الصفحة الرئيسة

آثار الوطن العربي

الحضارة العلمية

الحضارة العمرانية

الحضارة الفنية

الحضارة الأندلسية

الحضارة الإنسانية

تاريخ الحضارات

المخطوطات

تراجم وأعلام

كتابات وخطوط

متاحف

مكتبات

عواصم الثقافة

أخبار الحضارات

الكعبة المشرفة والمسجد الحرام

 

((إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين))

 

 

فضائل المسجد الحرام ومزاياه

الكعبة قديماً:

    كانت الكعبة المعظمة في مبدأ الأمر أرضاً فسيحةً ليس حولها دور أو جُدُر، وذلك لأن القبائل التي قطنت مكة حينذاك كانت تسكن في شعاب مكة تاركة ما جاور الكعبة المعظمة خلاءً لا يرتادونه إلا لتعظيم الكعبة والإلمام بها. وبقي الحال كذلك إلى أن جمع قصي بن كلاب قومه وأشار عليهم بالسكن حول البيت حتى تهابهم العرب ولا تستحل قتالهم أو الهجوم عليهم. ومنذ ذلك الحين بدأت بيوت مكة تنسج للكعبة مساحة محددة بجدران البيوت المحيطة بها. وكان العرب في تلك الساحة الفضاء حول الكعبة يطوف الطائفون منهم، وتجلس قريش صباحاً ومساء في أطرافها... هكذا كان الوضع قبل البعثة النبوية الشريفة في المسجد الحرام.


المسجد الحرام... قبل الإسلام:

    ولم تتح الفرصة للمسلمين لأداء الصلاة في المسجد الحرام قبل الهجرة إلا نادراً، وفي حالات خاصة سواء قبل الهجرة أو بعدها، سواء قبل الهجرة أم بعدها. فقد كانت قريش تمنعهم من الصلاة فيه بشكل عام، إلى أن كان يوم الفتح سنة ثمان للهجرة عندما دخل المسلمون المنتصرون ـ وقد دانت لهم مكة واستسلمت ـ إلى المسجد الحرام الذي يتجهون إليه في صلواتهم أينما كانوا، لا يمنعهم عن الصلاة في بيت الله عدو أو خصم.

وكان المسجد الحرام قبل الإسلام يطلق عليه اسم البيت حتى سماه القرآن الكريم المسجد الحرام، وذلك في قوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى} وقوله: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينّك قبلة ترضاها فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام}... كما سماه الله حرماً آمناً، وسماه البيت العتيق، وأضافه إلى نفسه في قوله: {أنْ طهرا بيتي} إضافة تشريف للبيت وتكريم.

ومن الصعب جداً أن يحصر المرء ما يتعلق بالمسجد الحرام من وجوه متعددة وضعاً وأحكاماً وخواطر وآداب وصفا وأحكاما وخواطر وآداب - في عجالة سريعة...
إلا أننا سنتحدث عن المسجد الحرام من زاويتين:
أولاهما: عن منزلته وخصائصه وفضائله، وما يتبع ذلك من أمور خاصة بالحرم المكي دون سواه من سائر المساجد.
وثانيتهما: عن بنائه وترميمه وتجديده وتوسعته والعناية به وما يتعلق بذلك من أول أمره إلى زمننا هذا...
وإذن فلنبدأ بالحديث عن أولى الزاويتين.


قدسية البيت العتيق:

إن تعظيم البيت العتيق ليس بدعاً في الإسلام ولم يكن فيه ابتداء، بل قد روي عن علي بن الحسين رضي الله عنهما أن الله تعالى وضع تحت العرش بيتاً وهو البيت المعمور وأمر الملائكة أن يطوفوا به ثم أمر الملائكة الذين في الأرض أن يبنوا بيتاً في الأرض على مثاله وقدره فبنوا هذا البيت، وأمر من في الأرض أن يطوفوا به كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور.

كما روي أن الملائكة كانت تحجه قبل خلق آدم بأمد بعيد. فلما حجه آدم عليه السلام بعد نزوله إلى الأرض تلقته الملائكة قائلة: بَرّ حجك يا آدم. لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام.

ومن هذا القبيل ما أخبر الله سبحانه عن أمره لإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أن يرفعا قواعد البيت وأن يطهراه للطائفين والعاكفين والركع السجود.

