|
1ـ اسمه:
هو شهاب الدين أحمد بن محمد بن عمر بن أبي بكر بن أبي بكر بن عثمان
بن عبد اللطيف بن أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن حسن بن عبد الله
بن عبد ربه بن زيد ابن علي الأنصاري الحمصي الدمشقي الخطيب الشافعي، الشهير
بابن الحمصي، (يتصل نسبه بالصحابي الجليل عبد الله بن زيد الأنصاري). قاضي،
ومحدث، وفقيه، ومؤرخ.
2ـ حياته:
ولد ابن الحمصي في دمشق ليلة الجمعة الثامن من رجب سنة (841هـ)،
وقد سجل ابن الحمصي تاريخ ميلاده في مقدمة كتابه "حوادث الزمان"،
فقال:" مولد الفقير جامع هذا التاريخ .. المشهور بابن الحمصي الشافعي، كما
أخبرني والدي رحمه الله تعالى، وقت الثلث ليلة الجمعة، الثامن من رجب
الفرد، سنة إحدى وأربعين وثمانمئة ".
نشأ ابن الحمصي في بيئة علمية، ودينية،
في أسرة اشتهرت بالعلم والدين، تولى فيها كثير من أهله وأقاربه، مناصب مهمة
كالقضاء، والتدريس، والإفتاء، والخطابة، فجدته لأمه كما قال عنها في كتابه"حوادث
الزمان":" هي السيدة الزاهدة زينب بنت شيخ الإسلام، قاضي القضاة ولي
الدين محمد بن الفرفور"، وجده لوالده:" هو شيخ الإسلام، الإمام ولي الدين
قاضي دمشق الشافعي".
قضى ابن الحمصي معظم سنوات عمره في
دمشق، وتعلم بها علوم عصره، على أيدي علمائها، قال عنه نجم الدين الغزي في
كواكبه:" واعتنى بقراءة الحديث، وطلب العلم، وأخذ عن جماعة من الشاميين،
والمصريين ..".
وذكره ابن العماد الحنبلي في شذراته
بقوله:" وفَوض إليه القضاء، قاضي القضاة شهاب الدين ابن فرفور، ثم سافر إلى
مصر وفوض إليه القضاء أيضاً، قاضي القضاة زكريا الأنصاري، وكان يخطب مكانه
بقلعة الجبل، وكان الغوري يميل إلى خطبته، ويختار تقديمه لفصاحته، ونداوة
صوته، ثم رجع إلى دمشق في شعبان سنة أربعة عشر وتسعمئة، وخطب بجامعها عن
قاضي القضاة الشافعية، اللؤلؤي ابن الفرفور".
كان ابن الحمصي شافعي المذهب، كتب عن
شيوخه، وترجم لهم، وحضر مجالسهم، وذكر إجازتهم له، وسجل مؤلفاتهم، وما
صنفوه، وكانت أغلب إجازاته في علم الحديث، وأنه درس في سن مبكرة الفقه،
وناب في القضاء عن قاضي القضاة شهاب الدين ابن الفرفور، وكان يخطب بالجامع
الأموي استقلالاً بوظيفته، وقال عن ذلك:" خطب القاضي محب الدين الدسوقي
بالجامع الأموي، عوضاً عني، لأنني حصل لي ضعف، فانقطعت عن الخطبة، وقد تم
لي في خطبة الجامع الأموي خمس سنوات ـ أي من عام 915هـ إلى عام 920هـ ـ"،
وبعد عودته من مصر، انقطع عن الخطابة لأسباب صحية، ثم عاد إليها في الجامع
الأموي سنة تسع وعشرين وتسعمئة، وقال في ذلك :" هي أنه حال فراغي من الخطبة
بجامع بني أمية، صرخ صارخ يقول وقع الحريق ... إذا قائل يقول: حرقت دمشق".
