر. وقد توزعت في كل من زوايا الضريح مئذنة فارعة تعالت إلى (40) متراً، الصورة (12)، لتحرس مع رصيفاتها مقام سيدة التاج، أما مبنى الضريح فيشغل (40) متراً مربعاً، وكل واجهة منه يعلوها عقد مدبب شاهق يرتفع إلى (32) متراً. بينما تستدق قبته البصلية الشكل (ذات قطاع مدبب) لتنتهي بهلال يستطيل على الحديقة بذروة تبلغ (72) متراً، وارتفاع هذه القبة يتجاوز منارة قطب دلهي التي تبلغ (71) متراً، وهي أعلى منارة في العالم حتى الآن باستثناء مآذن الحرمين الشريفين.‏

ويزين جدران الضريح من الداخل صف من الحنايا الركنية الكامنة على شكل أقواس مدببة متوضعة على طبقتين (حيث تستند القبة إلى قاعدة مثمنة مكونة من (8) أقواس مدببة تستند بدورها إلى (8) أقواس مدببة أسفلها. كما يقوم الضريح وسط بناء مثمن تتوسط قمته قبة بصلية الشكل تتخللها المقرنصات قطرها حوالي (17) متراً، والانتقال من الدائرة إلى المثمن يتم عن طريق المثلثات الكروية. ويقبع تحت هذه القبة ضريحان أحدهما للزوج والآخر للزوجة، وقد زخرفت جدران القبة من الداخل بالآيات القرآنية (سورة الملك) و(سورة يس) و(سورة الفجر) و(سورة الزيتون). وينفتح في كل واجهة من واجهات المبنى عقد مدبب شاهق، حيث يقف المرء مذهولاً أمام جمال قاعدته المشكلة من المرمر الأبيض التي تشمخ فوق كل ركن من أركانها الأربعة مئذنة شاهقة، ويحيط بكل مئذنة ثلاثة شرفات دائرية متعاقبة، كما يحيط بالقبة المركزية البصلية أربع قباب بصلية أقل حجماً وارتفاعاً عن القبة الرئيسة، أما واجهات المبنى فهي مغطاة بالرخام الأبيض، وتحيط بالمبنى حدائق بديعة تجاوره مجموعة من المباني، وقد أشرف شاه جهان بنفسه على زراعة بعض أشجار حدائق المبنى.‏

أما بوابة مدخل تاج محل فهي ضخمة مبنية بالحجر الرملي الأحمر، وقد رصعت أطرافها بآيات قرآنية، والمدهش في هذه الكتابات أن الناظر إليها من أسفل يراها متشابهة كماً وكيفاً، وهذا النمط من رسم الخط قاعدة اتبعها الخطاط في جميع كتابات تاج محل، وهي تستلزم دقة متناهية نفذت ببراعة قامت على حسابات رياضية خاصة مبتكرة.‏

وتجدر الإشارة إلى أن فن البناء في الأبنية جميعاً يرتكز على الأسلوب المعماري الصفوي (الإيراني) مع الاقتصاد في الزخرف)(29)، وهذا يمنح الأبنية روحاً حالمة وينقل الزائر المتخصص إلى عالم من الخيال من خصائص الفن المعماري المغولي في الهند، أضف إلى ذلك أن ثمة فرقاً بين الأسلوبين يتناول زيادة أربع من القباب إلى القبة الأصلية، وهذا يعود إلى معتقدات هندوكية وبرهمانية، ترتبط بما وراء الطبيعة، وقيل إنه تأثر بطراز معماري عثماني، بسبب وجود القباب الصغيرة إلى جانب القبة المركزية الكبيرة.‏

