|
سنحاول فيما يلي أن نأتي على بيان بعض ما يختص به عمل المحقق لمثل هذه العلوم
التطبيقية، وذلك على النحو التالي:
أ ـ اختيار المخطوط:
ثمة مخطوطات كثيرة جداً في كل مجال من مجالات العلم، فلابد من تحديد
معيار واضح يجري على أسسه اختيار المخطوط الذي سيعنى به المحقق، فإن لم يجر مثل
هذا التحديد، ضاعت جهود كبرى في أعمال ضئيلة القيمة، وتبدد وقت طويل فيما لا
طائل تحته، ونعتقد أن أسس هذا المعيار في الاختيار هي:
1 ـ أن يقدم المخطوط العلمي إضافة جديدة للمعرفة، كأن يتضمن فكرة أو أفكاراً
لم يسبق أن تناولها مؤلف من قبل، أو ألمح إليها عالم في المجال الذي تبحث فيه.
ولا يعني هذا أن تكون كل أفكار الكتاب جديدة، أو رائدة في بابها، فأمر كهذا
بعيد التصور، ولا يتوفر إلا في النادر من الكتب، ولكن قد يضم الكتاب فكرة واحدة
تستحق، لجدتها، أ ن يبذل الجهد في تحقيقه كله، فكتاب "شرح تشريح القانون " لابن
النفيس(ت687هـ/1288م) يتألف من خمسة بحوث، لم تلق من اهتمام الأطباء العرب ما
لقيته مؤلفات طبية أخرى، إلا أن بضعة نصوص منه أثارت اهتمام الأطباء المحدثين
إلى الحد الذي جعل اسم ابن النفيس يفرض نفسه على أوساط العلماء في كل مكان،
وهذه النصوص هي التي وصف فيها الدورة الدموية في الرئة، وتقريره بأن عضلات
القلب تتغذى من الأوعية الدموية في داخلها لا من الدم المجود في أجوافه، فهذه
النصوص على قصرها النسبي جعلت من الكتاب واحداً من أبرز المؤلفات الطبية في
العالم.
2 ـ أن يؤكد الكتاب على فكرة علمية صحيحة قال بها بعض العلماء في عصر مضى،
ولكنها نسيت، أو تنوسيت، في العصور التالية لأسباب مختلفة، من ذلك مثلاً أن
ظاهرة انفجار النجوم الضخمة وتحولها إلى شظايا مادية وإشعاعات وغازات تندفع
بعيداً عن مركزها، كانت على الدوام من الظواهر التي اهتم بها الأقدمون بوصفها
تجلب النحس للإنسان، إلا أن نصاً واحداً في وصف هذه الظاهرة، أورده علي بن
رضوان(ت460هـ/1067م) في كتابه " شرح المقالات الأربعة في القضايا بالنجوم
لبطليموس" جعل من هذا الكتاب مهماً، ليس بوصفه كتاب طب فحسب، ولكن بصفته يحوي
على معلومات دقيقة، وإن لم تكن جديدة، لإحدى أهم الظواهر الفلكية في الكون.
3ـ وربما لم يحو مخطوط شيئاً من ذلك كله، لكنه ازدان بصور أو أشكال هندسية أو
جداول رياضية، وضحت ما أراد المؤلف أ ن يقدمه للقارئ، فمثل هذه الوسائل يمكن أن
يكون سبباً رئيساً لجعل المخطوط يغدو مهماً، فقد تساعد هذه الأشكال والصور
والجداول على فهم فكرة ما، بما تقدمه من بيانات دقيقة، أو أنها تصلح أن تكون،
لوحدها، موضوعاً لدراسة مستقلة. مثال ذلك أن مخطوطة "عجائب المخلوقات وغرائب
الموجودات " للقزويني(ت682هـ) احتوت على نحو خمسين صورة لبشر وحيوان في أشكال
وأزياء مختلفة، وسبب وجودها في المخطوط ما اعتقده مؤلفه من أنها تملك تأثيراً
كبيراً على القارئ، والفكرة في حد ذاتها قد تقوم على أساس علمي مفهوم أو لا،
ولكن الصور نفسها ذات قيمة فنية عالية، تصلح أن تكون موضوعاً لدراسة فنية قيمة.
وهنا يجب أن يلاحظ المحقق ما إذا كانت هذه الصور والأشكال من أصل نص المؤلف أم
أضيفت إليه في وقت تال للتوضيح.