وسمع ابن الحمصي وأخذ علمه من مشايخ
الشام، وانتظم في حلقات الدرس بالمسجد الأموي، ومدارس دمشق، وأشار إلى
العلوم التي حصَلها، وقد ذكر عدداً من شيوخه الذين أجازوه، والذين قرأ
عليهم، ومنهم: القاضي بدر الدين بن المغربي (ت868هـ)، والشيخ برهان الدين
الزرعي الشافعي (ت879هـ)، قرأ عليه صحيح البخاري بكماله، وأجازه به، وشرح
عليه المنهاج للنووي، والأشنهية في الفرائض، وغير ذلك، وكتب له إجازة حافلة
في (24) جمادى الآخرة سنة (873هـ). والشيخ برهان الدين أبو إسحق (ت867هـ)،
الذي عرض عليه محفوظاته فأجازه.
والتقى ابن الحمصي في سنة (867هـ)
بالشيخ العلامة، زين الدين أبي الفهم عبد الرحمن الشافعي القابوني الدمشقي،
بالجامع الأموي، وعرض عليه محفوظاته، فأجازه، وكتب له بذلك، وسمع منه عن
الشيخ زين الدين العراقي، صاحب الألفية في علم الحديث، والمصنفات الكثيرة،
وذكر ابن الحمصي بعضاً منها.
وحضر ابن الحمصي مجلس المحدث، قاضي
القضاة زين الدين عبد الرحمن قاضي عجلون، في الجامع الأموي، وحصل منه على
الإجازة.
وكذلك عرض ابن الحمصي علمه، ومحفوظاته
على بعض علماء حلب، كالشيخ المسند المعمر شمس الدين محمد بن مقبل (ت869هـ)
فأجازه.
وعندما سافر ابن الحمصي إلى مصر، أخذ
العلم عن قاضي القضاة، المحدث زكريا زين الدين الأنصاري الشافعي المصري
القاهري (824ـ926هـ)، الذي فوض إليه القضاء نيابة، والخطابة بقلعة الجبل،
لفصاحته وميل السلطان إليه.
وكان ابن الحمصي يحضر مجالس الأمراء
المماليك، ومناسباتهم مع جمع الشيوخ والقضاة والعلماء، ومثال ذلك حضوره مع
شيخ الإسلام زكريا، ونوابه عقد نكاح الأمير طومان باي، الدوادار الثاني
بالقلعة، في (3) جمادى الآخرة سنة (903هـ)، وأنه كان يحضر مع القضاة،
والعلماء لتهنئة السلطان بالشهر، في القلعة، فقال:" وكنت حاضراً معهم".
تولى ابن الحمصي مناصب مهمة في الدولة
المملوكية، كالتدريس، والقضاء، والتأليف، والخطابة، والإمامة، وتحصيل العلم
في مصر والشام، وعاشر رجال الدولة، وأهل العلم، فكانت ثقافته واسعة، استندت
إلى علوم عصره الدينية، واللغوية، والتاريخية، واشتغل بعلوم الحديث،
واللغة، والفقه، وكانت حالته الاجتماعية والمادية طيبة.
كان ابن الحمصي متابعاً لمؤلفات من
سبقه من المؤرخين في عصره، كابن حجر العسقلاني، كما كان معاصراً للمؤرخ ابن
طولون الصالحي (880 ـ953هـ) بالشام، والمؤرخ محمد ابن إياس (852ـ930هـ)، و
المؤرخ أحمد بن زنبل الرمال (توفي بعد959هـ) في مصر.
وتوفي ابن الحمصي في دمشق يوم
الثلاثاء، تاسع عشر جمادى الآخرة سنة (934هـ)، عن ثلاثة وتسعين عاماً، ودفن
بباب الفراديس.
3ـ مؤلفاته:
صنف ابن الحمصي:
ـ كتاب
التاريخ الكبير:
ويبدو أنه الكتاب الأول له، وأطلق عليه في سياق ما ذكره عنه في كتابه حوادث
الزمان، اسم "تاريخي الكبير".