ويمتاز هذا الأسلوب المغولي الإسلامي عن الأسلوب الصفوي بكثرة رخامه (من مكران) الذي يغطي جميع الجدران، مثلاً فقي صف الحنايا الكامنة (بشكل أقواس) التي تحيط بالرواق الأصلي في مبنى التاج الأساسي المثمن الأضلاع. وقد زينت المآذن الرخامية بنقوش بارزة رصعت حواشيها بأشكال هندسية بديعة وأحجار ثمينة مثل الياقوت الكحلي والعقيق والزمرد، وقد نهب أكثرها في أزمنة الغارات، أما من حيث هندسة الصوت فقد أبدع المعماريون في مراعاتها حيث أن صدى أيّ صوت يصل إلى المسامع مرتين مكرراً. كذلك نرى في هذا المبنى تطور طراز العمارة الإسلامية وانصرافها عن التأثير الهندي إلى تأثيرات إسلامية محضة، فالمبنى تميّزَ بالتفاصيل المعمارية والإنشائية والزخرفية ذات الطابع الإسلامي الذي جعل بعض المؤرخين الأوروبيين يظنون أن الذي صممه وبناه مهندس أوروبي، كما يلاحظ في هذا المبنى وجه الشبه بينه وبين مبنى جامع السلطان حسن بالقاهرة من حيث التكوين والتوزيع وجمال النسب والتعبير الدقيق.‏

إن النسب المستخدمة في البناء ودقتها، والفتحات وما تحدثه من ظل ونور، تخلق صورة جمالية متكاملة، كما أن استخدام القبة والأبراج في زوايا المبنى الأربع إضافة إلى استخدام المدخل ذي الواجهة المرتفعة الضخمة يوضح امتزاج التأثيرات المعمارية الإسلامية الإيرانية والهندية بأروع صورها. فالضريح يعبر عن الجمال والدقة والتصميم الرائع، والتنفيذ الدقيق والزخرفة البديعة. وقد اختلفت الآراء حول هذا الصرح المعماري الضخم، فبعض الخبراء يرى أنه مثال للتصميم العثماني الموجود في الهند، وقد أبدوا هذا الرأي على أساس وجود القبب الصغيرة الأربعة المحيطة بالقبة الكبيرة، وعلى حقيقة أن المهندس عيسى أفندي الشيرازي، وهو مصمم البناء و المعمار الأول، هو ذو أصل تركي و(قيل إنه من شيراز). كما يرى آخرون أنّه تصميم إيراني بسبب التأثير لضريح تيمور ولقبر إمام رضا في مدينة مشهد، ولابد أن نشير هنا إلى أن شاه جهان كان قد أمر ببناء صرح آخر على نسق تاج محل على أن يكون مبنياً من الرخام الأسود بما يعكس الجمالية اللونية في الحضارة الإسلامية التي ترمز إلى المجد الذكوري، وذلك على الجانب الآخر من نهر (جمنا) المقابل لتاج محل لكي يكون ضريحه فيه على أن يوصل بين هذين الصرحين بجسر يشير إلى الوحدة الأبدية بين المحب والمحبوب، ولكن للأسف تجاهل ابنه أورانجزب أمنية والده، ودفنه بجوار أمه.‏

5 ـ 3 ـ المسجد الجامع بدلهي:‏

5 ـ 3 ـ 1 ـ نبذة تاريخية:‏

يعد المسجد الجامع البديهي من أهم المعالم الأثرية التي أنشأها الإمبراطور شاه جهان بعد رائعته المعمارية تاج محل، حيث يتوسط المسجد مدينة دلهي إلى الجنوب الغربي من القلعة الحمراء، ويطل المسجد بواجهته الرئيسية على شارع المسجد الجامع الذي يلتف حوله من جهة الشمال أيضاً، أما واجهته الغربية فتطل على شارع جاوري باجاد)، بينما تطل واجهته الجنوبية على شارع (داريا جانج). استمر إنشاء هذا المسجد فترة (6) سنوات ما بين عامي (م1644 ـ 1650م)(35). وشارك في بنائه (5) آلاف عامل، وقد أطلق جهان على هذا المسجد اسم (مسجد جهانوما)، وتعني مسجد النشر العالمي، وتذكر المصادر أن هذا المسجد وخاصة واجهته الرئيسية بنيت على طراز مسجد الإمبراطور أكبر (جد شاه جهان) في مدينة فتح بور سيكري، حيث أطلعه والده الإمبراطور جهانغير على جامع فتح بور سيكري الذي كان يعتبر رمزاً لفخر التراث المغولي الإسلامي في الهند

