|
و "
مكتبة الأطفال المصوَّرة " مشروع ملهَم ورائد ، يكتسب أهميّة مضاعفة
لقيمته الأدبيّة والتربويّة ، ولاسيّما في محيطه زمانيّاً ومكانيّاً .
أمّا قيمته الأدبيّة فلكونه إصدارات أدبيّة حقيقيّة غنيّة ومنوّعة ، موجَّهة
إلى الطفل بالطريقة نفسها التي يوجّه بها الأدب إلى الراشدين ، فهي مادة
اختياريّة ترفيهيّة غايتها ، الظاهريّة طبعاً ، تحقيق المتعة ، وذلك في
وقت كان التوجّه فيه بالنصّ المكتوب إلى الأطفال لا يتمّ إلاّ عبر
الكتاب التعليميّ المفروض ، الذي يمتح في الغالب من نصوص التراث ، أو ممّا يجود
به بعض الشعراء في دواوينهم من نصوص شعريّة ونثريّة عن الأطفال ، في أكثر
الأحيان ، وللأطفال في أقلّها ، ندر ما تخرج عن الوعظ والتعليم .
ولئن
وجدنا من قام بجمع الأناشيد السائرة (على غرار ما فعل جميل وأنور سلطان وعبد
الرحمن السفرجلانيّ في كتاب " الاستظهار المصوَّر في أدب البنين والبنات " الذي
صدر عام 1937 ) ، فإن الكتاب لم يخرج عن دائرة التعليم.
والوعظ ، ولم
يعدُ بالتالي المصدرَين اللذَين ذكرتُ .
وأمّا قيمته التربويّة فلخصوصيّة اكتسبها من طبيعة إخراجه وتقديمه ،
حيث هو مجموعة من الكتيّبات التي تصدر تباعاً ، ممّا يجعلها ممكنة
الاقتناء نظراً لزهادة ثمنها ، ولوجود فسحة من الوقت تسمح للطفل أن
يشتريها من مدخراته ، ولكونها تؤمّن له عنصر التشويق ، وتربطه
وجدانيّاً بالكتاب ، وتهيّئه لتكون له مكتبته الخاصّة في المستقبل .
وهي من هذه الناحية وحدها تلبّي للقارئ الصغير طائفة من الحاجات الحيويّة
كالحاجة إلى الاقتناء أوالتملّك والجمع والاستقلاليّة والتدبير ، وحاجات أخرى
أترك للمشتغلين بالتربية أن يبسطوا القول فيها . كل ذلك تؤمِّنه للطفل آليّة
إخراج " مكتبة الأطفال المصوَّرة " إضافة إلى ما تؤِّنه مادّتها من الحاجات .
في فجر
الأربعينات من القرن المنصرم ، وحيث كان الطفل في سوريّة ، كما في سائر الأقطار
العربيّة ، يعاني ظروفاً قاهرة بائسة ، عاد الأستاذ محمّد لطفي الصقّال الأديب
والمربّي الحلبيّ المعروف إلى الوطن بعد إقامة طويلة في فرنسا ، وكان في رأسه
عاصفة من الأفكار ، وجَّهته إليها دراسته لعلم نفس الطفل ، وأغناها
احتكاكه بأساليب الغرب في مخاطبته ، حيث كان أدب الأطفال قد بدأ يفرض
وجوده ، ويرسم أبعاده ، ويبلور شخصيّته المستقلّة عن التعليم والوعظ الدينيّ .
ولم
يحُلْ ضعف الإمكانيّات ، وانعدام الكوادر الفنيّة ، وشحّ التمويل دون ولادة
المشروع الرائد الذي حلم به ، وأُطلق عليه اسم " مكتبة الأطفال المصوَّرة " .
وهي سلسلة إصدارات دوريّة ، بدأ الأستاذ الصقّال رحمه الله نشرها
عام 1943 . وأعلن في حينه أنها سوف تبلغ العشرين إصداراً في العام
، ولكنّه ، فيما يبدو ، لم يستطع الالتزام بذلك . فأنا لم أعثر إلاّ على خمسة
من إصدارات العام الأوّل ، وذلك بالاعتماد على التاريخ المذكور فيها . بيد أنه
لا يمكننا الركون إلى هذا الرقم بسبب
ضياع الكثير
من تلك الإصدارات ، واضطراب تصنيفاتها ، وترقيمها التسلسليّ ، وعدم إثبات تاريخ
الصدور في معظمها .