ـ كتاب حوادث الزمان، ووفيات الشيوخ والأقران:
اعتبر ابن الحمصي هذا الكتاب، ذيلاً
على كتاب "إنباء الغمر بأنباء العمر" لابن حجر العسقلاني
(773ـ852هـ)الذي وصل فيه إلى سنة (850هـ)، ثم تبعه ابن الحمصي في بدء كتابه
اعتباراً من سنة (851هـ).
يوضح ابن الحمصي المنهج الذي اتبعه في
مقدمة هذا الكتاب فيقول:" وهذا تعليق مفيد، جامع فريد، جمعت فيه ما يسره
الله لي من حوادث الزمان، ووفيات الأعيان من الشيوخ والأقران، منذ مولدي ..
وهلم جراً، مفصلاً في كل سنة على ما وقع لي، وحررته، وشاهدته، واعتمدته.
وهذا الكتاب يَحسُنُ أن يكون، ذيلاً على تاريخ العلامة، والبحر الفهامة،
قاضي القضاة: شهاب الدين بن حجر الشافعي، .. المسمى: إنباء الغمر بأبناء
العٌمر. فإنه وصل فيه إلى سنة خمسين وثمانمائة، وابتدأه من مولده سنة ثلاث
وسبعين وسبعمائة، ووفاته رحمه الله .. سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة. وجعل
كتابه المذكور ذيلاً على تاريخ الحافظ عماد الدين ابن كثير، .. وسميته
حوادث الزمان، ووفيات الشيوخ والأقران ".
كان ابن الحمصي في هذا الكتاب شاهد
عيان لكل ما سجله في مرحلة زمنية مهمة، وخطيرة من تاريخ الأمة العربية، في
مصر والشام، وهي الفترة الممتدة من منتصف القرن التاسع الهجري، إلى منتصف
القرن العاشر الهجري، أي نهاية العصر المملوكي وبداية العصر العثماني، وما
ترتب على هذا الانتقال من تغييرات اجتماعية، ومناخية، واقتصادية، وسياسية،
وإدارية، وحوادث ووفيات، في مصر والشام.
يتألف هذا الكتاب من مقدمة وثلاثة
أجزاء، تحدث ابن الحمصي في مقدمته عن علم التاريخ وأهميته، ثم بدأ يؤرخ
للأحداث في مصر والشام، وتراجم الأعيان والشيوخ فيهما، في الفترة مابين
عامي (851ـ930هـ):
ـ الجزء الأول: يؤرخ للفترة مابين عامي (851ـ894هـ)، وقد أتمه في
القاهرة.
ـ الجزء الثاني: يؤرخ للفترة مابين عامي (903ـ908هـ).
ـ الجزء الثالث: يؤرخ للفترة مابين عامي (915ـ930هـ).
ويؤرخ ابن الحمصي في الجزأين الأول
والثاني من هذا الكتاب للفترة المملوكية في الشام ومصر، وفي الجزء الثالث
من الكتاب للفترة العثمانية في مصر والشام.
كتب ابن الحمصي كتابه على طريقة
الحوليات بالأيام والشهور والسنين، فجاء سجلاً يومياً، لما وقع بالشام
ومصر، وجاراتهما من الحوادث الكبرى، والصغرى، في عصر المؤرخ. ورتب حوادث كل
عام، تحت عنوان باسم ذلك العام بخط كبير، وكان يفتتح السنة بذكر الوظائف
الكبرى في الدولة المملوكية، ومن يتولاها، وخاصة إذا جاء بدء السنة موافقاً
لتولية سلطان جديد، بسبب ما يحصل من تغيير، وتبديل بين موظفي السلطنة،
ويذكر أصل السلطان وماضيه، ثم ينتقل إلى ذكر الحوادث، والأخبار حسب ترتيبها
الزمني، ثم يختم العام بذكر الوفيات والترجمة لأصحابها.
|