موقع أرض الحضارات :: الموقع الأول من نوعه في الوطن العربي :: الموقع الذي يتحدث عن الحضارات من أرض الحضارات :: آثار الوطن العربي: تعرف على آثار دول الوطن العربي كافة وضمن المراحل الزمنية المختلفة :: تراجم وأعلام: تستطيع التعرف على مجموعة كبيرة من الأعلام المميزين العرب وغيرهم المشهورين والمغمورين مع سيرتهم وأعمالهم التي جعلت منهم أعلاماً بحق :: التراث العلمي العربي الإسلامي: نحاول من خلال موقع أرض الحضارات التعريف بتراثنا العلمي العربي الإسلامي الذي حفظه لنا الزمن ونسلط الضوء على مواضيع جديدة تبرز القيمة الحضارية لتراثنا الذي وجدناه بحق أعظم تراث :: كتابات ولغات وخطوط: تعرف على الكتابات التصويرية الأولى والمسمارية والأبجديات الأولى مع اللغات المختلفة والخطوط الكثيرة المواكبة لكل لغة ::  العمارة: وهي شاهد حضاري مهم تتعرف من خلاله على المستوى الحضاري الذي بلغته كل مدينة عبر التاريخ :: أندلسيات: تعرف على ذروة الحضارة العربية الإسلامية والمتمثلة في حضارة الأندلس من خلال جوانبها العلمية والفكرية والمعمارية وغيرها من النواحي كافة :: المخطوطات العربية: تعرف على المخطوطات العربية التي حفظت لنا تراثنا الفكري والعلمي والذي استطاع العالم من خلاله الوصول لهذا المستوى العالي من الحضارة العلمية :: دراسات وأبحاث: تعرف على أرض الحضارات أكثر وأكثر من خلال الدراسات والأبحاث المنشورة في الموقع من قبل باحثين وعلماء من مختلف الدول العربية :: حلب عاصمة الثقافة الإسلامية 2006: نواكب معكم هذه الاحتفالية المميزة من خلال الموقع ضمن الفعاليات اليومية لهذا الاحتفال خلال عام 2006 ونرحب بجميع مشاركاتكم التي تغني هذه الاحتفالية بكل ما هو جديد وفريد :: أخبار وفعاليات: تابعوا أخبار الحضارات والفعاليات الثقافية من خلال الموقع :: المتاحف: هي مخازن الحضارات السابقة تعرفوا على هذه المتاحف وما تحتويه من بقايا الشعوب السابقة :: فنون: لكل حضارة فن خاص ومميزات فريدة نسلط عليها الضوء لنتعرف على معتقدات وأفكار كل شعب وحضارة :: التراث الإنساني: هو مجال واسع للتعرف على تراث الإنسانية من مختلف البلاد والشعوب والحضارات لنقترب أكثر ولنجعل ذلك تواصلاً للأفكار :: شعوب وحضارات:  هو مجال واسع للتعرف على حضارات الإنسانية من مختلف البلاد والشعوب والحضارات لنقترب أكثر ولنجعل ذلك تواصلاً للحضارات :: مكتبات ومؤسسات: نتعرف على الكثير من مكتبات البلاد المختلفة وتستطيعون التعرف على مكتبة أرض الحضارات وتستفيدون منها ونتعرف أيضاً على مؤسسات تعنى بالآثار والتراث على مدى البلاد ::    
   
   
   
   
   
   
   
   
 

إدارة الموقع

  المشاركات  
 

آثار الوطن العربي

تراجم و أعلام

التراث العلمي

كتابات ولغات وخطوط

العمارة

أندلسيات

المخطوطات العربية

دراسات و أبحاث

 
 
 
 
 
وفي أوائل عهد العزيز بالله بن المعز لدين الله سنة 980 جلس وزيره يعقوب بن كلس الذي يلقب بالوزير الأجل في الجامع الأزهر يقرأ كتاباً ألفه في الفقه الشيعي معروفاً باسم " الرسالة الوزيرية "،  وكان  يحضر درسه الناس عامة وخاصة.