5 ـ 3 ـ 2 ـ الوصف الهندسي:‏

تتميز المساجد الهندية ذات الطراز الهندي المغولي بامتداد مساحتها، وانفصال أجزائها بعضها عن بعض، حتى يكاد ذلك يفقدها شيئاً من الوحدة والتماسك، كما تتميز بمداخلها الكبيرة التي تبدو وكأنها أبنية قائمة بذاتها، كما هو الحال في المسجد الجامع بدلهي.‏

يتوضع المسجد الجامع على هضبة صخرية مرتفعة، يصعد إليه بحوالي (60) درجة، وهو عبارة عن مساحة مربعة طول ضلعها حوالي (160) متراً.  ويتكون المسجد من:‏

أ ـ الصحن:‏

صحن المسجد عبارة عن فناء أوسط، مكشوف يتوسطه حوض للوضوء.مبلط ببلاطات من الحجر الأحمر، وبالجبهة الغربية من الفناء توجد ظلة القبلية، وهي لا تمتد بامتداد الضلع كله، وإنما تشغل نحو ثلثي امتداد هذا الضلع، يحيط بالصحن (4) أروقة، وللمسجد ثلاثة مداخل كبيرة في الأضلاع الشرقية، والشمالية والجنوبية تؤدي إلى فناء المسجد وبأركان المسجد الأربعة توجد (4) أبراج كبيرة، وعلى جانبي قبلية الصلاة المطلة على الصحن توجد مئذنتان مرتفعتان.‏

ب ـ القبلية:‏

توجد ظلة القبلية بالجهة الغربية من فناء المسجد، وهي مستطيلة الشكل، طولها من الشمال إلى الجنوب (100) متر، ومن الشرق إلى الغرب (30) متراً، وتتكون ظلة القبلية من رواقين. كما تطل على الصحن بواجهة مكونة من (11) عقداً مفصصاً، العقد الأوسط أوسعها، وجميع هذه العقود بنيت بالحجارة الرملية الحمراء المطعمة ببلاطات رخامية بيضاء، وظلة القبلية مقسمة إلى مجازين، ومجاز بلاطة المحراب مقسم إلى سبع فتحات، الفتحة الوسطى أوسعها، وتعلوها قبة بصلية كبيرة (ذات قطاع مدبب)، ويتم الانتقال من المربع إلى الدائرة عن طريق الحنايا الركنية، والمثلثات الكروية. أما الفتحات الثلاث الأخرى الموجودة على كل جانب من جانبي الفتحة الوسطى (جانبي بلاطة المحراب)، فالمربعة الوسطى منهم تغطيها قبة صغيرة بصلية الشكل، تشبه القبة المركزية الكبرى، وإنما أقل حجماً منها، والانتقال من المربع إلى الدائرة يتم عن طريق الحنايا الركنية. والقباب الثلاث مبنية بالحجارة الحمراء المطعمة بالبلاطات الرخامية البيضاء. أما المربعتان الطرفيتان فسقفتا بسقف حجري مستوٍ، وجميع المربعات مفتوحة على بعضها بعقود مفصصة (زكزاكية) وهي مبنية بالحجر الأحمر، أما البلاطة الخارجية من ظلة القبلية تتكون من مربعة وسطى على محور مربعة المحراب الأوسط، وتعتبر هذه المربعة المدخل الرئيسي لظلة القبلية، ويعلوها عقد مفصص. وعلى جانبي مربعة المدخل توجد قاعتان مستطيلتان، كل قاعة تطل على فناء المسجد بـ (5) عقود مفصصة محمولة على دعامتين مستطيلتي المقطع من جهة، وعلى الدعامات الركنية من الجهة الأخرى، ويغطي هاتين القاعتين سقف حجري مسطح مكون من عدة بلاطات أفقية تستند استناداً بسيطاً. وأرضية الرئيسي الأوسط لظلة القبلية، والأرضية مبنية من الرخام الأبيض المرصعة بالرخام الأسود.‏