وقد درج العرب في جاهليتهم على ذلك التعظيم للكعبة المشرفة واحترام أهلها فكانوا من جميع أطراف الجزيرة العربية يحجون البيت في الموسم، ويوقفون القتال لإفساح المجال أمام موكب الحجاج ليصل من أطراف الجزيرة سالماً ذهاباً وعودة، كما كانوا يتناسون ثاراتهم ودماءهم داخل الحرم التابع للكعبة المعظمة. هذا عدا ما كانوا يهدونه إلى الكعبة من الهدايا النفيسة، وكانوا كذلك لا يستحلون الطواف إلا بثياب جديدة، أو بثياب أهل الحرم التي بظنهم لا تعلق الذنوب بثيابها.

وقد منَّ الله سبحانه وتعالى على قريش بهذه المزية في بيتهم، وذكرهم بها أكثر من مرة مما أعظم شأنهم في عيون العرب والقبائل المحيطة فلم تكن تجسر أو تتجرأ على منازعتهم أو العدوان عليهم. قال تعالى: { أولم يروا أنا جعلنا حرماً آمناً ويتخطف الناس من حولهم}.

وتلك لعمري حقيقة واقعة لا تنكر خاصة إذا أضفنا إليها أن الله سبحانه وتعالى كان بالمرصاد للطاغية الحبشي أبرهة عندما جاء بجيش لَجِبٍ لا طاقة للعرب به وزوده بالعتاد والسلاح والفيلة فارتدت العرب عن طريقه، وعجزت عن ملاقاته، حتى إذا كاد أن يبلغ مراده من هدم الحرم وتسويته بالأرض وصرف الناس عنه إلى معبده ( القليس) فقد أرسل عليه من جند من السماء طيراً يجوب السماء فوق جيشه في جماعات تحمل الموت الزؤام، بما تلقيه عليه مناقيرها وأقدامها من حجارة معدة للعذاب، مسومة عند ربك للمسرفين. {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم طيراً أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول}. فكيف يجرؤ بعد ذلك أحد على العدوان على الحرم وأهله والله له بالمرصاد.


الإسلام والبيت الحرام:

ولما جاء الإسلام احتلت الكعبة المشرفة والمسجد الحرام في مكة من القلوب أعلى منازلها، وأعطيت من الفضائل أغلى دررها، وليس ذلك بكثير على البيت الأول لله في الأرض الذي قال الله سبحانه فيه: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد} كما قال فيه: { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركاً وهدى للعالمين}.


هذا ونستطيع أن نجعل فضائل البيت الحرام في النقاط التالية:
ـ التوجه في الصلاة:

إن صلاة المسلمين في أنحاء الأرض كلها، وبجميع أقسامها المفروضة والمسنونة والعامة والخاصة، يشترط فيها التوجه إلى الكعبة المشرفة في المسجد الحرام عياناً في حالة القرب، وإلى جهتها في حالة البعد بعد أن أقر الله عين نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة المشرفة. { قد نرى تقلّب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث كنتم فولوا وجوهكم شطره}. فالمسجد الحرام يمثل أعظم عامل موحد للمسلمين في بقاع الدنيا يجمعهم حوله خمس مرات كل يوم على أقل احتمال.

ـ الحج إلى بيت الله الحرام:

إن الحج ـ وهو ركن من أركان الإسلام ـ فرض عين على كل مسلم يستطيع الوصول إليه، مرة واحدة في العمر كحد أدنى { ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}... وإذا كانت الصلاة تجمع المسلمين بوجوههم ونياتهم وقلوبهم حول المسجد الحرام فإن الحج يجمع المسلمين بأبدانهم وأجسادهم في جمع واحد يؤم البيت العتيق من كل حدب وصوب { وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فجّ عميق}. وهذا الجمع المادي لأفراد الأمة الواحدة يجعل المسجد الحرام أداة تذويب للفوارق، الشكلية والحواجز الدنيوية، والسلوكيات الاجتهادية للمسلمين، ليحُل مكانها الألفةَ والمودةَ والإخاء والتعاون والتعارف.