وكان " ليعقوب بن كلس " مشاركة في التأليف فقد وضع كتباً في القراءات والفقه وآداب الرسول وفقه الشيعة وكتاباً في علم الأبدان والصحة. 

ولا بد هنا أن نقف وقفة قصيرة نسجل فيها لذلك " الوزير الأجل " دوره الخطير في أنه أول من فكر و، اتخاذ الأزهر جامعة علمية لها نظمها وأوضاعها في الدراسة، ففي سنة 988 عدت للأزهر سبعة وثلاثين فقيهاً، وعين لها) رئيساً ينظم حلقاتهم، ورتب لهم أرزاقاً وجرايات ، وأنشأ لهم دار سكنى، وجعل لهم دواب تحملهم في انتقالهم، وكانت تخلع عليهم في الأعياد والمواسم الدينية ملابس تشريفاً لهم وتكريماً.

- الأزهر جامعة عالمية:

ويخطئ من ينظر إلى " الأزهر " على أنه مكان محدود، أو معهد محلي، فلقد ظل على مدى التاريخ  الطويل موضوعاً وفكرة، أو  روحاً  ومعنى، وقد يسر له منهجه ونظامه أن يستقبل بين طلابه أفواج الراغبين فيه من كل فقأ، وأن يتلقى إشعاعات الفكر الإنساني من كل صوب، ولذلك انتسب أعلامه كما انتسبت المؤلفات التي قامت عليها  دراساته انتساباً إسلامياً عالمياً دولياً، ولهذا لا مساغ  للقول بأن الأزهر محدود بموقعه، وأن أهله مقصورون على وطنه، ول هـ عمدنا إلى الذين اشتهروا في الأزهر بإنتاجهم العلمي، فوز عناهم على المصور الجغرافي، لملأنا بهم أرجاءه، حتى لات كاد تخلو منهم إحدى زواياه. و!يهـد الفضل في ذلك إلى أن الأزهر كان جامعة حرة للدراسات العلمية وأن أبوابه كانت مفتحة لكل قاصد ووافد، فانتهى إليه توجيه الحياة العقلية، ورعاية الحركة الفكرية، والحفاظ على التراث الثقافي والحضاري  للعالم الإسلامي بأجمعه.

- نظم التعليم في الأزهر:

كان التعليم في الأزهر يجري على نظام الحلقات الذي كان متبعاً في الجوامع من قبل في البلاد الإسلامية، وتصوير درس الحلقة على النحو الآتي: 

يجلس الشيخ بجانب عمود من أعمدة الأزهر، على حشية أو على كرسي من جريد أو خشب. والطلبة حوله على شكل حلقة بترتيب معين: يجلس المعيدون والممتازون من الزوار على يمين الشيخ ويساره ،  ويجلس الطلاب في الحلقة،  تاركين فراغا لمن يحب أن يسمع الدرس من الطارئين أو  الذين لا يحضرون الدرسبانتظام ، والمتبع أن يعرف كل من حضر الدرس موضعه لا يتعداه ، ثم يبدأ الدرس باسم اله وبحمده والصلاة على رسوله وآله وصحبه . وقد يتلو المدرس بعض آيات من القرآن أو بعض أحاديث الرسول ، التي تحث على طلب العلم وحسن الخلق ، ثم يبدأ الدرس بعد ذلك التقديم إما إملاء على الطلاب من محفوظة  أو من مذكراته ، وإما شرحاً وتفهيماً لما غمض من موضوعات الدرس وتفريعاته ونصوصه وكان من حق كل طالب أن يسأل عما خفى عنه أو أشكل عليه. ولكن الأسئلة كانت تخضع لآداب  خاصة فلا تكون تعجيزا أو تنكيتاً، ولا تكون مقاطعة للمدرس، ولا للزميل وهو يسأل. وكان المدرس يشجع على الأسئلة الدالة على التعمق في التفكير. وربما قام الشيخ مقام السائل فيلقي على الطلبة بضعة أسئلة، اختباراً لفهمهم ويجيب بنفسه على الأسئلة التي  يتعذر على الطلاب الإجابة عنها. وكان من مزايا الحلقة أنها كانت تجمع بين المدرس والطالب في جو من البساطة وعدم الكلفة وتفسح مجالا رحيبا للمناقشة والمناظرة ومتى انتهى الدرس ختمه الأستاذ بقراءة الفاتحة.

