|
2ـ أصالة
الحديقة العربية :
ليست أصالة الحديقة العربية دعوة طارئة ، بل هي هواية لابد أن
تلازم العمل الفني المبدع ، فالذين يرفعون الراية باسم التجديد والتخلي عن
النهضة العربية الإسلامية ، والتي هي نتاج من عدة تجارب ناجحة ، فإنهم يريدون
أن يجعلوا من عملهم هذا هدم ما بنته الأمة العربية منذ آلاف السنين ، ونحن
ننتقد فكرة المعاصرة التي تتضمن حقيقتها التقليد والمحاكاة ، واستيراد الأساليب
الغربية التي كانت السبب في التخلي عن الشخصية الفنية الأصيلة للالتحاق
بالشخصية الفنية العربية . أما المعاصرة بمعناها العام فهي معايشة الظروف
الراهنة والتطلعات المستقبلية .
لقد تطور فن الحدائق العربية ، تطوراً أصيلاً ارتبط بطابع
العروبة المميزة له ، وسار وفق الإمكانيات التي أتيحت له مع تأثره بالبيئة
الشرقية التي ظهر فيها الإسلام وأساليب ومستوى المعيشة ، لذا عكس صورة فريدة من
الفكر العربي الإسلامي ، الذي تميز بالجمع بين الرقة والبساطة مع سمو الغاية .
3ـ ماهية الحديقة العربية :
قام العرب المسلمون في كافة أرجاء الدولة العربية الإسلامية
بإنشاء جنات دنيوية يلمح فيها بريق الفردوس السماوي ونضارته التي وعد بها الله
عز وجل عباده الصالحين ، وكأنما أرادوا أن يتخيلوا جنات الخلد وجنات النعيم
التي وصفها الله تعالى في كتابه الكريم بعبارات تجذب إليها القلوب بالظل الوارف
على الأرائك .. والماء الساري في الجداول .. والثمار الدانية القطوف ..وعبير
المسك .. إلى غير ذلك من العناصر التكوينية والجمالية التي تركت أثراً كبيراً
في نفوسهم .
ولقد كانت قائمة أسماء المدن ، التي غطتها قبة خضراء ضخمة من
الجنائن في العصر الإسلامي ، طويلة حقاً ، ولإعطاء بعض الأمثلة على ذلك نقول أن
الجغرافيين والمؤرخين العرب كانوا يصفون دمشق وغوطتها بأنهما جنتان ، وكانت
حدائق الطائف ولا زالت مصيفاً لأهل مكة والمملكة ، ووصفت البصرة بأنها فينيسيا
الحقيقية تتشابك فيها قنوات المياه وتقطعها الحدائق والبساتين ، وفي شمال
أفريقيا يقرأ الباحث عن عدد كبير من الحدائق التي تحيط بالمدن أو تقع داخلها ،
كما في مصر وتونس وتلمسان ومراكش ، وفي الأندلس تذكر المؤلفات الأندلسية دائماً
عن الجنان والحدائق في مدن قرطبة والزهراء والزاهرة و إشبيلية وبلنسية وغرناطة
…
وعند الوقوف أمام المنشآت المدنية العربية ، وبشكل خاص الدور
والقصور والحدائق والمتنزهات ، والتأمل بدقة مظهرها العام ، وهندستها وتنسيقها
، وعناصرها التكوينية ، فإننا نلاحظ فناً له طراز جديد يتمثل في الهندسة
والتنسيق وعناصر التكوين ، مما جعل لهذا الطراز شخصية فريدة واضحة أسهمت في
تكوينها عدة اعتبارات رئيسة تضافرت مجتمعة لخلق هذا الطراز وهي :
1-
العامل الروحي أو تأثير الدين الإسلامي.
2-
العامل البيئي أو تأثير البيئة الطبيعية.
3-
تأثير الحضارات القديمة بالمنطقة .
4-
العامل العملي التطبيقي .
5-
العامل الإبداعي والجمالي .