ـ الكعبة... داخل المسجد الحرام:

ويكفي المسجد الحرام شرفاً لا ينازعه فيه ولا يدانيه مسجد آخر في الدنيا وجود الكعبة المشرفة فيه، فهي عموده الفقري وتاجه اللؤلؤي ودرته النفيسة. والمسلم يرى أن القلم أعجز من أن يصف ما تستحقه الكعبة من إجلال وإعظام، فهو يعتقد أن النظر إليها وتكحيل العين برؤياها عبادة يثاب عليها. لما رواه الطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنها قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يُنزِل اللهُ على أهل المسجد مسجد مكة كل يوم عشرين ومئة رحمة، ستين منها للطائفين، وأربعين منها للمصلين، وعشرين منها للناظرين).

كما يعتقد أن دخول بنيتها دخول في رحمة الله لما رواه البيهقي والطبراني في الأوسط عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من دخل البيت دخل في حسنة، وخرج من سيئة، وخرج مغفوراً له) هذا عدا عن أن الدعاء عند النظر إليها مجاب كما رود في سنن البيهقي عن أبي إمامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(تفتح أبواب السماء، ويستجاب الدعاء في أربعة مواطن: عند التقاء الصفوف، ونزول الغيث وإقامة الصلاة، ورؤية الكعبة).

وفوق ذلك كله ففي الكعبة الحجر الأسود الذي هو يمين الله في الأرض، وهو شاهد على الخلق يوم القيامة وهو قطعة من الجنة وكان أبيض فأسودّ من خطايا بني آدم، وعنده تسكب عبرات المحبين الصادقين لربهم التائبين من ذنوبهم، العائدين إلى الله. روى الحاكم وابن ماجة عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل الحجر ووضع شفتيه عليه يبكي طويلاً، ثم التفت فإذا هو بعمر بن الخطاب رضي الله عنه يبكي فقال: "يا عمر هاهنا تسكب العبرات".

وتقبيل الحجر الأسود ووضع الخد عليه "إذا أمكن دون مزاحمة ولا مشقة" سنة...

وقد جاء في بعض الراويات أن الشيطان لا يتمثل بالكعبة في المنام لما روى الطبراني في معجمه من طريق عبد الرزاق عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من رآني في منامه فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي ولا بالكعبة).

ـ تحية المسجد الحرام:

وللبيت المعظم في مكة تحية خاصة به ليست كتحية باقي المساجد، فتحيته الخاصة به الطواف به سبعة أشواط حين الدخول إليه قبل كل شيء، ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم أول شيء بدأ به الطواف. كما أن هذه التحية مأمور بها ثانية عند مغادرة البلد الحرام مكة المكرمة، فتجب على كل من خرج من مكة مسافراً منها، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت).

ـ مضاعفة الصلاة:

والصلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه من المساجد، لما رواه أحمد والبزار في مسنديهما وابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من الصلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة) وعند البزار في مسنده عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( فضل الصلاة في المسجد الحرام على غيره بمائة ألف صلاة ). وتضعيف الصلاة فيه ـ كما يقول الزركشي ـ في كتابه المرجع: إعلام الساجد ـ لا تختص بالفريضة، بل تعم النفل والفرض، وإن التضعيف لا يختص بالصلاة بل وسائر أنواع الطاعات كذلك قياسا.
كما حذر المقيم في المسجد الحرام من السيآت التي تضاعف هناك لحرمة المسجد الحرام فيشتد أخذ الله بها. قال الله تعالى: { ومن يرد فيه بإلحادٍ بظلمٍ نذقْه من عذاب أليم}.

ـ إخراج الكافرين منه، وشد رحال المؤمنين إليه:

وقد أمر الله سبحانه وتعالى بإبعاد الكفرة الملحدين عن المسجد الحرام وإخراجهم إلى مناطق بعيدة عنه نائية حتى لا يدنسوه. قال تعالى: { إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} في الوقت الذي جعل شد رحال المؤمنين إليه لحجه أو الاعتمار فيه أو الصلاة أو أداء العبادات أو الاعتكاف أو المجاورة قربة مسنونة (لا تشد الرحال إلا ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى).

ـ مقام إبراهيم عليه السلام:

وفي المسجد الحرام بمكة ـ حرسها الله ـ آياتُُ بينات، منها مقام إبراهيم، وهو الحجر المعروف قرب الكعبة، الذي كان إبراهيم عليه السلام يقوم عليه ليرفع بناء جدار الكعبة قال تعالى: { فيه آيات بينات مقام إبراهيم}. وقال تعالى: {واتخِذوا من مقام إبراهيم مصلى}.

