|
2ـ حياته:
ولد تقي الدين التميمي في مصر، ولم تذكر المصادر التاريخية
التي ترجمت له سنة مولده، وذكر كحالة أن التميمي ولد سنة (950هـ) ولعله
استنبط ذلك من أنه توفي في سن الكهولة.
ولم تذكر لنا المصادر التراثية شيوخه، ولا تلامذته، ولم نعلم
من أحواله الاجتماعية إلا أن ولده كان عاقاً له، وفي ذلك يقول:"
حَسَنٌ نُونُه مُقدمةٌ لعَن الله مَن
يُؤخرُها
كانت ثقافة تقي الدين التميمي ثرةً فياضة، فقد أخذ من منابع
علمية عدة، وقرأ على عدد كبير من العلماء، ولم يقتصر على الفقه علماً
يصل عن طريقه إلى منصة القضاء، وإنما أتقن علوم الأدب واللسان، ويتضح
هذا من إيثاره إيراد القصائد والنكت الأدبية في كتابه "الطبقات
السنية"، واعتذاره عن ذلك بأنه أحب ألا يخلو كتابه عن الأدب.
وأتقن تقي الدين التميمي أيضاً علم التاريخ، والمقدمة التي قدم
بها لكتابه "الطبقات السنية"، وما حوت من إرشادات للمؤرخ، ومعالم هداية
لقارىء التاريخ، تغني عن الحديث في ذلك.
رحل تقي الدين التميمي إلى بلاد الروم، فقد ذكر الشهاب الخفاجي
أنه كانت بينه وبين تقي الدين التميمي مودة أكيدة، ومراسلات ومكاتبات
بالروم. وذكر المحبي في كتابه خلاصة الأثر أن:" القاضي تقي
الدين التميمي الغزي الحنفي صاحب الطبقات، العالم العلم، الفاضل،
الأديب الجم، الفائدة، المفنن، أخذ عن علماء كثيرين، وجال في البلاد،
ودخل الروم جمع فيها جملة من علماء الروم وعظمائها وأكابر سراتها
ورؤسائها ".
اشتغل تقي الدين التميمي بالقضاء، وتولى القضاء في منطقة
الجيزة وتوابعها، وعلى هامش نسخة كتابه الطبقات التي يقال إنها بخط
المؤلف أنه كان قاضياً بقونية أيضاً، وفي آخر الطبقات يذكر التميمي أنه
أتمها سنة (989هـ) وهو قاض بمدينة فُوة.
وتحدث الخفاجي في كتابه ريحانة الألبا عن
التميمي وأثنى عليه كثيراً، وذكر أنه ـ التميمي ـ قبل توليه القضاء كان
عزوفاً عنه، وكان في مبدأ أمره، وإقبال طلائع عمره، مقبلاً على
العبادة، حرفته الزهادة، وحانوته السجادة، ثم ساقه القدر والقضاء، فرضي
بما قدره الله وقضى، بعدما كان يقول:
من تمنى القضا فلا تعطينه واجعل الموت
سابقاً للقضاء
وقد عبر تقي الدين التميمي عن ضيقه بهذا المنصب، وألَمِه
لمهانة الفقهاء بقوله:
أحبابـنا نُـوَبُ الزمانِ كثيرةٌ وأَمَرُ
منها رِفعَةُ السُفَهاءِ
فمتى يُفيقُ الدهرُ من سَكَراتِهِِ وأَرى
اليهودَ بذِلَةِ الفقهاءِ
وقال أيضاً:
ما أبصـرتْ عينُ امـرىءٍ في الدهـر يوماً
مِثلنا
عشـقٌ وحـرمـانٌ بـه أبـداً تَـرانا في
عَنـَا
الـدُون لا نَرْضَـى بـهِ والعالُ لا
يرضـى بنَا
وقد ساق الخفاجي طَرَفاً من شعر تقي
الدين التميمي، يدل على تمكنه من ناصية البيان، كما ضَمن تقي الدين
التميمي كتابه "الطبقات السنية" بعض قصائده، ومنها قصيدته التي مدح بها
معاصره أحمد بن حسن بن عبد المحسن الرومي، وقد بلغت أبياتها (68)
بيتاً، افتتحها بقوله:
لي في الغرام بمن أهوى صَباباتُ لها نِهاياتُ
مَن يهوى بداياتُ
ومنها أيضاً قصيدته التي مدح بها السلطان خان بن السلطان سليم
خان العثماني، حين قدَم إليه كتابه "الطبقات السنية" وبلغت أبياتها
(19) بيتاً، افتتحها بقوله:
دانتْ لهيْبتـك الأيامُ والأمـمُ وقد أطاعك
فيها السيفُ والقلمُ
توفي تقي الدين التميمي وهو في سن
الكهولة في القاهرة يوم السبت خامس جمادى الآخرة سنة (1010هـ).
3ـ مؤلفاته:
ترك تقي الدين التميمي الكثير من المؤلفات:
ـ كتاب تذكرة.
ـ رسالة السيف البراق في عنق الولد العاق:
ألفها لما كان ولده الحسن عاقاً له، ومنها البيت التالي:
حسَن نُـونُه مُقدَمـةٌ لعـَن اللهُ مَن
يؤخِـرها
ـ حاشية على شرح ابن المصنف بدر الدين أبي عبد الله محمد بن محمد،
المعروف بابن مالك في النحو: وهي حاشية جمع فيها أقوال الشراح وحاكم
فيما بينهم.
ـ مختصر يتيمة الدهر لأبي منصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي
النيسابوري (ت429هـ): وذكر إنه اختصرها في مقدار نصفها.