4ـ العناصر التكوينية التقليدية للحديقة العربية :
امتلك المهندس العربي قدرة كبيرة في تفهم أبجدية البيئة ،
وتميزت هذه القدرة في إحداث تفاعل بين عنصر الماء وعنصر النبات وعنصر الحجر
المتمثل في البنية المعمارية ، وأن يخرج من هذا التفاعل بوسط مريح يحترم
الإنسان وعقيدته في العصور الإسلامية . إذ لم تكن البيئة الصعبة عقبة أمام
الاستخدام المثالي للفراغات المفتوحة أو عقبة في تحقيق تنمية زراعية واسعة سواء
كمصدر للغذاء أو لتوفير أماكن الترويح والاستجمام والتريض . ولعل استخدام
المياه كعنصر أساسي هو أحد مميزات الحديقة العربية في الفترة المزدهرة من تاريخ
المدينة العربية فعلى سبيل المثال :
ـ
كان استخدام الماء في نافورات مختلفة الأشكال وسيلة لترطيب الجو وتجميل المكان
في الوقت نفسه ، كما استخدم ماء النوافير لعدة أغراض منها : إضافة حركة مشوقة
في وسط فراغات قد يسودها الصمت والكآبة إذ تركت خاوية بدون معالجة ذكية وجذابة
، واستعمل صوت خرير المياه المتدفقة من مستويات مختلفة كقناع للضوضاء الصادرة
من المحيط الخارجي .
ـ
وكان استخدام الماء في الدور القصور والجوامع والميادين العامة لأغراض انتفاعية
كالشرب والوضوء وري الأشجار . كما استخدمت المياه لأغراض جمالية مثل تأكيد بعض
المباني الرئيسة وضخامتها بانعكاس واجهتها على سطح الماء .
ولعله من النادر فعلاً أن نجد وعياً متكاملاً بالفوائد
الانتفاعية للنباتات المستعملة في تصميم الحدائق كما هو الحال في تصميم الحدائق
العربية بفترة الازدهار. فأما من ناحية معالجة المناخ المحلي فقد استعمل رجل
الحديقة العربي صفاً من أشجار السرو حول حدود حديقته بعد الجدار مباشرة كدرع
واق ضد العواصف الرملية طوال العام وتنقية الهواء الذي يهب محملاً بالغبار ،
ونظراً لجفاف الهواء المتسرب من خلال الصف الأول من النباتات أضاف صفاً آخر من
أشجار الحور الأبيض لترطيب الهواء بعد تنقيته ، وبواسطة هذين الصفين المحيطين
بالحديقة تمتع الموقع أغلب ساعات النهار بظل وحماية من أشعة الشمس الحارقة
والتي تسبب مشكلات جمة للإنسان والنباتات الأخرى على السواء .
وقد اهتم المهندس العربي بتخطيط الفناء الداخلي وجعله كحديقة
داخلية (جنة مصغرة) لأنه يمثل محور النشاط الرئيسي في المساكن والمباني العربية
، وهو معالجة معمارية تحجب عن الساكن كل عوامل الطبيعة الخارجية وتترك له
التمتع المطلق بالسماء وحدها ، وهو استجابة صريحة لمقتضيات مناخنا ، فهو يضمن
ميزات عديدة منها
: خلق مناخ محلي يحقق انخفاضاً في درجة الحرارة وتهوية جيدة بدون تلوث ، كما
أنه يضمن الإنارة السليمة والهدوء والخصوصية ، والعلاقة الجيدة بين الداخل
والخارج عن طريق الفناء ، وما يمكن إدخاله من نباتات مختلفة ومياه كالنافورات
والبرك . ويأتي انخفاض درجة الحرارة داخل الفناء نتيجة الظلال الناتجة عن تقابل
أضلاع الفناء والأشجار ووجود المسطحات المائية التي ينتج عنها تبخير يقابله خفض
في الحرارة وانعكاس جزء من الأشعة ، ويبقى للأروقة دورها الهام في تعديل
الحرارة ، فضلاً عن دور الملاقف في تكييف الهواء ، لأن الهواء يصطدم بالحائط
الداخلي للملقف ، مكوناً منطقة ضغط مرتفع ، يبرد فيها الهواء ، وحيث أن الهواء
البارد ذو كثافة عالية ، فإنه يهبط إلى القاعات والفناءات . كما استعملت أشجار
النخيل وغيرها بجوار الملاقف العلوية لتنظيف الهواء وتلطيفه ، فالأتربة تعلق
على الأوراق ، كما تصدر الشجرة الأكسجين وتنظم حالة الرطوبة والحرارة في الجو
وتمتص الروائح المؤذية .