ـ زمزم... ماء مبارك:

ومن الآيات البينات في المسجد الحرام عين ماء زمزم التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ كما في الصحيح ـ "إنها مباركة". وقد روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم فيه طعام من الطعم وشفاء من السقم". وقد ذكر أنها من عيون الجنة، وأن مياه الأرض العذبة ترفع قبل يوم القيامة غير زمزم.

ـ احترام كبير، ولو من بعيد:

ومن تعظيم المسجد الحرام أنه يحرم على المسلم استقبال الكعبة المعظمة واستدبارها بالبول والغائط في الصحراء، وفي البنيان عند كثير من العلماء أينما كان المسلم. نقل الزركشي أنه روي في حديث سراقة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا أتى أحدكم البراز فليكرم قبلة الله ولا يستقبل القبلة).

ـ لا أوقات لكراهة الصلاة فيه:

ومن فضائل المسجد الحرام أن للصلاة فيه وضعاً خاصاً، فهي لا تحرم ولا تكره في أي وقت من أوقات النهار أو الليل كما هو الحال في خارجه حيث تحرم بعد صلاة الصبح، وبعد صلاة العصر، وعند طلوع الشمس وعند غروبها وعند استوائها. ففي السنن الأربعة من حديث جبير بن مطعم رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار).

كما أن المرور بين يدي المصلي لا يكره في المسجد الحرام، فعن عبد الرزاق عن المطلب بن أبي وداعة قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في المسجد الحرام والناس يطوفون بالبيت بينه وبين القبلة بين يديه ليس بينه وبينهم سترة).

وكذلك فإن صفوف الصلاة في كل مساجد الأرض مستقيمة في اتجاه واحد نحو الكعبة إلا في المسجد الحرام فهي ملتفة حول الكعبة لا يضر تقدم المأموم على الإمام فيها ما دام ليس في جهته، بل المشروط فيها فقط أن يكون الإمام أقرب من المأموم إلى الكعبة.

 

بناؤه وتاريخه

والحديث فيما سبق تناول فضائل المسجد الحرام وما أعطاه الله وخصه به من المزايا العظيمة التي جعلته عند المسلمين قدس الأقداس ودرة من المساجد وأعظم المعابد، مما يستدعي الاهتمام به، ومراعاة أحواله، وتوسيع بنائه، وترميم أطرافه، ورد عوادي الزمن عنه ومواكبة تطور الحياة في أجزائه وأجهزته، والإنفاق بسخاء على حاجاته، والعناية بشدة بتزيينه وإجلاله وإعظامه . وذلك ما يستحقه المسجد الأول في الأرض، المضاف إلى ذات الله، المرفوعة قواعده بيد أبي الأنبياء إبراهيم وابنه الذبيح إسماعيل عليهما السلام، والذي في جواره ولد المصطفى عليه السلام، وإليه تهفو نفوس المسلمين إلى يوم الدين.


سجل تاريخي مفتوح:

ونستطيع القول جازمين أن تاريخ بناء وتوسعة وتجديد الحرم المكي يمثل تاريخ الإسلام السياسي والاجتماعي والعمراني.. فليس هناك من خليفة أو ملك، أو أمة أو شعب، أو عصر أو جيل من المسلمين، إلا وله في المسجد الحرام بصمات أو موقع، سواء بقي من ذلك شيء إلى الآن ماثلاً وشاهدا أم زال أمام سيل الإضافات والتجديدات والتوسعات التي ما توقفت منذ أيام الخلافة الراشدة حتى يومنا هذا، ليصبح المسجد الحرام في كل عصر وزمن أجمل المساجد وأوسع المساجد وأعظم المساجد وأطيب المساجد.


البناء القديم:

ويبدأ تاريخ المسجد بتاريخ بناء الكعبة المشرفة، وقد ذكر العلامة الألوسي أنها بنيت من قبل خمس مرات:

الأولى: بناء الملائكة عليهم السلام قبل آدم عليه السلام، وكانت من ياقوته حمراء، ثم رفع ذلك البناء إلى السماء أيام الطوفان.

الثانية: بناء إبراهيم مع ابنه إسماعيل عليهما السلام.

