|
وأخيراً تحقق حلمي بالعودة إلى الوطن، لأتابع وأشارك في أفراح مدينتي الحبيبة،
وأنا محمّل بالعديد من الأفكار والآمال، مستقلاً الطائرة لأحلق نحوها، وعندما
أعلن قائد الطائرة ربط الأحزمة للبدء بالهبوط التدريجي نحو المطار، بدأت أنظر
من نافذة الطائرة وبتلهف واشتياق، حاملاً في جنباتي سعادة طفل صغير يركب
الطائرة لأول مرة في حياته، متابعاً من النافذة وبكل غبطة نسيج مدينة حلب
العمراني الرائع، ويا لجمال هذا النسيج المزركش بأجمل المباني الأثرية، الذي
تتوسطه قلعتها الشامخة وبشكلها الإهليلجي، كما ويحيط بها الكثير من المساجد
التي تعود إلى عدة عصور إسلامية، إضافة إلى الخانات والقيساريات والحمامات
والبيمارستانات والأسواق المسقوفة، والمساكن التقليدية ذات الأفنية الواسعة.
ومع هبوط الطائرة ومغادرة المطار، أنقضّ علي أحد سائقي سيارات الأجرة، منتزعاً
حقيبتي اليتيمة وبكل عنف وحفاوة، مصراً أن أستقل سيارته، ومضيت أجري خلفه إلى
أن وصلنا إلى سيارته الأثرية. وصعدت السيارة محاولاً أن أستنشق هواء مدينتي
العليل، قبل أن أختنق بدخان سيجارة سائق السيارة، الذي ما لبث أن ضاع بين دخان
السيارات والباصات المارة، وكنت أترنح يمنة ويسرى، ولا أدري سبب ترنحي هذا
ألسعادتي أم لوعورة الطريق؟ ووصلنا إلى تلك العقدة التي أبت أن تنحل (عقدة
الصاخور) الواقعة على طريق المطار، ولست أدري ما الحل لحل تلك العقدة، وللإسراع
في استكمالها قبل بدء الاحتفالية ووصول الضيوف المدعوين، مع العلم بأن طريق
المطار أحد أهم الطرق الحيوية التي تعطي للزائر والسائح أول انطباع عن المدينة.
ولم يترك لي السائق أدنى فرصة أو لحظة لأفكر أو أتأمل واجهات البعض من المباني
المختفية وراء ظلمة شوارع مدينة حلب، طارحاً عليّ العديد من الأسئلة الدقيقة،
ليعرف من أين أنا قادم، وما هي مهنتي، وكم هو مرتبي، وأخيراً حمدت المولى على
وصولي للبيت، وعندما سألته عن أجرته فأجاب: طربوش. واندهشت متسائلاً بما يقصده
بالطربوش، لكنه أنقذني وكعادته بقطع تساؤلاتي ليقول لي: يعني (فايف هاندرد)،
فسررت كثيراً ليس لأنني أدفع ضعف القيمة الحقيقية لهذا المشوار الممتع، بل لأن
السائق يجيد اللغة الإنجليزية، وهذه سمة حضارية مهمة، تساهم أيضاً في صناعة
السياحة الثقافية.
وفي اليوم التالي وعندما اجتمعت بالعديد من الأصدقاء متسائلاً عما قدموه من
مساهمات ودعم لهذه المناسبة، صعقت عندما سألني البعض منهم عما يعنيه هذا الحدث
وعن أهميته، وهم من شريحة أبناء حلب المثقفين، علماً بأن الجهات المعنية قد
وزعت وعلى معظم اللوحات الإعلانية المنتشرة في شوارع مدينة حلب صوراً تعريفية
بهذه المناسبة العظيمة، ولا نستطيع هنا أن نغفل جهود الباحثين والمهتمين بمدينة
حلب، عبر ما ذكروه في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، عن أهمية اختيارها
كعاصمة للثقافة الإسلامية، ولماذا مدينة حلب، إضافة إلى ما قام به موقع أرض
الحضارات مشكوراً، بتخصيصه حيزاً منه لهذه المناسبة الكبيرة، تستقطب من خلالها
الكتاب والمهتمين من أبناء مدينة حلب، وغيرهم من المهتمين، ليكتبوا عن هذه
المناسبة وأهميتها، فتساءلت حينها إلى متى سنكتفي بالوقوف في موقع الناقد
والمتفرج فقط، وحدث من هذا النوع والضخامة بحاجة إلى مزيد من التفاعل والتعاون
بين جميع أبناء مدينة حلب لا المسؤولين فقط، فقد آن الأوان لأن نكون أشد
تلاحماً وتعاضداً وتعاوناً فالأيام تمضي بسرعة، ولم يتبق سوى شهرين لحفل
الافتتاح، والذي سيليه العديد من الندوات والمحاضرات والمعارض، التي يجب أن
نشارك جميعنا بها من خلال التنظيم والاستقبال أو حتى الحضور، لعكس مستوى ثقافة
أبناء حلب، وعلينا أن نساعد جميع الجهات المسؤولية في إنجاح هذا الحدث، الذي
يمثلنا جميعاً، راجياً وواثقاً من أن هذا الحدث سيكلل بالنجاح، بفضل مساهمات
البعض من أبناء مدينة حلب الأوفياء، من خلال كتاباتهم وبحوثهم وتخصيص مواقع
خاصة على شبكة الإنترنت، للتعريف بهذه المناسبة، فلنكن يداً واحدة، ولنجعل من
تلك المدينة موئلاً للباحثين والسياح، كما كانت عليه في السابق، من خلال
إسهاماتها الثقافية والفكرية.
ودعونا جميعاً نساهم بالتعريف بمدينة حلب المحروسة، ونستفيد من احتفالاتها
كعاصمة للثقافة الإسلامية، وأن نوظف هذا الحدث بتقديم الصورة الحقيقية والمشرقة
لتلك المدينة العريقة المكتظة بالكثير من المباني الأثرية، التي تحكي وتروي لنا
وللزوار حكايات أمجادٍ وانتصارات وتسامح وانصهار بين جميع الأديان والحضارات.
|