4 ـ ومن مبررات اختيار مخطوط علمي لتحقيقه، ما يتضمنه من مصطلحات علمية تساعد
على فهم معان غامضة، أو تجارب مختبرية قصر دون فهمها الجهل بتلك المصطلحات، وقد
يكون ألف أصلاً لتيسير الوقوف على هذا الجانب المهم، مثل: كتاب " مفاتيح العلوم
" للخوارزمي الكاتب(ت387هـ) الذي جمع في طياته، بدقة وبلاغة ، أهم المعارف
المتداولة في عصره . وكتاب " التعريفات " للجرجاني (ت816هـ) الذي يضم مصطلحات
شتى مختلفة تتناول علوماً جمة ليس للدارس عنها غنى، وغير ذلك، أو أن يكون
المخطوط مما تكثر فيه المصطلحات المشروحة، أو الموضحة، فيفيد منها محقق
المخطوطات التي تتناول حقولاً معرفية لا تفهم مضامينها إلا الأمر في جميع
العلوم.
5ـ أن يكون المخطوط شرحاً أو حاشية، على كتاب علمي مهم، فتأتي شروحه وتعليقاته
موضحة للأصل، مبينة لمراميه، وهو أمر متوقع من شارح قريب زمناً من عهد مؤلف
الأصل، ومن ثم أقدر على فهم لغته ومصطلحاته وأفكاره من باحثيين متأخرين عليه
بمدد متطاولة، وبالمقابل فإن بعض المخطوطات العلمية تكتسب أهميتها من أن
مؤلفيها ضمنوها ردوداً علمية على كتب لمؤلفين سابقين، فبينوا بذلك شخصياتهم
العلمية، ومدى استقلال تفكيرهم، وما أصاب الفكر العلمي من تطور بعد أن وضع
أولئك السابقون مؤلفاتهم.
مثال ذلك: ما فعله ابن النفيس في شرحه لكتاب التشريح من كتاب القانون لابن سينا
، وما أضافه إلى هذا الشرح من ملاحظات مهمة.
6ـ وربما خلا مؤلف المخطوط العلمي من أهمية في ذاته، ولكن كتابه يبقى _مع ذلك_
جديراً بالتحقيق، نظراً لأنه نقل نصوصاً من كتب ضائعة، حوت ريادة في بعض حقول
المعرفة العلمية، أو أنه أشار إلى ترجمات مبكرة لكتب علمية ما كنا نعلم بها، أو
بترجمتها، في تلك العهود أصلاً، وكتاب "تذكرة أولي الالباب و الجامع للعجب
العجاب" لداود الانطاكي(ت1008هـ/1599م)، يستمد جانباً من أهميته من نقوله
المطولة من كتب عديدة لم تصلنا.
ب ـ الخلفية العلمية للمحقق:
يحتاج المخطوط العلمي إلى متخصص يحمل ثقافة علمية خاصة، إلى جانب
ثقافته التراثية العامة. ومكمن الحاجة أن التراثي فقط له القدرة على إنجاز
الخطوات الأولى في تحقيق المخطوط، من مقابلة، وفهرسة، وتقديم، وما إلى ذلك،
لكنه غير قادر على فهم مواطن الجدة في المادة العلمية نفسها، فضلاً عن تقدير
أهمية المخطوط نفسه من النواحي الأخرى.
مثال ذلك: كمال السامرائي وداود سلمان علي في تحقيقهما لكتاب "أدب الطبيب"
لإسحاق الرهاوي (المتوفى في القرن الرابع الهجري). وصالح أحمد العلي في تحقيقه
لكتاب "ما يحتاج إليه الصانع من علم الهندسة" لأبو الوفا البوزجاني(ت388هـ).
ويمكن أن يقوم تعاون بناء بين مختصين، أحدهما بالتحقيق بوصفه علماً قائماً
بذاته، و الآخر بالموضوع العلمي الذي يتناوله المخطوط نفسه.
ت ـ المصطلحات العلمية:
تحتل المصطلحات العلمية أهمية خاصة لدى محقق النصوص العلمية الكونية،
حتى تكاد تكون إحدى أهم المشاكل التي يواجهها في أثناء عمله، وربما لا يعاني
محقق النصوص الادبية مثل هذه المشكلة، فالألفاظ في الكتب العلمية تحمل معان
اصطلاحية خاصة لايفطن إليها إلا المحقق الماهر، والقاعدة القائلة بأن على
المحقق أن يشرح معاني الألفاظ بالرجوع إلى المعاجم الرئيسة المعتمدة، مثل
القاموس و اللسان والتاج ونحوها ، لاتصح _البتة_ عند تحقيق النصوص العلمية، بل
الرجوع إلى كتب اللغة و المعاجم في هذا المجال من شأنه أن يفقد العمل قيمته، أو
أن يفسده تماماً.
لنتصور أن محققاً وقف ، عند تحقيقه كتاباً في الكيمياء، على ألفاظ مثل
"الأرواح" و "الأجساد"، ففسرها في ضوء معطيات اللغة بمعانيها المعروفة، فماذا
ستكون النتيجة، إنه سيفسد النص تمتماً، وسيضلل القارئ عن غير قصد منه، فالأرواح
هنا هي غازات محددة، والأجساد هي سبعة من المعادن حصراً. وهكذا الأمر في جميع
العلوم.