والثالثة : بناء قريش في الجاهلية، وقد حضره النبي صلى الله عليه وسلم، وكان شاباً ابن خمس وثلاثين سنة وشارك بنفسه الشريفة أعمامه في العمل، ولما أرادت قريش في هذا البناء أن ترفع الحجر الأسود لتضعه في مكانه اختصمت فيما بينها، حتى كانت تقع الحرب، ثم اصطلحوا على أن يحكم بينهم أول رجل يخرج من عليهم من هذه السكة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول من خرج فقضى بينهم أن يجعلوا الحجر الأسود في مرط ( أي كساء) ثم يرفعه زعماء القبائل فرفعوه ثم ارتقى عليه السلام فوضعه بيده الشريفة مكانه.

والرابعة: بناء عبد الله بن الزبير الذي بناها حسبما بلغه من خالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن رغبة النبي صلى الله عليه وسلم فجعل لها بابين لاصقين في الأرض: باباً للدخول والآخر للخروج، وضم حجر إسماعيل إليها.

والخامسة: بناء الحجاج بن يوسف الثقفي الذي غير ما فعله ابن الزبير بعد مقتله...

وقد أضاف بعض المؤرخين إلى تلك المرات الخمس المعلومات عن بناء الكعبة مرة أخرى: إذ بنيت الكعبة أيام قصي بن كلاب أحد أجداد النبي صلى الله عليه وسلم وزعيم مكة في حينه، وذكر أن أول من سقف الكعبة المعظمة قصي بن كلاب، سقفها بخشب الدوم وجريد النخيل.

كما أن من الثابت المؤكد تاريخياً أن قريشاً لما بنت الكعبة المعظمة قصرت بها النفقة الحلال الصرف عن استكمال البناء، فتركوا من البيت مقدار ستة أذرع وشبر، وبنوا دونه جدار الكعبة، ولئلا يضيع ما أخرجوه منها أداروا عليه جداراً قصيراً بارزاً.. فهو المسمى اليوم حجر إسماعيل، قال الزركشي نقلاً عن الأزرق في تاريخ مكة: جعل ابراهيم صلى الله عليه وسلم طول بناء الكعبة في السماء سبعة أذرع (3.5م) وطولها في الأرض ثلاثين ذراعاً (15م) وعرضها في الأرض اثنين وعشرين ذراعاً (11م)، وكانت بغير سقف، ولما بنتها قريش جعلوا طولها ثماني عشرة ذراعاً في السماء (9م) .. ولما بناها ابن الزبير جعل طولها في السماء سبعة وعشرين ذراعاً (13.5م) وجعل عرض جدارها ذراعين (1م)، وجعل فيها ثلاث دعائم، وأرسل إلى صنعاء فأتي من رخام بها، وجعل لبابها مصراعين وللباب الآخر مثله وجعل بها، ميزابها يسكب في الحجر، وجعل لها درج في بطنها من خشب معرجة يصعد فيها إلى ظهرها، وذلك سنة (64هـ). كما ضم الزبير حجر اسماعيل إليها.

وإذا تابعنا تاريخ الكعبة المعظمة من حيث البناء، نجد أن عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي بعد مقتل ابن الزبير أعادها إلى ما كانت عليه قبل عبد الله بن الزبير، فجعل بها باباً واحداً مرتفعاً عن الأرض وأخرج منها الحجر ثانية، وقد ندم بعد ذلك على ما فعل.

ولما كان هارون الرشيد الخليفة العباسي أراد أن يرد بناء الكعبة على ما فعله ابن الزبير واستشار الإمام مالك بن أنس في ذلك فقال له: ناشدتك الله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك، لا يشاء أحد إلا نقض البيت وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس. فترك ما هم به.

ويضيف الزركشي ( في إعلام الساجد) قائلاً: فاستحسن الناس هذا من مالك، وعملوا عليه، فصار هذا كالإجماع على أنه لا يجوز التعرض له (أي البيت) بهدم أو تغيير والله أعلم.