وقد
اتّخذت تلك الإصدارات شكل كتيّبات يتراوح عدد صفحات الواحد منها بين 16
و 35 صفحة ، بما في ذلك الغلاف ، بمقياس يتراوح بين 15×11 سم ، و 10×8.5 سم من
الورق الأصفر الخشن ، أو الزبديّ الأقلّ خشونة . أمّا الأغلفة فكانت من ورق
الكتيّب نفسه ، ولكنّها كانت في الغالب ذات لون مخالف كالأحمر أو الأزرق ،
وربما كانت بأربعة ألوان ، وقد يقتصر الغلاف على على رسم بسيط بالأسود إضافة
إلى العنوان . ويشغل الغلافَ الأخير إعلان عن الإصدار التالي ، أو قائمة
بأسعارالبيع ، وقيمة الاشتراك ، وقد يذكر اسم المطبعة ، وتاريخ الطباعة .
ولا يخلو نصّ من الرسوم ، أو الصور الفوتوغرافيّة ، باللونين الأبيض
والأسود ، ويقلّ عدد تلك الرسوم والصور ويكثر على غير نظام . أمّا في الموضوعات
الفنيّة التطبيقيّة ، أو العلميّة ، فتغطّي الرسوم والصور معظم الأفكار .
ويمتاز كثير منها بالدقّة والإتقان ، والحرص على الناحية الجماليّة ، والعناية
بالتفاصيل التي تثير اهتمام القارئ الصغير . إلاّ أنها في بعض الأحيان تكون
بدائيّة وغير متقنة .
وقد يكون
الإصدار قصّة مصوَّرة محلّيّة ، أو منقولة عن مصدر أجنبيّ ، ومزوّدة بترجمة
جيّدة ، ولكن معظم الصور تفتقر إلى الوضوح ، وذلك لرداءة الورق وسوء التصوير
والطباعة . وكثيراً ما لا نرى إشارة إلى الرسام ، باستثناء الفنانَين
المشهورَين خالد العسلي وفتحي محمّد .
وتحتوي
إصدارات " مكتبة الأطفال المصوَّرة " موادّ متنوِّعة ، أدبيّة وثقافيّة
وعلميّة وترفيهيّة ، فيها الموضوع والمترجم . ويقتصر كلّ منها
على مادّة واحدة ، هي في الغالب قصّة أو مقالة ، إضافة إلى صفحة لكلمة الناشر
وهو الأستاذ الصقّال ، وصفحة أو اثنتين لموادّ منوّعة كالمسابقات أو الطرائف أو
الكلمات المتقاطعة ، ممّا يؤمّن الحيويّة في العلاقة بين الطفل والكتاب .
وأغلب النصوص مضبوط ضبطاً كاملاً ، وقليل منها يقتصر ضبطه على أواخر
الكلمات . وقد كان الكثير منها بأقلام معروفة في مجال الأدب والتربية
يومذاك مثل خليل الهنداويّ ، وخير الدين الأسديّ ، وبهجة الشهبندر ، وإبراهيم
الكيلانيّ . وكان بعضها بقلم الأستاذ الصقّال نفسه .
وندر ما
كان الأستاذ لطفي الصقّال رحمه الله يلجأ في إصداراته إلى النقل الحرفيّ الذي
كان مُتاحاً ، أو إلى الترجمة الببغاوية الركيكة ، بل كان يحرص على أن
يُضفي على إصداراته المترجمة نكهة المحيط الذي يطرحها فيه ، ويمنحها هويّة
محلّية تراعي خصوصيّة قرّائها الصغار . وكان يشجّع قرّاءه على
الكتابة ، وينشر الصالح ممّا يكتبون .