هذا النظام أخذت الجامعات في العالم منبعض نظمها الجامعية ومنها درجات الأستاذ ذي الكرسي والمعيد فصول والمدرجات .

لم يكن الجلوس على كرسي التدريس في حلقات الأزهر أمراً سهلاً على طالبيه فإن المرشح ليشغل الكرسي  اختبارا عسيرا في المادة التي سيتولى تدريسها ، ولم يكن يقع عليه الاختيار إلا بعد أن يكون قد أمضى سنين متوالية للتعاليم والتدريس في حلقات في غير الجامع الأزهر ، إذ كان يعتبر التعيين في كراسي الأزهر هو ذروة مناصب .

وأما نظام إجازة الطلاب فكان قائما على أن يعطي الأستاذ للطالب ورقة مكتوبا فيعها أنه درس عليه المادة المعينة فيها وأنه أجاز له ممارسة ما تعلمه منها ، ولهذا سميت الورقة إجازة وبمقتضى حصول الطالب عليها يستطيع بعد استكمال دراساته في حلقات الأزهر أن يجد عملاً موافقاً لتخصصه . 

ومما كان متبعا أن الطالب عند إجازته ـ أي تخرجه ــ يقام له حفل توديع ،، تلقى فيه قصائد التهنئة ، وتتلى فيه آيات القرآن ، وتتناول فيه القهوة ويضاء المكان بالشموع . 

 وقد عرف. الجامع الأزهر نظام (الأروقة  والرواق مسكن مكون من حجرات  يخصص لطلاب الأزهر من بلد أو إقليم أو فئة معينة ، فمثلاً هناك رواق الشوام والأتراك والمغاربة والأكراد وغيرهم ، كما أن هناك مثلا رواق الحنفية ورواق الحنابلة وغيرهم . 

وكان الطلاب صرف لهم جرايات يتقوتون بها، إلى جانب ما يحاطون به من رعاية طبية وكان الطلاب يرتدون في هذا العصر زيا خاصا بهم ، هو الجبة والعمامة البيضاء .

وكان لجامع الأزهر مكتبة عامرة وصلت محتوياتها في تقدير بعض المؤرخين إلى خمسين ألف كتاب أيام الحاكم بأمر الله الفاطمي وأسندت أمانة المكتبة إلى داعي الدعاة ، وهو صاحب منصب يلي منصب قاضي القضاة . 

وكانت ميزانية الجامع الأزهر إلى جانب تمويل الدولة لها تعتمد على ما كان يبذله أهل الخير من أملاكهم وأموالهم واقفين غياها على الأزهر ، ليتفق ريعها في مصالحه . 

وقد استطاع الجامع الأزهر بمكانته العلمية وأنظمته الميسرة أن يجتذب غليه مع أهل مصر عددا كبيرا من أطراف البلاد الإسلامية ، حتى أن المؤرخ المقريزي يقدر عدد الطلاب الغرباء في القرن الثالث عشر بنحو سبعمائة وخمسين طالبا من بلاد شتى ، دون تفرقة بين الألوان والعناصر والأجناس . 

وعلى الرغم من أن النساء لم يكن لهن الحق في الحصول على إجازة من الجامع الأزهر ، فإنه كان مخصصا لهن حلقات لتلقي الدرس والوعظ والإرشاد . 