 

إصلاحات وترميمات:

ولكن خلال السنين المتعاقبة منذ ذلك الحين جرت إصلاحات وترميمات وتجديدات كثيرة للكعبة المعظمة. فمن ذلك أنه في عام (542هـ) عمّر سقفها الخليفة العباسي المقتفي لأمر الله.
وفي سنة (550) تم ترميم رخامها.
وفي سنة (559هـ) جرت تقوية الركن اليماني بشدّهِ عند ما تضعضع وذلك أيام المستنجد بالله.
وفي سنة (720هـ) أمر الناصر محمد بن قلاوون بتعمير رخام الحجر.
وفي سنة (917هـ) أمر الملك قانصوه الغوري من المماليك بنقض الحجر الأسود وبناه من جديد برخام استقدمه من مصر.
وفي سنة (1010هـ) أمر السلطان الثاني العثماني محمد الثالث بأن يجدد الشادروان الملاصق لجدار الكعبة، وجعلوا حجارته من المرمر.
كذلك وفي سنة (1019هـ) أمر السلطان العثماني أحمد بأن تحزّم الكعبة بزنار من نحاس غلفه بالذهب الخالص لتعضيد جدارها الشمالي المتصدع.
وفي عام (1039هـ) وأثر هطول مطر شديد تصدعت جدرانها، فبادر السلطان مراد بإعادة بناء الكعبة وصنع لها باباً جديداً فخماً، وقد انفلق الحجر الأسود في هذا البناء إلى أربع شظايا، فأعيد جمعه وعولج بحيث لا يتفت ثانية.
وفي عام (1073هـ) أيام السلطان العثماني محمد الرابع جرى تعمير سقف الكعبة وجعلوا له إفريزاً.
وقد جدد السقف ثانية عام (1100هـ) في عهد السلطان مصطفى الثاني
وجرت كذلك بعض الترميمات أيام السلطان أحمد الثالث المتوفى عام 1149هـ.
وفي عام 1276هـ أهدى السلطان عبد المجيد إلى الكعبة ميزاباً مصفحاً بنحو خمسين رطلاً من الذهب الخالص وهو لا يزال إلى اليوم.
وفي عام 1331هـ أمر السلطان محمد رشاد ( محمد الخامس ) أن يحاط الحجر الأسود في الكعبة المشرفة بطوق من الفضة الخالصة.

وفي عام 1377هـ تم إعادة بناء سقف الكعبة وإصلاح الجدران المتصدعة، وترميم الكسوة الرخامية من الداخل التي على الجدران من الداخل .
ومما يذكر أن باب الكعبة من الذهب الخالص المنقوش بالزخارف والآيات الكريمة.

 

كسوة الكعبة:

هذا عن بناء الكعبة، أما عن كسوتها فقد قيل: إن تبعاً ملك اليمن في الجاهلية هو أول من كسى الكعبة، وذلك قبل الإسلام بسبعمائة عام. وقد كساها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثياب القباطي، وكان عمر رضي الله عنه يفعله في خلافته، وكساها كذلك معاوية وابن الزبير الديباج الأحمر. يقول الأزرقي: وكانت تكسى يوم عاشوراء، ثم صار معاوية يكسوها مرتين، والمأمون يكسوها ثلاثاً: الديباج الأحمر يوم التروية، والقباطي هلال رجب، والديباج الأبيض يوم سبع وعشرين من رمضان المعظم، ثم كساها الديباج الأسود الخليفة الناصر العباسي، فهي تكسى بالأسود إلى اليوم.

 

ومازالت كسوة الكعبة سنة متبعة يتباهى بها الملوك طوال الزمن حتى استقر أمرها منذ سنة (743هـ) إلى أمد قريب في مصر، فكانت تصنع فيها، ثم يعد لها موكب عظيم يحملها بكل إجلال إلى البلد الحرام، وحديثاً استحدث في مكة مصنع خاص لكسوة الكعبة المعظمة، مجهز بكل الوسائل الحديثة، التي تهيء للكعبة ثوباً من أفخر النسيج ونفيس القماش ورائع النقش وبديع الخط، تكسى به صبيحة يوم النحر من كل عام، في موكب مهيب يحف بها ويعظمها فتبدو كعروس تجلى بأبهى ثيابها.

 

 

 

وللمسجد الحرام تاريخ ومجد:

أما المسجد الحرام من حول الكعبة المعظمة فتاريخه أيضاً حافل بالبناء والتجديد والتوسعة، حتى كأنه انشودة الدول والممالك، وسفر الخلفاء والعظماء.