إذاً
لم تكن البنية المائية أو البنية النباتية أقل أهمية من البنية المعمارية ، إذ
أظهرت
البنية المائية
رمزاً كونياً وإعجازا هندسياً في نقل الماء من مصادره المختلفة إلى تشكيلات
حجرية من برك وأحواض بأشكال عديدة لتحقيق غايات بيئية وجمالية من خلال
عقيدة
تكفل صحة
الماء من التلوث
، وعدم افتقاره إلى عنصر الأوكسجين . أما
البنية النباتية
فكانت أكثر تعقيداً بسبب تعددية الأنواع والأشكال التي تعامل معها رجل الحديقة
العربي باستعمال المقص لتشكيل ما يمكن تشكيله لتكون بديلاً عن ثلة من تماثيل
حجرية كانت سائدة في حدائق قديمة ، وأخيراً وظف رجل الحديقة العربي كل ما يملك
في جعل الحديقة قطعة من الجمال ، فزرع فيها الأسوار والمشايات والمقاعد
والشرفات ، وماشابه ، بل استطاع
أن يجعل الحديقة في
الدار أو القصر أو الجامع ، أو يجعل الدار أو القصر أو الجامع في الحديقة
، بالإضافة إلى أنه
جعل الحديقة في
الطبيعة أو جعل الطبيعة في الحديقة من خلال احترام فطري للبيئة
، فتعددت الوحدات البيئية ذات المساحة الجغرافية المختلفة خدمة للإنسان العربي
أو للإنسانية جمعاء .
مما تقدم يفهم
، أن الحديقة بمفهومها العربي كانت نموذجاً مصغراً عن الجنة ، تكامل فيه
الماء أصل الحياة .. مع النبات أصل الجمال .. مع الحجر مستودع
التراث .
5ـ وظيفة الحدائق والأشجار في المدينة :
الحدائق هي جنات الله في الأرض يتمتع بها الناس ويرفهون فيها عن
أنفسهم ، ويهرعون إليها كلما ضاقت صدورهم أو تعبت أعصابهم فيجدون في رحابها
وتحت ظلال أشجارها الراحة والهدوء ويشعرون فوق مروجها ومسطحاتها الخضراء وبين
أزهارها وورودها بعظمة الخالق سبحانه وتعالى ويتأملون في بديع صنعه .
وتعتبر الحدائق من الناحية الصحية الرئات التي تتنفس من خلالها
المدن ، وزيادة مساحة الحدائق تعني البيئة الصحية للإنسان والفن الراقي والذوق
الرفيع للشعوب ، وتعلم الإنسان النظام وتدعوه إلى احترام قدرة الخالق فيما خلق
بالمحافظة على ما بها من نباتات ، كذلك تعود الناس على الحياة الاجتماعية
السليمة .
وتقوم الحدائق بوظيفة أساسية في تجميل المدن ، إذ أنها بما
تحتويه من نباتات مختلفة الأشكال والألوان ومن مناظر جمالية مثل النافورات
والبرك والأقواس وغيرها تعمل على تجميل المواقع التي تحيط بها وتجذب الأنظار
إليها .