وقد كان طابع الدراسة في الأزهر طابعا أكاديميا ، يتميز بالموضوعية والمنهجية في التعليم ، ويسلك طريقا منتظما . 

ومن تلك الأسس التي نهض عليها نظام الجامع الأزهر يجوز لا القول دون مبالغة بأن ذلك الجامع القديم الذي مضى عليه ألف سنة دون توقف قد اكتملت له منذ قيامه، كل مقومات الكيان الجامعي، وإن كان الأزهر  مع ذلك يعتبر في تلك العهود الماضية جامعة حرة مستقلة.

- رسالة الأزهر وعلم الطب:

لا غلو في القول بأن الدراسات الطبية جزء لا يتجزأ من جوهر الشريعة الإسلامية في أوسع معانيها، فإن أحكام الدين الإسلامي في تنظيمها لحياة الفرد مستقلاً مع نفسه أو علاقته مشتركاً مع غيره، تتطلب المعرفة الكافية بكل ما يتضمنه الطب من حقائق ومعارف، بل تدعو إلى الاشتغال بالطب، والإسهام في تنميته وتقدمه لخير البشرية، وحمايتها، حتى تستمتع بحياتها في دنياها العريضة على وجه الأرض، ما بقيت فيها حياة.

بهذه المفاهيم الواسعة الدقيقة استقبل الأزهر عمله، منذ اضطلع برسالته الدينية الروحية، فكان للطب جانب مرموق من دراساته في مختلف مراحل حياته.

وحين نعبر عصور التاريخ نستخبرها  عن حظ الطب من الدراسات الأزهرية، يتبين لنا من تاريخ علماء الأزهرأنهم كانوا مشغوفين بدراسة الطب أيما شغف، وأن وسائل البحث كانت ميسرة لهم، فقد ضمت مكتبة القاهرة في عهد الفاطميين ستة آلاف كتاب في الطب.

- أعلام الطب في الأزهر القديم:

وقد حفل التاريخ بمن أنجب الأزهر من أطباء منذ إنشائه في القرن العاشر الميلادي إلى القرن الثامن عشر، مثل يعقوب بن كلس والحسن بن الهيثم  وعلي بن رضوان وموسى بن ميمون والحسن بن الخطير الفارسي وعبد اللطيف البغدادي وحسبنا أن نقدم هنا نموذجين آخرين بمن اتصلوا بالأزهر القديم من علماء وأطباء تسنموا منصب شيخ الأزهر.

- الأول هو الشيخ أحمد بن عبد المنعم الدمنهوري (689 1- 1778) طبيب من علماء الأزهر- ولد في دمنهور، ودرس الفقه والعلوم الحكمية وعلم الأصول والطب وكان عالماً بمذاهب أئمة الفقه الأربعة، وينسب نفسه لها جميعاً، وقد وصفه معاصروه بأنه كان عالماً فذاً، ومؤلفا عظيما وارتقى منصبه بالقاهرة إلى أن أصبح شيخ الجامع الأزهر،،- لبث في منصبه هذا عشر سنوات وهكذا يسجل تاريخ الطب في الأزهر لأول مرة أن طبيباً عالماً أزهرياً قد ارتقى إلى منصب شيخ الإسلام .

وقد كتب يصف لنا دراساته فقال فيما قال:

" أخذت عن سيدي أحمد القرافي الحكيم بدار الشفاء قراءة عليه كتاب " الموجز " و" اللمحة الخفيفة في أسباب الأمراض وعلاجاتها " وبعضاً من " قانون ابن سينا " وبعضاً من كامل الصناعة وبضاً من منظومة " ابن سينا الكبر ى " والجميع في الطب، وقرأت على أستاذنا الشيخ " سلامة الفيومي، أشكال التأسيس في الهندسة  وبعضا من الجغميني في علم البيئة، وبعضاً من " رفع الأشكال عن مساحة الأشكال " في علم المساحة. وقرأت على الشيخ محمد الشحيمي منظومة الحكيم، ورسالة في علم المواليد، أعني الممالك الطبيعية، وهي الحيوانات والنباتات والمعادن.