ج ـ المآذن:‏

للمسجد مئذنتان كبيرتان مثمنتان شاهقتان، تقعان في طرفي القبلية، وكل مئذنة قطرها يضيق كلما اتجهنا إلى الأعلى، وتتكون كل مئذنة من أربع حطات مثمنة، وهي مبنية من الحجر الرملي الأحمر المطعم بالرخام الأبيض، ويفصل بين هذه الحطات (3) شرفات محمولة على مقرنصات، وتنتهي كل مئذنة من الأعلى بجوسق مثمن مكون من (8) أعمدة مبنية من الحجر الأحمر، وتحمل قبة ذات خوذة بصلية الشكل تستند على رفرف حجري مائل. كما يوجد (4) أبرا ج تحيط بزوايا المسجد الخارجية، وهذه الأبراج كانت تستخدم قديماً في الآذان، فضلاً عن استخدامها ككتاتيب لتعليم الأطفال، نظراً لاشتمال كل برج على غرفة في أعلاه.‏

د ـ الواجهات:‏

أولى المسلمون المغول الواجهات الداخلية للمساجد في الهند عناية كبيرة، وتتألف واجهة القبلية المطلة على الصحن من الأقواس المدببة المفصصة التي تستند إلى أعمدة مستطيلة، تعلوها (8) مقرنصات، كما أنهم منحوا مدخل القبلية ضمن الرواق عناية كبيرة، فجعل ضمن إيوان، حيث بنى بالحجر الرملي الأحمر، وزين بالرخام الأبيض. أما الأروقة الثلاثة الأخرى، فهي تقع في الجهات الثلاث للمسجد الشمالية، والجنوبية والشرقية، وكل رواق مؤلف من مجاز واحد، وسقفه عبارة عن بلاطات حجرية أفقية مستندة استناداً بسيطاً، والأروقة الثلاثة مبنية بالحجارة الرملية الحمراء. وكل مجاز مقسم إلى قاعات وغرف، كانت تستخدم كمدارس لتحفيظ القرآن الكريم، والحديث الشريف، وعلوم الدين المختلفة. كما اعتنوا بالواجهات الخارجية للمسجد (عكس العثمانيون الذين جاءت واجهات مساجدهم الخارجية بسيطة خالية من الزخارف)، وبالزاوية الشمالية الشرقية من المسجد، وبالطرف الشرقي من الرواق الشمالي، توجد غرفة صغيرة مبنية من الرخام الأبيض، تعلوها قبة بداخلها توجد بعض الآثار التي ينسبها الهنود إلى الرسول ( منها شعرات وحذاء وجزء من ثياب، فضلاً عن قرآن كريم مكتوب بالخط الكوفي البسيط الذي ينسب إلى خط علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، (هذا بالطبع قابل للجدل والمناقشة). أما الواجهة المقابلة لواجهة القبلية فقد حوت على مشربية حجرية صغيرة مبنية الرخام الأبيض.‏

6 ـ النتائج:‏

كان الهدف من هذا البحث إظهار ورصد وتوثيق ملامح الهندسة الإنشائية المستخدمة في المنشآت التراثية الإسلامية في المباني التراثية في المشرق العربي خلال العصر العثماني، وفي المباني الهندسية التراثية خلال العصر المغولي الإسلامي، وذلك تبعاً لتنوع مواد البناء، واختلاف طرائق الإنشاء. أمكن تحقيق الهدف بوساطة أمثلة لمبانٍ تراثية في كتب تراثية وبالرصد المكتبي، وبالمسح الميداني أيضاً، وأمكن التوصل إلى دراسة وصفية تحليلية ضمن إطار هندسي، ومن ثم تمت الدراسة المقارنة من خلال الجداول، ويمكن تلخيص نتائج البحث حسب المواضيع التي جرت مناقشتها في الآتي:‏

ـ تبين من نتائج البحث طابع المعمار المسلم، وانعكاس بيئته وأفكاره ومعتقداته على أعماله، كما أسهمت طبيعة المنطقة الجغرافية في تكوين المظهر العامة والسمات التفصيلية للمباني التراثية وأساليب البناء.‏

ـ إن تطور إنشاء المباني التراثية كان وفقاً لتوفر مواد البناء، وتنوع طرائق الإنشاء، إذ أن المعمار المسلم استفاد من كافة الموارد الطبيعية في بناء الأساسات، والأسقف والجدران والعقود والقباب والمآذن، كما استخدم الأخشاب واللبن (الغضار). ومن الطبيعي أن تكون المباني المشيدة بالحجر أكثر بقاء على مر العصور، وأكثر متانة من مباني الخشب واللبن.‏