خاطب
الأستاذ الصقّال الطفل بأخي الصغير ، ووقّع الخطاب بصديق الأطفال ، وقدّم
لقرائه الصغار ورداً متاحاً ، يروي عطش عيونهم وقلوبهم وعقولهم إلى المعرفة
والاطّلاع والتجربة والتسلية والضحك ... لقد كان كلّ إصدار من " مكتبة الأطفال
المصوَّرة " شيئاً طريفاً وغريباً وممتعاً ، يمكن اقتناؤه ومخاطبته ومراسلته ،
ومباراة الأقران عبره .
ولم ترصد دراسات أدب الطفل في سورية تلك السلسلة من الإصدارات ، وكانت
نجماً متألّقاً في فجر أدب الأطفال السوريّ ، بل العربيّ عامّة . والإشارة
الوحيدة إليها وقعت عليها مصادفة في معجم المؤلِّفين السوريّين ، حيث استوقفتني
العبارة المقتضبة التالية : ( مكتبة الأطفال المصوَّرة ، عدد 35 ) .
وقد
أوقفني البحث على تسعة وأربعين عنواناً من تلك الإصدارات ، استطعت
العثور على ثلاثين منها ، بعضها قدّمه إلي الأستاذ الصقّال رحمه الله بنفسه عام
1977 ، وبعضها تحتفظ به أسرته ، والبعض الثالث عناوين عثرت على معظمها في
الأعداد الثلاثين التي بين يديّ .
وقد
طبعت معظم أعداد المجلّة في مطابع مدينة حلب كالمطبعة الحلبيّة ،
ومطبعة لوكس ، والمطبعة العصريّة ، ومطبعة نايري ، ومطبعة طبّاخ أخوان ، كما
طبع بعضها في مطبعة الترقّي في دمشق .
كانت "
مكتبة الأطفال المصوَّرة " جهداً فرديّاً بكلّ معنى الكلمة ،
فرغم أن المشروع قد لقي الكثير من الإعجاب ، وحظي بالجمّ الغفير من عبارات
التشجيع من المعنيّين بالتربية والأدب والفنّ ، إلاّ أن الجانب الماديّ
منه قد اضطلع به الأستاذ الصقّال وحده ، فكان ، رحمه الله ، يكتب ،
ويستكتب ، ويشتري الورق ، ويشرف على عمليّة الطبع ، ويدفع أجورها ، ويقوم
بالتوزيع ، فيحمل النسخ بنفسه إلى المكتبات .
والأعجب
من ذلك كلّه أنه كان يُجري على صفحات إصداراته المسابقات ، ويُقدّم للفائزين
فيها الجوائز . وقد روت لي السيّدة درّيّة الخطيب زوجته أنه كان ينفق على
على ذلك من ماله الخاصّ ، حيث أن المردود الماديّ للمجلّة لم يكن يسمح
بذلك .
وقد خاض
رحمه الله معركة صعبة ، استنفدت وسع الخطا والجهد والمال ، وهو يمسك بيد وليدته
النحيلة ، يماشيها شوطاً ، ويجرّها أشواطاً في زحمة الفقر والجهل والتخلُّف ،
ويعبر بها العقبات الكأداء إلى عقول وقلوب أَحبّها ، وآمن بأن
التوجّه إليها قمّة في أشكال النضال الذي كانت تخوضه سورية
يومذاك .
هكذا
قدّم ذلك المربّي الفدائيّ إلى جيل من صغار حلب خاصّة ، وسورية عامّة ، في
مطالع الأربعينات تلك التحف الصغيرة النفيسة ، في زمن لم يكن فيه للسعداء منهم
أكثر من مقعد متآكل ، وحقيبة بائسة ، وعصاً متسلِّطة ، وكمّ خانق من الوعظ
والتهديد والوعيد .
وأجدني
اليوم ، وقد شطّت بي طرقات القلم بعيداً عن هذه المدن النقيّة الفاتنة ، أفتقر
إلى الأدوات التي كانت لي يوم وُئدت خطواتي على مداخلها ، وحال بيني وبين مقصدي
ماحال . وإنّي لم أزل ادّخر المادّة المصوَّرة ، والكثير من تعليقاتي
عليها لمن يرغب في دراستها ، حيث يمكن أن تكون إضافة ذات شأن إلى تاريخ
أدب الأطفال في سورية .
وآخر
دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين .
|