|
مقدمة الكتاب
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله
وأصحابه أجمعين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وبعد...
أضع بين يدي القارىء والدارس والباحث والمهتم كتابي "الفوائد
الثرية في المواقع الأثرية السورية" الذي قدَّر الله لي أن
أعده لما لمسته من حاجة كبيرة للتعرف على الكنوز الأثرية في سورية
العربية الحبيبة والذي يمكن أن نسميه (متحف سورية الأثري) أو
(حديقة سورية الأثرية). حيث تعتبر سورية أغنى بلاد العالم في مجال
الموروثات الأثرية عدداً وتنوعاً وأهمية علميّة بحيث أن بعثات
التنقيب والاستكشاف فيها فاقت ما عداها من الأقطار. ويعود ذلك
لسببين: الأول: موقعها الاستراتيجي المتميز الذي يجعلها قلب العالم
القديم. والثاني: اعتبارها مهداً مهماً للحضارة الإنسانية.
لقد بدأت عمليات التنقيب الأثري في سورية مع نهاية القرن التاسع
عشر. وقد أثبت التنقيب المواقعي أصالة سورية الحضارية، وبرزت أهمية
العمل الشامل في المسح الأثري، وتحديد المواقع الأثرية، واختيار
المناسب منها، لبدء التنقيب فيه، ومن ثم القيام بالصيانة الأثرية
اللازمة، لتكون المواقع شواهد أمينة على أصالة حضارتنا، وعمقها
الزمني، ولتهيئة المواطن الأثرية هنا وهناك موقعياً، للأغراض
السياحة الثقافية، باعتبارها تمثل صفحات مشرقة من ماضينا المشرق
العظيم، ويبلور العطاء الحضاري العربي.
وإذا كان امتلاك الآثار يغني الأمم مادياً، فإن إقامة الحوار
العميق بين الماضي والأجيال الصاعدة، يغني الأمم روحياُ، ويسدد
خطاها.
وعلى هدْيٍ من ذلك، فقد أعددت هذا الكتاب، الذي يضم صفحات مختارة
من تاريخ المسيرة الأثرية في القطر العربي السوري، وجمعته على شكل
(معجم ألف بائي)، وتناولت الكثير من المعالم الأثرية داخل المدن
السورية ، كما تعرضت لذكر المتاحف وما تحتويه من أقسام مختلفة
إتماماً للفائدة. وألحقت به دليلاً للعصور في سورية، وآخر
للمصورات. وأهدف من خلال هذا الكتاب أمرين أساسيين:
الأول: هو استخراج كل ما أمكن
من أسماء المواقع الأثرية السورية من المصادر والمراجع المختلفة.
والثاني: هو التحقيق ضمن حدود
الإمكانات المتوفرة في بعض المواقع الأثرية السورية، لأنه لا تزال
هناك زوايا كثيرة من المواقع الأثرية السورية لم يسلط عليها الضوء
الكافي بعد، إضافة إلى أن الدراسات الأثرية والتاريخية عموماً عرضة
في كل وقت للكثير من التغيير والتصحيح على مدى سنين طويلة، فكل يوم
تقريباً لنا موعد مع انجازات أجدادنا العظام الذين صارت مدنهم
ومستوطناتهم تدهش العالم بأسره.
وعلى الرغم من أن المعلومات التي يقدمها هذا الكتاب لا توازي الحجم
الحضاري لسورية، إلا أنني حرصت على أن أقدم التعريف بكل موقع أثري
تاريخي في يسر وتشويق يجعلان الكتاب قريباً من نفس القارئ بعيداً
عن السردية والجفاف العلمي، كما أن الكتاب سيمكن القارئ من الاطلاع
على أهمية سورية الحضارية، ويقدم صورة تكشف عن عظمة حضارتنا
الرائدة، ويهيئ دليلاً مبسطاً للمصادر والمراجع الأثرية اللازمة
لأغراض البحث والاستقصاء. مبيناً حجم الجهود الكبيرة المبذولة من
قبل المعنيين للكشف عن المعالم الحضارية والتراث الخالد في سورية
العربية الحبيبة.
وبعد، آمل أن يكون عملي في هذا الكتاب مرضياً للدارسين والباحثين
والقراء ومساعداً على كشف جوانب مضيئة في حضارتنا العربية
والإسلامية على مر العصور.
وأرجو أن يكون سجلاً ووثيقة مرحلية تؤرخ جهود المختصين من
الآثاريين والفنيين ورجال العلم كافة في المجالات التي تتقاطع
علومها مع علوم الآثار.
وآمل أن يتجاوز القارئ الكريم عما يجد في هذا الكتاب من هفوات
لأن الكمال لله وحده (سُبحَانَكَ لاَ عِلمَ لَنَا إلَّا مَا
عَلَّمتَنَا إنَّكَ أَنتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ)/البقرة:32/، لا
أدعي به الكمال، بل حسبي أن تكون أخطاؤه دليلاً على القصور البشري،
فكم ترك الأول للآخر، وأبتغي الاستفادة من الملاحظات والتصويبات
لأغناء الطبعة التالية بما يساعد على الاستفادة من هذا الكتاب بشكل
أكبر بإذن الله تعالى....
وهو المستعان ومن وراء القصد.
د.
محمد هشام النعسان
|