ـ بينت نتائج البحث أن براعة البنائين المسلمين في الهندسة الإنشائية لا تقل عن براعتهم ةفي الهندسة المعمارية. حيث تبين من التوثيق المكتبي، والرصد الميداني، وجود نماذج من المنشآت التراثية تنوعت حسب ظروف عصرها، فقد تميزت بالدقة في الإنشاء، والمهارة في البناء، واستعمال العناصر الإنشائية إضافة للعناصر الزخرفية التي وظفت لخدمة العمارة الإنشائية. وهذا يدعو إلى التفكير بإيجاد صلة قوية بين الهندسة الإنشائية، والعمارة التزينية. والمواءمة بينها للوصول إلى تكوين متين وجميل ورشيق، وأن لا يكون العنصر الزخرفي دون فائدة إنشائية، بحيث يكون لكل حركة زخرفية معنى إنشائي، وذلك باستعمال المواد المتوفرة، وتطييعها للتعبير عن الهدف الجمالي والإنشائي المقصود.‏

ـ أتاحت الفترة المغولية الإسلامية في الهند (1526 ـ 1858م)، لنماذج العمارة الإسلامية، والعمارة الهندية المحلية، لتنتج مزيجاً عرفة بطراز العمارة الهندية الإسلامية. وهذا الطراز كان نفحة من عناصر معمارية، وفنية عربية، وتقاليد معمارية وفنية هندية كانت سائدة في الهند. حيث لم يكن هناك قواعد أو نظريات مشتركة بين العمارتين (في المشرق العربي وفي الهند) إلا في فترة واحدة، وهي عصر العمارة الإسلامية في الهند، خاصة الفترة المغولية الإسلامية، وهذا ما بدا واضحاً من خلال الدراسة المقارنة.‏

ـ تبين لنا من خلال المقارنة بأن الطراز الهندوكي انتشر على نطاق واسع في العمارة الهندسة الإسلامية، وهو الطراز المتميز بالزخارف المستوحاة من نباتات البيئة الهندية في نحت الأحجار، بينما اشتركت العمارة في المشرق العربي بالكثير من صفات الزخارف، وتشكيل الفراغ وتصميم الأعمدة والعقود المتراكبة، وعلى الرغم من الاختلاف بين هاتين العمارتين في بعض التفاصيل، أو في بعض العناصر الإنشائية كمنحنيات القباب، والعقود والتكوينات المعمارية، أو بعض الزخارف، إلا أنها تشترك جميعاً في وحدة العمارة الإسلامية الكامنة وراء التكوينات المعمارية للمآذن والتشكيلات الزخرفية التي أصبحت تقليداً يحفظه البناؤون المسلمون عن ظهر قلب. واستمرت هذه الأشكال والتكوينات في عمارة المساجد على مر العصور متوارثة، وساعدت على قيام وحدة الطابع الإسلامي، مما كان من تشابه ظروف البيئة، ومن ارتباط بين لفظي العرب والإسلام، وقيام الخلافة الإسلامية التي سيطرت على أكثر البلاد التي اعتنقت الدين الإسلامي. هذا إلى جانب أسباب وظيفية من الناحية المعمارية، كوحدة الأسلوب المعماري في الجوامع كلها، نتيجة وحدة النظام في الصلاة، الأمر الذي أسفر عن هذا التشابه في التخطيط المعماري.‏

ـ تعتبر المنشآت التراثية الإسلامية المشيدة في الهند خلال الفترة المغولية، كنتاج عمل معماري إنشائي ناتج عن ا لعديد من التجارب المعمارية، والفنية التي قام بها المهندسون المسلمون في الهند. فالمبنى يجمع بين العناصر الإنشائية الهندية والإسلامية بأسلوب إنشائي مميز، حيث حازت هذه المنشآت وخاصة الأضرحة على اهتمام الحكام المسلمين في الهند، حيث استخدموا تصاميم مختلفة في إنشاء هذه المباني.‏