وقد كان المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا جدار يحيط به ولا باب يغلق عليه، وبقي الحال كذلك مدة خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ولم تكن بالناس حينذاك حاجة إلى توسعته لقلتهم وانشغالهم بالفتوح، فلما استخلف عمر رضي الله عنه وسع المسجد واشترى دوراً فهدمها وأدخلها فيه، ثم أحاط عليه جداراً قصيراً دون القامة، وكانت المصابيح توضع عليه. ثم لما استخلف عثمان رضي الله عنه اشترى دوراً أيضاً ووسع بها وبنى المسجد والأروقة حوله، ثم إن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه زاد سنة بضع وستين..

للهجرة في المسجد زيادة كثيرة في خلافته، ثم عمره بعد ذلك عبد الملك بن مروان ولم يزد فيه ولكمنا رفع جدار المسجد، وحمل إليه أعمدة الحجارة الرخام، وسقفه بالساج، وزين اسطواناته بالذهب، فجعل على رأس كل واحدة منها خمسين مثقالاً من الذهب. ولما كان ابنه الوليد جعل سنة (91هـ) للمسجد بناء محكماً فوق العقود المزخرفة بالفسيفساء من جهة شرقي الكعبة، ثم إن المنصور العباسي زاد في شقة المقابل لبناء الوليد رواقاً محمولاً على عمد الرخام، كما اشترى المساكن الملاصقة للمسجد من جهتيه، الشمالية والغربية، وهدمها وأدخلها في ساحة المسجد فتضاعفت مساحة المسجد، وقد استغرقت أعماله ثلاث سنين من عام (137هـ) إلى (140هـ). ويقال: إن أول مآذن الحرم المكي بنيت في عهده.

ثم زاد في المسجد الحرام الخليفة العباسي المهدي مرتين ( 160و 164هـ) وكانت الكعبة في جانب المسجد فأحب أن تكون في الوسط، فاشترى دورأ لتكون الكعبة متوسطة فيما حولها، وعمر المسجد الحرام، ودعم بناءه بأعمدة الرخام، وأنفق أموالاً عظيمة (قرابة 4.5 مليون دينار ذهبي) وكانت عمارته هذه من المتانة بحيث تحملت عوامل الزمن لمدة ناهزت ثمانية قرون، وقد بلغت مساحة الحرم في عهد المهدي (30240متراً مربعاً).

 

وفي عام (281هـ) أمر الخليفة المعتضد بضم دار الندوة إلى المسجد، وأن يعمر المسجد بالأساطين والطاقات والأروقة المسقفة بالساج المزخرف كما فتح في جدار المسجد اثني عشر باباً بعقود ستة كبار، وبينهم ست صغار، وبنى منارة.

وفي عام (306هـ) أمر الخليفة جعفر المقتدر أن تضم دارا زبيدة زوجة هارون الرشيد إلى مساحة المسجد، وبهذه الزيادة انتهت مساحة المسجد إلى ما يعرف في أيامنا الحاضرة بصحن الطواف الحالي.

وفي عام (736 هـ) تم بأمر الناصر محمد بن قلاوون تعمير الأساطين التي حول المطاف في المسجد، فجعل بعضها من حجارة منحوتة بدقة، وبعضها من الأجر المجصص، ووضع بين كل أسطوانتين عارضة من الخشب لتعلق فيها القناديل.

وفي عام (802هـ) حدث بأحد رباطات المسجد حريق دمرّ بعض سقف المسجد وأروقته، فتم تغيير الأسطوانات القديمة واستبدلت بأخرى جديدة من جبال مكة.

ثم لما جاء العثمانيون تعاقب خلفاؤهم على ترميم المسجد الحرام والعناية به. ففي عام (979هـ) أمر السلطان سليم ببناء المسجد بكامله بناءً محكماً، وأن يجعل سقف جميعه قباباً عوضاً عن الأخشاب، وقد استكمل هذا العمل السطان مراد الثالث، وفي عام (1003هـ) أمر السلطان بجعل حجارة المطاف من المرمر.

وفي عام (1039هـ) أمر السلطان مراد الرابع بإعادة بناء المسجد من جديد بعد تأثره بمطر وسيول شديدة. وفي عام (1259هـ) أهدت والدة السلطان عبد الحميد الثاني للمسجد الحرام سته أعمدة، في رأس كل عمود نخلة من معدن أصفر تناط بفروعها المدلاة ستة قناديل وقد وزعت في أنحاء المسجد.