وتزداد أهمية التشجير على جوانب الطرق وفي المتنزهات والحدائق
يوماً بعد يوم وإن هذه الأهمية تختلف باختلاف الأقاليم المناخية ، وتأخذ موقعاً
ممتازاً في تخطيط المدن في البلاد الجافة وشبه الجافة والتي تشكو من ارتفاع
درجات الحرارة والعواصف الرملية والترابية . ويلاحظ أن استعمالات الأشجار في
البلاد والمدن تتركز خاصة في استعمالات للقيم الجمالية والسلوكية والفنية
(العمارة المنظرية) ، ولو أن هذه القيم مهمة إلى درجة كبيرة إلا أنه يمكن
استعمالها بشكل بنائي أو معماري لإنشاء أو تحديد المساحات الخارجية أو لعمل
ستائر نباتية لحجب بعض المناظر غير المرغوب فيها ، وكذلك فإن للأشجار كثيراً من
الوظائف الهندسية مثل مقاومة عوامل التعرية والتلوث الجوي وتخفيف حدة الوهج عن
الأعين في الضوء الشديد وخاصة في فصل الصيف . وفي الوقت نفسه فإن للأشجار وظائف
مناخية فلها تأثير ملحوظ على المناخ المحلي لأنها تعمل على الحماية من الرياح
والأمطار ولفحات الشمس القوية ، وتمتص غاز ثاني أوكسيد الكربون وتنتج الأكسجين
فيتحسن بذلك جو البيئة .. وتعمل على تلطيف الجو وتنظيم حرارته وزيادة رطوبته
بالأماكن الجافة ، وتبعث بالظلال التي تُعرف قيمتها في البلاد الحارة ، وتسبب
النسمة الحانية في أيام الصيف التي لا يتحرك فيها الهواء ، كما أنها ترشح
الهواء من الأتربة العالقة والغازات الضارة ، وكذلك تعمل منها أحزمة خضراء
كمصدات للرياح والعواصف الرملية التي تهب على المدن فتقي سكانها وحيواناتها
ونباتاتها من آثارها السلبية .
6ـ فن تخطيط الحدائق وتناسبها مع مساحة المدينة :
إن تخطيط الحدائق فن جميل له نظمه وقوانينه وقواعده ونظرياته
وفوق ذلك كله الذوق السليم والإبداع الجمالي والشعور الرقيق الحساس ، ويتجه
التخطيط الحديث في إنشاء المدن إلى تحديد أماكن الحدائق والمتنزهات والمسطحات
الخضراء بشكل يتناسب مع مواقع المساكن والمنشآت العامة ومساحة المدينة . بمعنى
أنه يجب أن تتوافر مساحة معينة من الحدائق والمسطحات الخضراء لكل منطقة في
المدينة والمتعارف عليه أن تكون بمعدل /10/ م2 لكل فرد من سكان
المدينة.
7ـ الغطاء الشجري الطبيعي في البلدان العربية :
تعتبر البلدان العربية في مقدمة بلدان العالم من حيث افتقارها
إلى الغطاء الشجري الطبيعي ، إذ لا تتجاوز الرقعة المكسوة بالأشجار الطبيعية في
أغلب هذه البلدان 1% من مجموع مساحتها الكلية، ويعود ذلك إلى أسباب كثيرة لعل
أهمها:
الأسباب المناخية والظروف الطبيعية .
وكما يعلم الجميع فإن النباتات من أعظم نعم الله علينا وفيها
فوائد ورحمة للإنسان ، ومن المعروف أيضاً أن مساحة الرقعة الخضراء وخاصة تلك
المزروعة بالأشجار الخشبية تكون قليلة في المناطق الجافة وشبه الجافة نظراً
لقسوة الظروف المناخية وخاصة ارتفاع درجة الحرارة وقلة الأمطار .
8 ـ تدخل الإنسان لتشجير المدن العربية :
تشير الأبحاث العلمية إلى أن حزاماً من الأشجار البالغة حول
منطقة سكنية ما وبعرض/1/كم يستطيع تخفيض درجات الحرارة في تلك المنطقة من / 2-3
/ درجات مئوية كمعدل وسطي وهذا بحد ذاته يعتبر إنجازا رائعاً يقوم به الغطاء
الأخضر الذي يجب السعي إليه ومد بساطه على مساحات واسعة من وطننا العربي.
مما سبق يتضح أن المدن العربية في أمس الحاجة إلى تدخل الإنسان
للاهتمام بمشروعات التشجير وإنشاء الحدائق والمسطحات الخضراء حماية لبيئتها
وحفاظاً على مظهرها وجمالها ومسايرة للزيادة المطردة في مساحاتها وعدد سكانها .