فالمهندس المسلم يضع كل حجرة في تصميم المبنى الإسلامي في المكان الذي ينبغي أن تحتله والذي لا تحدده سوى اعتبارات معيشية وحرارية، واعتبارات تمس العادات والتقاليد، خالقاً بذلك منشآت تراثية يطغى دائماً عليها الاستخدام الوظيفي المنطقي الذي يضفي عليها جمالاً مختلفاً عن الجمال الكلاسيكي.‏

ـ أثرت العمارة الإسلامية في المشرق العربي على العمارة الهندية المغولية، ولكنها تأثرت بالنقوش والزخارف النباتية والهندسية.‏

ـ تأثرت العمارة الهندية بالطراز الإيراني خاصة في المباني المشيدة في القرنين السادس عشر والثامن عشر وبالهند بظواهر معمارية، ثم تطورت تطوراً مستقلاً عن العمائر الإيرانية.‏

ـ أبدع المعمار الهندي المسلم بالزخارف والنقوش في استنباطها وتنوعها، وكان لها تأثير مباشر على النقوش في العمارة الإسلامية في البلاد الإسلامية المجاورة لها.‏

ـ حصل اختلاط الهنود بالعرب نتيجة الفتوحات الإسلامية، فشاهدوا الطرز الهندسية، واكتسبوا منها خبرة إنشائية، سواء الطرز الموجودة في بلاد الشام والأناضول، أو تركية وإيران. فتأثروا بها، وطوروها وأضافوا عليها، فبدأت مبان خاصة بالظهور تحمل طابعاً إنشائياً، ولمحات فنية مبتكرة اعتمد البناءون المسلمون الهنود في ذلك الوقت على الحس السليم، والتحليل المنطقي والخبرة والتجربة في تصميم وتنفيذ المنشآت، سواء في مجال مواد البناء أو طرائق الإنشاء. وكان استعمال المبادئ النظرية والحسابية محدوداً.‏

ـ إن المنشآت التراثية التي ما زالت باقية حتى اليوم تدل على خبرة المصممين والبنائين المسلمين ومهاراتهم، ويبدو أن معرفة مقاومة العناصر الإنشائية لديهم اعتمد على مبدأ التجربة والخطأ، والحس السليم والمهارة والخبرة، والمعرفة المكتسبة والموروثة من جيل إلى آخر. وهذا مما يفسر انتشار استعمال الأسقف والأقواس والعقود والقباب والجدران والمآذن، والعناصر الزخرفية. كما استخدمت الجوائز الحجرية والخشبية الأفقية المستندة على أعمدة أو جدران في تغطية الفتحات.‏

  
حلب عاصمة الثقافة

أخبار و فعاليات

المتاحف

فنون

التراث الإنساني

شعوب وحضارات

مكتبات ومؤسسات

قاموس المعلومات

شخصية الأسبوع

المراسلون

خدمات مجانية

English

 
   

 

 
 

 

 

   
     
طرائق الإنشاء الهندسي في العمارة التاريخية الإسلامية في الهند 

 د.وفاء النعسان

 

     

1 ـ الهدف من البحث:‏

يهدف هذا البحث إلى مهمة في ترسيخ المعلومات الهندسية في مجال الإنشاء الهندسي للعمارة التاريخية الإسلامية في الهند، خلال فترة العصر المغولي الإسلامي، والذي يواكب العصر العثماني في المشرق العربي آخذة بالحسبان نوعية المواد الإنشائية وطرائق تنفيذها.‏

2 ـ أهمية البحث:‏

إن لهذا البحث أهمية في أنه يكشف عن جانب من المعرفة في التراث العلمي العربي الإسلامي، لم يسبق أن عولج من قبل ضمن سياق العلم الهندسي المعاصر، إذ ستتم دراسة مقارنة بين ما هو متبع في العمارة التاريخية الإسلامية في الهند في نفس الحقبة الزمنية المعاصرة للعصر العثماني في المشرق العربي، وهي توافق فترة العصر المغولي الإسلامي في الهند، وبين ما هو متبعً في المشرق العربي خلال العصر العثماني، وذلك لرصد نقاط التشابه ونقاط الاختلاف وإبرازهما في المكونات الإنشائية، والجمل الإنشائية للمباني التي تعود للعمارة التاريخية الإسلامية في تلك الفترة الزمنية.‏