وفي عام (1266هـ)، وبأمر من السلطان عبد المجيد الثاني أجريت إصلاحات عامة في المسجد، ورصفت الردهة الداخلية لباب السلام بالمرمر.

وفي عام (1301هـ) أزيل الحاجز الذي كان يفصل بين الرجال والنساء أثناء الصلاة.

ويذكر المؤرخون للمسجد الحرام أن عدد أسطوانات الحرم الرخامية بلغ بعد بناء السلطان سليم العثماني ثلاثمائة وسبعون عمواداً، وعدد القباب مائة واثنان وخمسون قبة، وعدد الأبواب ستة وعشرون باباً موزعة على الجهات الأربع.


منبر المسجد الحرام:

أول من أحدث المنبر في المسجد الحرام معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وكان على ثلاث درجات، وبقي على ذلك إلى أن حج هارون الرشيد فأهدى للمسجد منبراً منقوشاً عظيماً في تسع درجات، ثم أمر الواثق العباسي بعمل منبر بمكة وآخر بمنى وثالث بعرفة.

واستمر صنع الخلفاء للمنابر النفيسة من الخشب للمسجد الحرام إلى أن كان عهد السلطان سليمان بن سليم الثاني فبعث بمنبر من الرخام المرمر البراق الناصع البياض يصل ارتفاعه إلى حوال اثني عشر متراً.


منارات الحرم:

أما منارات الحرم فإن أبا جعفر المنصور بنى أول منارة على باب العمرة، ثم جاء ابنه المهدي فأنشأ ثلاث مآذن فصارت أربعاً، ثم ضم إليها المعتضد العباسي منارة خامسة، ثم أضاف السلطان قايتباي من ملوك المماليك سادسة. ثم في عهد السلطان سليمان بن سليم أضيفت منارة سابعة، ثم بعد الزيادة الأخيرة في أيامنا بلغت منارات الحرم المكي تسعاً في غاية الروعة والجمال يصل ارتفاعها إلى 89 متراً.

إنارة المسجد الحرام:

وابتداء من عهد معاوية أخذت القناديل تزهر في الحرم ثم لا زالت في ازدياد مع مرور الزمن وتوسع المسجد وتعاقب المهتمين بذلك حتى بلغ عددها عام (1335هـ) ألفاً ومئتين واثنين وعشرين قنديلاً، ثم أنير المسجد بالكهرباء للمرة الأولى عام (1354هـ) ومنذ ذلك الحين وإنارة المسجد الحرام مثار إعجاب ومضرب مثل في شدتها وجمالها وتوزيعها.

وفي عام (1345هـ) بلغ عدد الحجاج قرابة (400ألف) وهو عدد مهول في حينه مما دفع حكومة الملك عبد العزيز بن سعود رحمه الله إلى الشروع في التوسعة السعودية الأولى عام (1375هـ) بإضافة دور علوي للمطاف والمسعى مع تجديد الحوائط والأروقة والأعمدة والسقف والنوافذ والأبواب، وإعادة نقوشها وزخرفتها، وزيادة الأروقة، وإعادة بناء سبع منارات رائعة التصميم حول المسجد، فبلغت مساحة الحرم (193000متر مربع)، وأما التكلفة فبلغت (180 مليون ريال سعودي)، واستمرت نحو ست سنين، ونفذت على ثلاث مراحل.

وفي عام (1409هـ) بوشر في التوسعة السعودية الأخيرة والتي لم يشهد لها تاريخ المسجد الحرام من قبل مثيلاً سعةً وفخامة واتقاناً.

فقد أصبحت مساحة المسجد بعدها مع الأسطح وكامل الساحات (328.000 متر مربع) تتسع لحوالي مليون مصل في المواسم، وتشمل إضافة مئذنتين (89م) واستحداث أنظمة جديدة في السلالم المتحركة وتوزيع شبكة الصوت والإنارة وجميع الخدمات الخاصة بضيوف الرحمن مما سيبقى خالداً في سجل الذين قاموا به إلى يوم الدين. فهذه التوسعة والإضافات والتجديدات فيها تحتاج إلى سفر خاص وكتاب كامل... إنها بحق مفخرة من مفاخر المملكة سعودية.

المشروع الجديد لتطوير الحرم المكي

 

 

 

 
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
   
       
 
 
 
 
 
     
   

موقع أرض الحضارات

   

جميع الحقوق محفوظة

landcivi@landcivi.com