وتختار الأشجار عادة من الأنواع التي يجود نموها في البيئة
المحلية أو التي يمكن أقلمتها لتناسب هذه البيئة بعيدة عن موطنها الأصلي .
ومن الأنواع النباتية المتأقلمة مع المناخ الصحراوي نذكر منها :
الأثل ، والسدر، و نبات القرم ، وشوكة مدارس ، والكوناكاربوس ، وأشجار النخيل
كنخيل البلح ، ونخيل الزينة ، والصباريات ، والأغطية النباتية ... أما بالنسبة
للمسطحات الخضراء فأهمها نبات النجيل الذي يمكن استخدام مياه الصرف الصحي
المعالج لريه .
9ـ أهمية التخضير والتشجير في تخطيط المدن :
في العصر الحديث تعمل كل الدول على زيادة الرقعة الخضراء عند
تخطيط مدنها ، والاتجاه إلى الإكثار من الحدائق والمتنزهات والمسطحات الخضراء
في وسط المدن وفيما حولها من أحزمة خضراء وتعتبرها الرئة التي تتنفس بها
المدينة ، وبمثابة الحواجز التي تحميها من تلوث البيئة وعلى الأخص في المدن
الصحراوية التي تحيط بها الظروف الجوية غير الملائمة بالإضافة إلى أسباب التلوث
الوافدة مع استخدامات العصر الحديث .
وهناك نماذج عديدة للتخضير ، فعلى سبيل المثال : إن المسطحات
الخضراء تشغل مساحات معينة في المدن وتزرع بنوع واحد من الحشائش أو الأعشاب ذات
النمو المتجانس لتبدو بشكل جميل ومتناسق ، وللحفاظ على هذا التناسق يعمل
المهتمون إلى قص المسطحات باستمرار . وتساهم هذه المسطحات في تخفيف درجات
الحرارة بشكل كبير لا سيما عندما تروى بالرش الرذاذي وكذلك لقدرتها على إخراج
كميات كبيرة من بخار الماء عن طريق النتح ، كما تفيد في تلطيف أجواء حدائق
البيوت وتأمين الهواء النقي حيث تزيد نسبة الأيونات السالبة ، وتنعكس زيادة
الأيونات السالبة في الهواء إيجاباً على نشاط الإنسان ، وتزيد مقاومته للأمراض
المختلفة لا سيما الأمراض الجلدية والصدرية والتنفسية .
والنموذج الثاني للتخضير هو الأسيجة النباتية التي تزرع في صفوف
منتظمة حول البيوت ، وتأخذ أشكالاً مختلفة بحسب طبيعة الشجيرات والنباتات التي
تشكل هذه الأسيجة ، وأهم أنواعها: الياسمين والديدونيا والياسمين الكاذب والتين
المطاط والدفلة والمجنونة والمرجان والكوناكاربوس ، ولهذه الأسيجة دور مهم في
تلطيف الجو المحيط بالمنزل وتخفيف حدة الرياح لا سيما المحملة بالغبار والرمال
(الطوز) وتمنع الأتربة من الدخول إلى فناء المنزل .
ولا ننسى المتسلقات والمدادات ودورها في تعديل المناخ حول
المنزل ، حيث تتسلق أفرعها على الجدران والنوافذ لتشكل ظلالاً لها ، كذلك
يمكنها أن تظلل مداخل المباني والممرات الطويلة وغيرها .
وكذلك الدوارات الخضراء والمسطحات التي تنتشر في أماكن مختلفة
من المدن وكلها تقريباً يجب أن تروى بشبكة حديثة (الري الرذاذي) لتلطيف الجو
وامتصاص الحرارة من خلال النبات الأخضر ورذاذ الماء الذي يتدفق من المرشات ،
إضافة إلى الأشجار والشجيرات المزروعة في الشوارع والطرقات بأنواعها المختلفة
مثل : الصفصاف والكينا والكوناكاربوس والدفلة وكف مريم والمطاطيات ، والنخيل
الذي يعتبر من أكثر الأشجار مقاومة للحرارة وتحملاً للعطش وتوافقاً
مع مياه الصرف الصحي المعالجة للغرض نفسه أو مع مياه البحر
المحلاة .