وقد ترك أستاذ الطب الأزهر ي الذي أصبح شيخا للأزهر مؤلفات طبية متعددة يذكر المؤ رخون منها كتابه المسمى " القول الصريح في علم التشريح " وكتابه المسمى " القول الأقرب في علاج لسع العقرب " وهو مخطوط بدار الكتب المصرية، وقد جاء في مقدمته:

حمداً لمن تفضل علينا بالإيجاد، وبعد فهذه كلمات قليلة، مشتملة على فوائد جليلة، يحتوي على مقدمة في وصف وكنية العقرب ومقصود في دفع السم، يذكر فيها وصفات منها ما يحتوي الدارصيني الذي ينفع من لسع العقرب والنعناع والثوم المطبوخ بالسمن النافع في لسع الزنبور والنحل والحية وخاتمة فيما ينفع السموم من الطب الروحاني.

- الآخر هو: الشيخ حسن بن محمد العطار (1766- 1834)- ولد بالقاهرة وكان أبوه عطاراً  له إلمام بالعلم، يستخدم ابنه في صغار شئون الدكان، ويعلمه البيع والشراء، فاختلف إلى الجامع الأزهر خفية عن أبيه، وقرأ القرآن، وجذ في التحصيل على كبار المشايخ، ولما دخل الفرنسيون إلى مصر ذهب إلى الصعيد ثم عاد إلى القاهرة لما علم أن مع الفرنسيين علماء مهرة، وقد اتصل بهم فأخذ عنهم بعض العلوم النافعة، وتولى تعليمهم اللغة العربية ثم انتقل إلى دمشق، وأقام بها زمناً، ثم رحل إلى ألبانيا وتزوج بها، وفي هذه الفترة اتسع علمه وأجاد عدة لغات وبعد عودته إلى مصر تولى إنشاء جريدة " الوقائع المصرية " في بدء صدورها، وفي سنة 1830 تولى مشيخة الأزهر وظل مضطلعاً بأعبائها إلى أن توفي.

ويتحدث " علي مبارك " عنه في " الخطط التوفيقية " فيقول: إنه جد في التحصيل، حتى بلغ من العلم في زمن قليل مبلغاً تميز به واستحق التصدي للتدريس ولكنه مال إلى الاستكمال، واشتغل بغرائب الفنون والتقاط فوائدها كالطب والفلك والرياضة، ومن قول الشيخ العطار " إن بلادنا يجب أن تتغير أحوالها ويوجد بها من المعارف ما ليس فيها وكان يتعجب مما وصلت إليه الأمة الفرنسية من المعارف والعلم وكثرة كتبهم وتحريرها وتقريبها لطرق الاستفادة.

وقد ألف رسائل في (الطب والتشريح) وله كتاب في الصيدلة رداً على تذكرة داود الانطاكي،  وما  يزال هذا الكتاب مخطوطاً في مكتبة رواق المغاربة في الجامع الأزهر وذلك إلى جانب تصانيفه في العلوم الرياضية والفلكية مع تصانيفه في العلوم الشرعية والعربية، ومنها حاشية على شرح الأزهرية في النحو، وحاشية على شرح إيساغوجي في المنطق، وحاشية على جمع الجوامع في الأصول، ورسالة في كيفية العمل بالاسطرلاب وكان يرسم بيده: المزاول النهارية والليلية.