ـ مختصر ذيل اليتيمة لحسن بن مظفر النيسابوري (ت443هـ).
ـ وله نظم ونثر: فقد كان تقي الدين التميمي صاحب نثر أيضاً، ذكر ذلك
الخفاجي في كتابه ريحانة الألبا.
ـ كتاب الطبقات السنية في تراجم الحنفية:
يعتبر كتاب "الطبقات السنية" لتقي
الدين التميمي من أشمل الكتب في موضوعه، لأن مؤلفه استقى مادته من
الكتب التي سبقته، كما أنه لقي كثيراً من المترجمين المعاصرين له وأفاد
منهم. وقد شهد له بذلك شهاب الدين الخفاجي، بقوله:" وله تصانيف سمعناها
منه، منها طبقات الحنفية، وهي في مجلدات، جمع فيها من شقائق النعمان كل
ثمرة جنية".
وكذلك يذكر المحبي في كتابه خلاصة الأثر أن التميمي:"
أحسن ماله من التآليف طبقات الحنفية، وقفت على حصة منها ".
وقد جمع تقي الدين التميمي في هذا الكتاب بإسهاب تراجم رجال
المذهب الحنفي حتى نهاية القرن العاشر الهجري، من كل المصادر التي وقعت
له، والتي ذكر طرفاً منها في مقدمة الكتاب، ورتبه على حروف المعجم،
فأوعى وأجاد، وهو من أجل الكتب المؤلفة في تراجم أهل الرأي، أدرج فيه
رجال الشقائق ومن بعده إلى زمانه.
أتم التميمي تأليف هذا الكتاب سنة
(989هـ)، ذكر ذلك في آخر كتابه فقال:" تم تأليف هذا الكتاب .. على يد
جامعه .. تقي الدين بن عبد القادر التميمي الداري القاضي بمدينة فوة من
المزاحمتين، وذلك في نهار الخميس المبارك، عاشر شهر رجب الفرد، من شهور
سنة تسع وثمانين وتسعمائة أحسن الله ختامها ".
ولعل تقي الدين التميمي بعد ذلك ذهب
بالكتاب إلى حاضرة الخلافة العثمانية سنة (993هـ)، وقدمه إلى من عمله
برسمه، وهو السلطان مراد خان بن سليم العثماني (ت1003هـ)، وكوفىءَ على
ذلك بقضاء قونية، فيقول التميمي في مقدمة كتابه:" وقد صدَرت هذا الكتاب
بمقدمة، تشتمل على بيان من ألفتُه باسْمه، وعمِلته بَرسْمه"، وجاء في
هامش آخر صفحة من نسخة التميمي بخط دقيق:" ألفه بمدينة قونية، وهو قاض،
في زمن مراد خان بن سليم".
وقد أوضح التميمي المنهج الذي اتبعه في
مقدمة كتابه فقال:" فخطر في خلدي أن أجمع كتاباً مفرداً، جامعاً لتراجم
السادة الحنفية مستوفياً لأخبارهم وفضائلهم ومناقبهم، وذكر مؤلفاتهم
ومصنفاتهم، ومحاسن أشعارهم، ونوادر أخبارهم، وغير ذلك، بحسب الطاقة،
ونهاية القدرة".
يتألف كتاب الطبقات من مقدمة تحتوي
على أبواب وفصول فيها فوائد مُهمة في طبقات مسائل الحنفية، وفوائد
تتعلق بفن التاريخ وكتابته، وبيان معناه وفضيلته، وفي أدب المؤرخ، وعلى
بيان ما اصطلح عليه التميمي في كتابه مثل معرفة أصل الوفاة من حيث
اللغة، وباب في العلم والكنية.
ثم يتحدث عن سيرة النبي صلى الله عليه
وسلم وصفته وأسماؤه واصطفاؤه وفضله على سائر الخلق وأخلاقه ومعجزاته،
ثم يترجم للإمام أبي حنيفة النعمان ومناقبه وثناء الأئمة عليه وفضائله
ووصيته إلى أصحابه، ثم يرتب التميمي التراجم ترتيباً ألفبائياً بحسب
الاسم ثم اسم الأب، ثم أضاف إلى آخره لحقاً بالكنى والأنساب والألقاب،
فقد ذكر التميمي في مقدمة كتابه أنه أورد باباً للأنساب والألقاب في
آخر الكتاب سماه "توشيح الديباج وحلية الابتهاج" لمحمد القرافي المتوفى
سنة (1008هـ).
ويبدأ التميمي بذكر من اسمه آدم، ثم إبراهيم، ثم أحمد، وهكذا. وربما
أكثر في بعض التراجم من ذكر الأشعار. وقد غطت التراجم فقهاء المذهب
الحنفي ومن كتبوا فيه منذ عهد أبي حنيفة حتى عهد المؤلف، وجمع رجاله
فبلغوا (2523) رجلاً.
وقد استمد تقي الدين التميمي مادته من
مصادر عديدة أشار إليها في مقدمة الكتاب، فيقول:" فانتخبت ذلك من الكتب
المعتبرة، التي يُرجع في النقل إليها، ويعول في الرواية عليها، من ذلك:
تاريخ الخطيب البغدادي، تاريخ ابن خلكان، تاريخ ابن كثير، ..وغير ذلك
من التواريخ، والطبقات والتراجم، وأسماء الرجال، ودواوين الشعراء،
ومجاميع الأدباء، ومن أفواه الثقات، وأعيان الرواة، ولا أنقل شيئاً إلا
بعد أن يشهد له العقلُ والنقل، وغَلبةُ الظن بالصحة".
|