وتأتي الحدائق العامة في المرتبة الأولى ، فهي تحتوي على كل
نماذج التخضير ، وذلك كونها المتنفس الوحيد للناس يقصدونها لقضاء الأمسيات خارج
المنزل بعيداً ، ولو لقليل من الوقت من أجهزة التكييف وجدران المنزل . خاصة إذا
زودت بكافة أشكال الخدمة ، الأمر الذي يشجع السكان على ارتيادها واحترام
نباتاتها ومكوناتها الأخرى .
10ـ جمال المدينة فيما تحويه من حدائق وأشجار :
يقاس جمال المدينة بما تحويه شوارعها وميادينها وحدائقها من
أشجار وشجيرات وزهور ومسطحات خضراء .. ، ولا شك أن أكبر دليل على تقدم أمة من
الأمم حضارياً هو شعور مواطنيها بأهمية الخضرة في بلادهم وبما يبذلونه من جهد
لإعادة هذه الخضرة والحفاظ عليها.
وإن من أهم القضايا التي تواجه أغلب المدن العربية ، كونها في
محيط صحراوي عميق يصل عمق بعضها إلى ألف كيلومتر ، وهو محيط جاف قاس قليل الماء
، تربته صحراوية غير جيدة للإنبات ، وكما هو معروف فإن أهم عاملين لتحويل المدن
الصحراوية إلى مدن خضراء مشرقة باسمة ، هي :
1-
توفير المياه :
عن طريق حفر الآبار العميقة ، وجلب مياه البحر المحلاة ، وبذلك يتوفر الماء
للاستعمال البشري وري حدائق المنازل فقط . ومن الضروري تطبيق نظم الري الحديثة
كالري بالتنقيط ، والرش الرذاذي وغيرها . وكذلك توفير مياه الصرف الصحي
المعالجة واستثمار هذا المصدر الثمين في ري المساحات المشجرة .
2-
إعداد البيئة الصالحة للاستنبات :
وهنا لابد من مراعاة النقاط التالية : نوعية التربة ، مراحل النمو ، مدى احتياج
النبات للظل أو الأشعة الشمسية المباشرة ، احتياج النبات من الماء ، تحمل
النبات للظروف المناخية القاسية وقدرته على إعادة الزراعة ، مقاومة النبات
للأمراض ومدى ملاءمته للزراعة التكليفية .
11ـ الحديقة المعاصرة والحفاظ على التراث الهندسي :
إن المحافظة على التراث الهندسي له طريقتان ..
فالطريق الأول
يعتمد على التوافق والانسجام والتنسيق مع البيئة العمرانية وفرض القيود على
هندسة الحدائق الجديدة لتأكيد معالم الحديقة التراثية ،
والطريق الثاني
يعتمد على كيفية المحافظة على أصالة الحديقة العربية مع الأخذ في الاعتبار
العوامل التقنية الحديثة والنواحي الاجتماعية للحياة العصرية ، فالحديقة
الحديثة هي الاستمرار الطبيعي للتراث الحضاري وربما تتغير وظيفتها أو طرق
تخطيطها وتنسيقها ، ولكن يجب أن تأخذ قيمها من التراث وهو ما يسمى بالحديقة
المعاصرة .
وإذا انتقلنا من التراث والماضي إلى الحديقة العربية المعاصرة
وجدنا أن تخطيطها وتنسيقها الحالي هو نتيجة مباشرة لتطورات أتت من القرن الماضي
والحالي .
ومما لا شك فيه أن النتائج الاجتماعية والثقافية والسياسية
والاقتصادية لهذه التغيرات فجرت التناقضات الكامنة بين قوى التأصيل المحافظ
وقوى التجديد المستغرب ، خالقة بذلك أزمة حضارية للمدينة العربية الإسلامية ،
لا حل لها سوى الاعتراف بأن الأصالة والمعاصرة هما وجهان لعملة واحدة ، وأن
المخرج الحضاري للأزمة يكمن في مقدرة المهندسين العرب على إيجاد الصيغة العملية
لتحقيق ذلك التحرك الحضاري المرموق .