ويعد الشيخ العطار رائداً للتجديد في عصره فقد أتيح له مشاهدة التطور العلمي والثقافات المتقدمة فانطلق ينادي بالاستفادة منها، وهو الذي رشح الشيخ رفاعة الطهطاوي ليكون إمام البعثة الأزهرية إلى فرنسا ثم عضواً بها، وأوصاه بأن يقيد ما يشاهده من الأمور التي يرى فيها فائدة لبني وطنه، حتى يظهرهم على النواحي المختلفة للحضارة الأوربية. فلما استجاب " رفاعة " لذلك ووضع كتابه " تخليص الابريز، في تلخيص باريز " أوصى الشيخ العطار الحكومة بطبع الكتاب ونشره. ومما يدل على رعاية الشيخ العطار للدراسات الطبية أنه وقف في مدرسة الطب بأبي زعبل مشيداً بفائدة الطب في تقدم الإنسانية.

وهكذا يسجل تاريخ الطب في الأزهر لثاني مرة أن عالماً  مجدداً متحرراً مشتغلاً بالدراسات الطبية مؤلفاً فيها يتولىمنصب شيخ الأزهر وإمام المسلمين.

- الأزهر نواة النهضة الطبية بمصر:

لما استقبلت مصر عصر اليقظة- بعد انتهاء الحملة الفرنسية- كان مما تعانيه البلاد تفشي الأمراض والأوبئة وفتكها بالألوف، حتى أن من كانوا يموتون من الكوليرا والطاعون أكثر عدداً ممن كانت تقضي عليهم الحروب، وكان التطبيب يومئذ احتكاراً لطائفة ممن أخذوا فنهم بالممارسة من غير دراية على أسس علمية. 

فاستعدت الحكومة طبيباً فرنسياً هو" كلوت بك " كان له أكبر الفضل في إرساء قواعد النهضة الصحية في مصر، وهو الذي نادى بأن الحل الناجح هو تأسيس مدرسة الطب، لتخريج أفواج من أطباء مصريين يخدمون مواطنيهم بدلا من برد الاستعانة بعدد مت الأطباء الأجانب وقد كان "كلوت بك " حصيفاً هذا الرأي، إذ استطاعت المدرسة التي نادى بتأسيسها أن تخرج أمر من أربعمائة طبيب خلال خمس سنوات. وتم تأسيس المدرسة كسنة 1827 في "أبي  زعبل ) ، على مقربة من القوات العسكرية، وانتخبت هيئة التدريس من الفرنسيين والإسبانيين والطليان والبافاريين وكانت المحاضرات تلقى باللغات الأجنبية وتملىترجمتها العربية على الطلاب إما طلاب الدفعة الأولى فكان عددهم مائة وكلهم من تلامذة الأزهر اختيروا منه لأنه البيئة العلمية المستنيرة أما برامج التدريس فكانت تشمل المواد الآتية: الطبيعة والكيمياء والنبات والتشريح والفسيولوجيا والصحة العامة والأدوية وعلم السموم وعلم الأمراض والأمراض الباطنية والأمراض الخارجية والصيدلة.

وهكذا كان أبناء الأزهر دعائم النهضة الطبية في العصر الحديث، ونواة هيئة التدريس في كلية الطب بعودة البعثة الأزهرية من فرنسا " باريس " حيث أمضت ست سنوات في التحصيل والممارسة. وحسبنا أن نذكر من أعلام تلك الحقبة في التشريح  محمد الشباسي وفي الجراحة محمد علي البقلي وفي الأمراض الباطنية محمد الشافعي وفي الرمد مصطفى السبكي وفي أمراض النساء والأطفال السيد أحمد الرشيدي وفي الصحة محمد الهراوي.

ولم يقتصر جهد هؤلاء الرواد الأزهريين على دراسة الطب وممارسته بل حملوا إلى جانب ذلك أعباء الترجمة والتأليف وعنوا مع غيرهم من أبناء الأزهر بوضع المصطلحات العربية المقابلة للمصطلحات الأجنبية وتحرير المادة العلمية
وصياغة عباراتها وتصحيح ما يترجم منها، حتى زاد عدد الكتب المترجمة في ذلك العهد على خمسين كتاباً.

