|
2ـ حياته:
" كان
ـ القربلياني ـ
رجلاً ساذجاً ـ أي سليم الطوية ـ
مشتغلاً بصناعة الطب عاكفا عليه عمره، محققاً
لكثير من أعيان النبات، كلفاً به متعيشاً من عشبه أول مرة، وارتاد
المنابت
وسرح بالجبال، ثم تصدر للعلاج، ورأس
به، وحفظ الكثير من أقوال أهله،
نسخ جملة كنانيشه على ركاكة خطه، وعالج السلطان نصر (المستقر بوادي
آش) وقد طرق بها مرض وافد ـ أي وباء ـ ثم رحل إلى العدوة، وأقام
بمراكش سنين عدة، ثم كرَ إلى غر ناطة عام أحد وستين وسبعمائة، وبها هلك
على إثر وصوله ".
وتشير المصادر التاريخية أن
القربلياني أقام بسبتة وفاس ومراكش، حيث زاول مهنته، وباشر علاج
المصابين بالسهام، أو بكسور العظام، أو بأصناف من الأورام.
وقد توفي القربلياني في السابع عشر من
ربيع الأول من عام (761هـ / 1332م ).
3ـ
شيوخه وتلاميذه:
ذكر ابن الخطيب أن القربلياني قرأ على عبد الله بن سراج وغيره، كما
ذكرعنه أنه:"زعم أنه قرأ على أبيه ببلده في قره بليان، بلد الدجن، وأخذ
الجراحة عن فوج من محسني صناعة عمل اليد من الروم ".
وقد ذكر القربلياني في كتابه
شيخاً نصرانيا ًمن شيوخه سماه "الميشو برناد".
وقد أخطأ المستعرب الفرنسي رونو حين علق على ذلك بأن السبق في ميدان
الجراحة انتقل في عصر الدولة النصيرية إلى أطباء النصارى، بعد ما كان
التفوق للمسلمين في عصر الزهراوي، فبرنا رد هذا لم يكن الشيخ الوحيد
لابن فرج بل تعلم على أبيه وعلى ابن السراج وغيرهم.
وعلى الأقل فإن هذا الأمر لا يصح الاستدلال به على ما يقول، فالواقع
يثبت أن التفوق في ميادين العلوم بقي للمسلمين حتى سقوط غرناطة في
أواخر القرن الخامس عشر الميلادي.
وأما عن تلاميذه فلا نعلم شيئاً سوى ما ذكره القربلياني نفسه في كتابه،
إذ كان يخاطب فيه ابنه.
غير أن المد جنَين من المسلمين ظلوا قائمين على العلم، رغم سقوط
قواعدهم في أيدي النصارى ، وكان ذلك مكسباً ثميناً للنصارى، وكانت تلك
الإرهاصات الأولى للنهضة العلمية التي ستشهدها أوربة.
4ـ مؤلفاته:
ذكر لسان الدين ابن الخطيب أن
للقربلياني كتاباً في النبات، ولا نعرف عن هذا الكتاب شيئاً. ولم يذكر
أن له كتاب " الاستقصاء والإبرام " الذي وصل إلينا.
وقد قسم القربلياني كتاب الاستقصاء إلى ثلاث مقالات:
·
الأولى: في الأورام.
·
الثانية:في الجراحات
والجبر.
·
الثالثة: في الأدوية
المفردة والمركبة التي تصلح للأورام والجروح والحروق والجبر وما إلى
ذلك.
5ـ
منهج القربلياني في
كتابه
الاستقصاء
وأهميته:
سار القربلياني في كتابه على نهج تعليمي وعملي يخاطب فيه ابنه ويعلمه
قواعد الصناعة ويلح عليه في أن يعتمد على التجربة والمعاناة وأن لا
يعول على الكتب فقط.
وأسلوب القربلياني سهل واضح، وهو في
بعض الأحيان أقرب ما يكون إلى لغة الكلام الدارج، وكتابه غني
بالمصطلحات الفنية.
وقد استفاد القربلياني من مؤلفات جالينوس وذكر منها خصوصاً " رسالة
إلى أغلوقن ". كما رجع إلى المقالة الثلاثين من كتاب"التصريف
لمن عجز عن التأليف " للزهراوي، كما أفاد ـ أيضاً ـ من
المقالة الثانية في تقسيم الأمراض وعلاماتها وعلاجها.
يعد هذا الكتاب من المؤلفات المهمة في تاريخ الطب في الغرب الإسلامي،
لكونه قد عني بنوع من التخصص برز فيه الطبيب الزهراوي وحده في كتابه
"التصريف "، ولم يصلنا مؤلف غيره إلا كتاب " الاستقصاء" في الكي
والجراحة والجبر، مع فرق بين التأليفين، هو أن الزهراوي عني بالجراحة
العامة، بينما اقتصر القربلياني على ذكر الأورام وعلاجها، وعلاج الجروح
التي تصيب الجسد، وإخراج ما ينشب فيه من السهام ونحوها، بالإضافة إلى
علاج الكسور والخلع والرضوض، ويمكن لنا أن نعتبر القربلياني الاختصاصي
الأول في الجراحة الصغرى.
كان القربلياني كثير التحفظ في
كتابه حول علاج الآفات التي لا يرجى شفاؤها، لاسيما الأورام السرطانية
والمتعفنة. وكان يشتكي من جهلة عصره الذي ينتحلون هذه الصناعة بلا علم
ولاتجربة .
إذن، يمكن القول إن الطبيب المسلم أبو عبد الله القربلياني
كانت له مشاركات مهمة سطرها له تاريخ الطب في علاج المصابين بالكسور
ورضوض الحرب، والأورام عموماً، مما سمح بان يكون في مقدمة المختصين
بالجراحة الصغرى.
فقد قام القربلياني بتصنيف الأورام والكلام على تدبيرها على حسب نوعها
وطبيعتها وموقعها من الجسم، وكذلك تحدث عن أسباب فشل معالجتها، وعن
اختلاطاتها.
وكذلك فقد قام ببيان أنواع
الرضوض التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان، وكذا مختلف الجراح والكسور مع
ذكر درجاتها ومضاعفاتها في حال تهتكها.
وكان هذا العالم الجليل يوصي تلامذته (كغيره من علمائنا في الأندلس )
بإتقان صناعة الجراحة واكتساب العلم والتجربة، وبعدم انتحال هذه
الصناعات من غير مؤهلات.
|