12 ـ التجارب والحدائق الجديدة :
إن تطبيق مثل هذه الدراسات في البيئة العمرانية في المدن
الصحراوية اليوم ، تقودنا إلى ملاحظة المشاريع والتصميمات الحديثة التي نفذ
بعضها ومازال البعض الآخر في طور التصميم ، ونلمس إلى أي حد التقت المقومات
الأصيلة للحديقة العربية الإسلامية بالأسس العلمية للتخطيط السليم ، ونقف من
خلالها على تقويم بعض الأخطاء لعدم موالاة الاهتمام الكافي بالتراث العلمي
العربي وتلك الثروة الحدائقية الضخمة التي عبرت عن شخصيتنا وواقعنا وبيئتنا في
الماضي وتوجيه ذلك للحاضر والمستقبل . والدليل العملي على صحة ماسبق أنه مازالت
بعض دول أوربة وخاصة إسبانيا تحتفظ بما خلفه أجدادنا العرب المسلمون فيها من
مظاهر عمرانية حضارية تتمثل بعضها بآثار الحدائق العربية الأندلسية وخاصة في
مدن قرطبة وإشبيلية وغرناطة شاهدة على أصالة الحديقة العربية النابعة من بيئة
المجتمع العربي واحتياجاته ومتطلباته .
13 ـ خاتمــة:
لقد كرم الله سبحانه وتعالى الإنسان ببيئة متوازنة تتوفر فيها
كل مقومات الحياة ، كما ذللها وسخرها لخدمته واستخلفه فيها . يقول الله عز وجل
: ( هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه
النشور ) الملك : 15 ـ كما كرم الله عز وجل الإنسان دون سائر مخلوقاته بعقل يعي
ويدرك به أبعاد وأهداف وجوده في هذه الحياة الدنيا ، ولم يتركه سدى دون منهج
سليم وواضح للتعامل مع بيئته ، وإنما وضع له المنهج والقوانين والأسس السليمة
التي تحكم وتضبط حركة الحياة على الأرض ، وتكفل علاقة سوية بين الإنسان وبيئته
.
ونحن اليوم
، إذ ندعو إلى إحياء التراث العلمي وإلى التمسك بالشخصية العربية في تصميم
الحدائق وتنسيقها ، فليس القصد أن نتمسك بحرفية الطراز العربي التاريخي
وتفصيلاته ، وبالتالي نطلب إيقاف حركة الإبداع والتجديد . ليس هذا هو القصد بأي
حال من الأحوال ، ذلك أن إحياء التراث الحضاري العربي يعني ببساطة التجديد
الواعي والحكيم على أساس استيعاب مميزات الأصالة العربية وابتكارات العصر ، كما
يعني أن يصبح تصميم أماكن الحدائق والمتنزهات في المدن العربية ـ ذا شخصية
واضحة ـ وليس تقليداً حرفياً للآخرين، وفي الوقت نفسه أن يكون
ملائماً لظروفنا المعاصرة وتراثنا الروحي ومناخ بيئتنا المحلية .
ومن ناحية أخرى ، فإن تكن المدن العربية قد فقدت هذا العنصر
الحيوي الذي ميزها عبر التاريخ .. عنصر العلاقة المتناسقة بين البيئة العمرانية
بمبانيها ومنشآتها وبين بيئتها الطبيعية بعناصرها المختلفة ، فلا تزال الفرصة
أمامنا لإعادة تغليب هذا التراث الحضاري وتطبيقه في المدن العربية التي تتجه
النوايا إلى تطويرها وتجديدها في شتى أنحاء العالم العربي . لأن الكثيرين
يشعرون أن حضارة العصر بكل تقنياتها وأساليبها تقف اليوم عاجزة عن توفير الراحة
والأمان والهدوء ، بل أنها في الواقع لم تستطع أن توفر الحماية للبيئة التي
يحيا فيها الإنسان ، فصار
الهواء النقي عزيزاً .. والماء النظيف نادراً .. والصوت المسموع مؤذياً ..
والمنظر المرئي قبيحاً لا ينمي الإحساس بالجمال .
|