وبجانب كل ذلك كان للأزهر فضل إرساء قيم لتنمية التعليم الطبي وتيسيره على الوجه الصحيح، فإنه لم يكن بد في مدرسة الطب المحدثة من مزاولة التشريح، ولكن بعض الطلاب كانوا يتحرجون من ذلك ويعارضون أن تتعرض أجساد الموتى للعبث بها مهما يكن الباعث على هذا التعرض. وحدث يوماً أن حاول أحد الطلاب أن يفتك با لطبيب" كلوت بك " وهو يمارس تشريح جثة في مشرحة المدرسة، فهم بأن يطعنه بخنجره مرتين ولكن الطلاب حموه، من أن يصاب بسوء وهنا قام الأزهر الشريف بدوره العظيم في إطفاء الثورة وإخماد الفتنة وتمكين الطب من أن يؤدي رسالته فوقف شيخ الأزهر " حسن العطار " في امتحان مدرسة الطب يصدع برأي الدين في تعليم الطب ويشيد بفائدته في تقدم الإنسانية فكانت هذه الشجاعة في إحقاق الحق نقطة انطلاق للتعليم الطبي، وذلك بفضل الله على لسان رجل الأزهر
شيخ الدين.

- عودة دراسة الطب في الأزهر:

في سنة 1961 أنشئت " جامعة الأزهر " الحديثة تطويراً للأزهر وأنشئت فيها كليات معملية للطب والهندسة والزراعة وغيرها، وبدأت الدراسة بكلية الطب سنة 1964 فاستقبل بعض الناس ذلك النبأ في غير قليل من الدهش ، ووقفوا منه موقف تساؤل وعجب وراحوا يعدون ذلك إقحاماً للأزهر في غير ميدانه، ونشوزاً به عن طبيعة مهمته وحقيقة أهدافه وأشفقوا أن يكون لذلك من النتائج ما يسئ إلى سمعة الأزهر وكأنهم يقولون ما دخل ا الصب في معهد طابعة ديني روحي، ورسالته تقويم العقائد والتبصير بمسالك الهداية والإرشاد في الحياة الدنيا رغبة في ثواب الآخرة.

والحق أنه لم يكن لذلك العجب والتساؤل والإشفاق موضع لا من الناحية النظرية، باعتبار الأزهر ممثلاً للدراسات الدينية ومنارة للتعاليم الإسلامية، ولا من الناحية التاريخية الواقعية باعتبار الأزهرـ معهداً تقادم به العهد، وتعاقبت عليه أطوار ومر بتجارب عملية في مناهجه التعليمية وفي أنواع العلوم والمعارف التي زاول الاشتغال بها خلال ألف من السنين.

لقد قيل إن إنشاء كليات علمية حديثة في الأزهر كالطب والهندسة والزراعة يعد ابتداعاً في التعليم الأزهري ولا شك أن في هذا القول لونا من التجوز في التعبير، فإن هذا التطوير كما سبق أن ذكرنا- لم يكن جديدا على الأزهر ولا بدعا فيه، وإنما كان تجديد آ له وإحياء لماضيه. فالأزهر حين حمل راية الدعوة الدينية الإسلامية كان بمقتضى هذه الدعوة مكلفا أن يمارس تلك الدراسات العلمية المدنية على اختلاف ضروبها وهو في تاريخه الحافل المتطاول قد مارسها فعلا على توالي العصور، بقدر يتفاوت بين القليل والكثير، وذلك وفقأ لدواعي الظروف والملابسات والأحوال للمجتمع المصري بخاصة وفي المجتمع الإسلامي بوجه عام.

لا جديد إذن في إنشاء كلية الطب لا الأزهر إلا أن نظام الحلقة استبدل به مدرج المحاضرات ونظام الكرسي أصبح هو درجة الأستاذية، ونظام الإجازة أصبح الدرجات العلمية ونظام الأروقة أصبح مدينة البعوث الإسلامية، ونظام  البيمارستانات، أصبح هو المستشفيات الجامعية واستمر نظام المكتبة، وأعطيت الفرصة للبنين والبنات بدرجة سواء، ولكن ألحقت البنات بكلية طب البنات الإسلامية، يدرسن وينلن من الإجازات ويلحقن بهيئة التدريس كشأن البنين، وقد وصلت الطبيبات إلى كرسي الأستاذية وكرسي العمادة  أيضأ.