إذن، إن المصطلحات العلمية تشبه هنا أن تكون مفاتيح العلم، فمن واجب
المحقق أن يولي هذا الجانب ما يستحقه من عناية واهتمام، وإلا لبث المخطوط الذي
حققه مغلقاً في وجه القراء والباحثين و المحققين التالين الذين يسعون من خلال
فهمهم لهذا النص فهم نصوص أخرى يتولون تحقيقها. وكم يكون مفيداً إذا ما ألحق
المحقق بتعريفه لمعنى المصطلح ما يؤديه من معنى في العلم المعاصر، أو ما يقابله
من المصطلحات الحديثة المستعملة في مجال العلم موضوع النص المذكور، إنه فعل،
فسيكون قد وفر على الباحثيين فرصة فهم النص فهماً علمياً عصرياً.
ث ـ أسماء المواد الداخلة في نطاق العلم:
وبالإضافة إلى مشكلة المصطلح العلمي، فإن على المحقق أن يجهد نفسه في
حل مشكلة أخرى تتصل بها، لا تقل عنها صعوبة، وهي ضبط المئات بل الآلاف من أسماء
المواد الداخلة في نطاق العلم الذي يحقق مخطوطة فيه، ويزيد الأمر صعوبة أن
عدداً كبيراً من تلك الأسماء من أصول لغوية غير عربية، كاليونانية، والفارسية،
والهندية، واللاتينية، وسواها من اللغات السائدة في العصور الماضية، ومثل تلك
الأسماء يصعب ضبطه إلا بجهد كبير، لأن نساخ المخطوطات يجهلون بالطبع طريقة
تلفظها، فيصحفون حروفها تصحيفاً بيناً يصعب اكتشاف حقيقته إلا بالرجوع إلى أصل
اللغة التي أخذ منها المصطلح نفسه.
ومن المفيد جداً أن يرفق المحقق الاسم القديم بما يقابله من الأسماء
العلمية الحديثة، وبخاصة منها الاسم العلمي الذي هو في الغالب مأخوذ من
اللاتينية، لأن في هذا الإرفاق ما يسهل على القارئ، إن كان باحثاً، تحديد
مكونات ذلك المسمى، إن كان حجراً، أو نباتاً، أو ظاهرة…الخ، من ثم يسهل عليه
فهم مضمون النص المحقق فهماً علمياً معاصراً.
والسؤال الذي يطرح نفسه : أين يضع المحقق مثل هذه الشروح لمئات من
الألفاظ التي قد يضمها المخطوط العلمي الذي يقوم بتحقيقه ؟
هناك رأيين رئيسين، هما:
1 ـ أن توضع شروح الألفاظ والمصطلحات العلمية عند ورودها لأول مرة،
ليسهل على القارئ أن يدرك منذ الوهلة الأولى معانيها، فييسر لـه ذلك
فهم النص العلمي أينما وردت من بعد.
2 ـ أن تجمع هذه الشروح وترتب على هيئة معجم هجائي يوضع بصفة
ملحق بالكتاب المحقق، وذلك ليرجع إليه القارئ كلما مر عليه هذا
اللفظ.
وتوسط فريق من المحققين بين الطريقين، فوضع
شروحه في هوامش المتن، حيثما ورد اللفظ العلمي، ولكنه رتب معجماً بهذه الألفاظ
اقتصر على ما يقابلها من الألفاظ العلمية العصرية.
ج ـ الصور والأشكال التوضيحية:
على المحقق أن يولي هذا الأمر
جانباً كبيراً من عنايته، وذلك بأن يحرص على نشر جميع الرسوم الملونة بألوانها
التي رسمت بها ما أمكنه ذلك. لأن من شأنها نشرها مجردة من تلك الألوان أن
يفقدها جانباً من أهميتها العلمية، فضلاً عن أهميتها الفنية.
أما الأشكال التوضيحية، وغالباً ما تكون في
مجال العلوم التطبيقية، ففي وسع المحقق أن يعيد رسمها بدقة توفرها لـه وسائل
الرسم الحديثة، على أن لا يخرج على ما أراده المؤلف من شكل.
وهذا ما فعله أحمد يوسف الحسن عند نشره نماذج من تحقيقه كتاب "الجامع بين
العلم والعمل النافع في صناعة الحيل " للجزري ( القرن 9هـ)، بعد أن نشر صور من
نسخه للمخطوطة، بألوانها الأصلية، أعاد رسم الآلات الميكانيكية الواردة فيها
رسماً هندسياً دقيقاً ملتزماً بالأصول الخطية التي أوردت صور تلك الآلات.
|