والحق أن عودة الطب إلى الأزهر كان تجربة رائدة لتخريج أطباء يجمعون بين العلم والدين، فالدراسة في كليتي الطب بنين وبنات تجرى على المناهج التي تجرى عليها الكليات الطبية الأخرى بكل موادها ووسائلها، وبجانبها تدرس العلوم الإسلامية ليكون الطلاب في مستقبلهم قادرين على حمل رسالة الأزهر وشرح تعاليم الإسلام واتجاهاته الإنسانية، مع معرفتهم بآخر ما وصل إليه الطب الحديث، وبذلك يصبح الطبيب الأزهري داعية بحق.

ولكليتي طب الأزهر طابع خاص تتميزان به، فهما ليستا تكراراً لنظائرهما من الكليات وذلك للدراسات  الإسلامية التي تقومان بها وللفصل فيهما بين البنين والبنات، ولوفرة الوافدين عليهما من العالم الإسلامي، ولفتح أبوابهما للأساتذة المسلمين من سائر البلاد دون تفرقة بين الجنسيات، وذلك ما خلع عليهما صبغة عالمية، على حداثة عهدهما بالوجود. 

ومما هو ملموس من ارتفاع المستوى العلمي للخريجين، وما يتحلون به من صفات جديرة بانتسابهم إلى جامعتهم العريقة تطمئن النفوس إلى تحقيق الهدف الذي أريد من إعادة تدريس الطب إلى رحاب الأزهر، ليصلوا ماضيه المجيد بحاضر مشرق ومستقبل مرموق في خدمة العلم والدين، لا في مصر وحدها بل في العالم الإسلامي بأسره. 

 
حلب عاصمة الثقافة

أخبار و فعاليات

المتاحف

فنون

التراث الإنساني

شعوب وحضارات

مكتبات ومؤسسات

قاموس المعلومات

شخصية الأسبوع

المراسلون

خدمات مجانية

English

 
 
 
   

 

 
 

 

 

   
     

الطب في الأزهر قديماً وحديثاً

الدكتور: فؤاد لحفناوي ـ مصر
 

 

       

- نشأة الأزهر:

لما دخل الفاطميون مصر، واستولوا على الحكم فيها، اختطوا مدينة القاهرة، وجعلوها عاصمة جديدة لدولتهم الفاطمية، وفي سنة 972 تم في القاهرة بناء جامع كبير ليكون منبراً لدعوة الدولة الدينية، هي الدعوة الفاطمية الشيعية كما كان إنشاء القاهرة رمزاً لسيادتها وقد سمي هذا الجامع بالجامع الأزهر، وهو اسم مشتق من اسم " الزهراء " الذي وصفت به السيدة فاطمة التي ينسب إليها الفاطميون.

ولم تكد تمضي ثلاث سنوات على افتتاح الجامع الأزهر للصلاة حتى بدأت أول حلقة للدرس فيه سنة 975، وذلك في أواخر عهد المعز لدين الله، إذ جلس قاضي القضاة ابن النعمان في الجامع الأزهر يقرأ درساً في فقه الشيعة من كتاب أبيه المسمى " الاختصار " وشهد درسه جمع حافل من الكبراء والعلماء، وأثبتت أسماء الحاضرين في سجل ثم توالت حلقات بني النعمان بعد ذلك، وكانت تقوم على الدعاية الدينية والسياسية للمذهب الشيعي والدولة الفاطمية، ويشهدها في الغالب الأكابر والخاصة إلا أنها كانت على كل حال تمهيد آ لدراسة جامعية عامة.